http://www.c-we.org - مركز مساواة المرأة


مظاهر العنف المكتسبة من التلفزيون لدى الاطفال العراقيين

جليل وادي

2010 / 1 / 11

د. جليل وادي
مركز ابحاث الطفولة والامومة

المقدمة


حظيت قضايا الطفولة المعاصرة باهتمام كبير من الباحثين والدارسين في العالم ، وكان من بين تلك القضايا موضوع العنف التلفزيوني والاطفال ، وهذا يعني في جانب منه ان العنف اصبح ظاهرة دولية تتسع يوما" بعد آخر ، الامر الذي وجدت لها انعكاسا" واضحا" في الرسائل التلفزيونية الموجهة للاطفال ، الى درجة اصبحت فيه الحاجة لمشاهد العنف بالنسبة لمنتجي ومخرجي البرامج التلفزيونية كالملح في الطعام كما يقولون ، اذ وجدوا في تلك المشاهد عناصر اساسية لتسويق بضاعتهم واسلوبا" مهما" لتشويق جمهور الاطفال لمضامين اعمالهم .ولابد ان تكون لتك المشاهد التلفزيونية العنيفة تأثير في نفوس الاطفال وعقولهم ، وبالتالي تجسيدها في الواقع على شكل ممارسات عدوانية عنيفة .
واذا كان العنف باشكاله ومظاهره المختلفة موجودا" في كل الثقافات وان تباين في حدته ووضوحه بين ثقافة واخرى ، فأن هذه الظاهرة وكما تشير الملاحظات يبدو انها متجذرة في ثقافتنا العربية السائدة . واذا ما حاكمنا الواقع العراقي الذي نعيشه على وفق ابسط المعاني التي وضعها الخبراء للعنف او السلوك العدواني بوصفه " الميل او الرغبة التلقائية في الحاق الضرر بالاخرين او ممتلكاتهم" (1) ، يتبين لنا كم ان هذه الظاهرة واسعة في مجتمعنا وبين اطفالنا تحديدا" ، ما يعني ان حاضرنا ومستقبلنا يواجهان تهديدا" خطيرا" لايمكن الاستهانة به او السكوت عليه. وعليه يمكن القول ان ثقافة الاباء بأبعادها المختلفة وطرق التعامل مع الابناء في مواقف العنف هي واحدة من الاسباب التي اكسبت الاطفال ثقافة العنف وجعلت من سلوكهم عدوانيا" .
وعلى الرغم من التأثير الكبير للواقع الحياتي في اكساب الاطفال سلوكيات ايجابية وسلبية ، الا ان لوسائل الاعلام وبخاصة التلفزيون دور لايقل اهمية عن المؤسسات البنيوية في المجتمع في تشكيل شخصيات الاطفال ، بل ان التلفزيون من وجهة نظر كثيرين يعد المؤسسة الاكثر فاعلية من بين تلك المؤسسسات ، وبذا اكسبت الرسائل التي يبثها التلفزيون الاطفال معلومات كثيرة وفتحت لهم الافق ووسعت من مداركهم ، ولكنها في الوقت نفسه اكسبتهم سلوكيات ضارة من بينها السلوك العنيف .
وطالما كان للتلفزيون هذا الدور الفاعل والمؤثر، ومظاهر العنف بهذه السعة بين اطفالنا ، فأن الكشف عن مظاهر العنف التي يكتسبونها من التلفزيون يشكل عملا" علميا" مهما" لمعرفة ابعاد دور هذه الوسيلة ، بخاصة وانها وسيلة الاتصال الجماهيرية الوحيدة تقريبا" التي يتعرض لها الاطفال العراقيون في هذا الوقت . وهو ما يسعى اليه هذا البحث .


المبحث الاول : الاطار المنهجي


مشكلة البحث

لايحتاج الباحث الى جهد للكشف عن مظاهر العنف السائدة بين الاطفال في العراق ، ذلك ان هذه الظاهرة بدت واضحة وملموسة ومرئية خلال السنوات الاخيرة ، وعلى الرغم من المداخل النظرية العديدة لتفسير السلوك العنيف ، الا ان الباحث يميل الى التفسير الذي اعتمدته نظرية التعلم الاجتماعي ، من حيث ان السلوك العنيف مكتسب في غالبيته من خلال النمذجة ، وعليه فأن مظاهر العنف التي ينطوي عليها سلوك الاطفال في العراق مكتسب في غالبيته عن طريقين احدهما :واقع الحياة العراقية التي تعج بالعنف بأشكاله المختلفة خصوصا" بعد الاحتلال الاميركي للعراق ، اذ اصبحت الاعمال المسلحة والاغتيالات والسيارات المفخخة والعبوات الناسفة وتدمير الممتلكات العامة والخاصة على مرأى ومسامع الاطفال يوميا" ، والطريق الآخر هو مشاهد العنف الكثيرة التي تبثها الفضائيات في رسائلها الموجه للاطفال او الكبار على حد سواء ، فصور المصادمات والمظاهرات والاحتجاجات واعمال القتل والمناوشات العسكرية وعمليات الاجرام ، اصبحت مشاهد مألوفة بالنسبة للاطفال . ونتيجة هذين الطريقين اكتسب الاطفال العراقيون الكثير من المظاهر العنيفة .
وتتمثل مشكلة البحث في الكشف عن المظاهر التي اكتسبها الاطفال من التلفزيون تحديدا" ، فضلا" عن معرفة المدى الذي ساهم فيه التلفزيون في اكساب الاطفال تلك المظاهر ، وان كان عزل تأثيرات التلفزيون عن بقية المثيرات البيئية التي يحيا فيها الاطفال امرا" صعبا" ، بخاصة وان هناك معطيات علمية كثيرة تشير الى العلاقة الوثيقة بين الاطفال والتلفزيون ، فضلا" عن تأكيدات البحوث الميدانية بأن للتلفزيون تأثير واسع النطاق على الاطفال .
وكانت تأثيرات التلفزيون مدار جدل بين من يرى ان له تأثيرات سلبية على النواحي الاجتماعية والتربوية والجسمية والعقلية كعرض افلام العنف والجريمة والسرقة والجنس ، وبين من يؤكد ان تأثيراته الايجابية تفوق سلبياته بكثير والتي منها توسيع مدارك الاطفال وفتح آفاق المعرفة امامهم وخلق الكثير من الاهتمامات لديهم (2) .
وبخصوص العنف اكدت نتائج دراسة تناولت بالتحليل بحوث ميدانية ونظرية معنية بالطفولة والاعلام ان معظم الابحاث المدروسة ركزت على العنف كأحد التأثيرات السلبية للتلفزيون على الاطفال ، وربطت هذه الدراسات بين العنف التلفزيوني وبين السلوك العنيف للاطفال ، كما ان جميع خبراء الاجتماع والتربية وعلم النفس الذين استطلعت آرائهم هذه الدراسة اكدوا على التأثير السلبي لافلام وبرامج العنف ، وجاء ذلك بنسبة 100% ، محذرين من تعرض الاطفال لهذه البرامج التي تثير رعبهم كبرامج القتل والجرائم (3) ، لكن المشكلة ان هذه البرامج تستهوي الاطفال ، اذ اتخذت نسبة من العوائل من التعرض للرسائل التلفزيونية ذات المحتوى العنيف وقتا" للتسلية والاستمتاع ، مما جعل من تلك الاساليب العنيفة وكأنها امور اعتيادية (4) . كما اثبتت بحوث كثيرة ان الاطفال يقبلون على مشاهدة البرامج المخصصة للكبار وفي مقدمتها افلام العنف والجريمة (5) . ولم يقتصر الامر على مشاهدة هذه الافلام فحسب ، بل اشارت دراسات الى ارتفاع نسبة تعرض الاطفال للنشرات الاخبارية ، ومثلت بالنسبة لهم مصدرا" رئيسيا" لاكتساب المعلومات (6) ، ومعروف ان نشرات الاخبار ممتلئة بأخبار الحوادث المنطوية على مشاهد عنف ، وهذا يعني اننا ازاء ثقافة يمكن تسميتها بـ " ثقافة العنف " يبثها التلفزيون للاطفال ، وتتجلى خطورة بعض رسائل هذه الثقافة عندما تمجد استخدام العنف ، وتحول القائمين به الى ابطال مثلما اصبح المصارع جيسي فنتورا حاكما لولاية منيسوتا .
وعلى الرغم من المخاطر التي اشار اليها الخبراء ، الا ان هناك اراء توفيقية تجد في التأكيد على تلك المخاطر حديث مبالغ به ، مستندة في ذلك الى ان كثيرا من الاطفال يتعرضون الى مشاهد العنف التلفزيونية من دون ان تجد انعكاسا" لها في سلوكهم (7) . واكد بعضهم ان تلك المشاهد تتيح للاطفال التخلص مما في خيالهم من رغبات من الممكن تحقيقها في الواقع لولا عملية التفريغ التي تحدث عند مشاهدة برامج العنف في التلفزيون (8) ، وقال بعضهم اذا ما اريد الدعوة الى السلام فأن خير وسيلة لها هي عرض العنف بكل انماطه واهواله عرضا" صادقا" من دون ان يخفي آثاره البعيدة في حياة المجتمع (9) .


اهمية البحث

تكمن اهمية هذا البحث في ثلاثة جوانب اولها يتركز في تأثيرات الرسالة الاعلامية ويتمثل بتجديد الاهتمام بمسألة العنف التلفزيوني ، حيث استحوذت هذه المسألة على مساحة واسعة من حركة البحث العلمي ، ومازال الاهتمام بها مستمر، وذلك للكشف عن حجم التأثيرات التي تخلفها وسائل الاعلام عموما" والتلفزيون خصوصا" على الاطفال ، بخاصة وان البنية الاعلامية شهدت تغيرات كبيرة جراء التطور التكنلوجي في ميدان الاتصال ، كما ان معدلات العنف تشهد ارتفاعا" ملحوظا" في كل ارجاء المعمورة حاليا" ، ما يعني ان لظاهرة العنف اسبابا" تقف وراءها ولابد من الكشف عنها وايجاد السبل الكفيلة لمواجهتها .
وانطلاقا" من ذلك فأن الكشف عن مظاهر العنف التي يكتسبها الاطفال العراقيون من التلفزيون يعد امرا" في غاية الاهمية ، لانه يكشف في جانب منه التأثيرات السلبية التي خلفتها الرسالة التلفزيونية لدى الاطفال ، فضلا" عن مدى مساهمة هذه الرسالة في اكساب الاطفال ثقافة العنف قياسا" بمساهمة البيئة الاجتماعية التي يعيش وسطها الاطفال ، نظرا" لان هذه الرسالة لاتتوجه الى جمهور تقتصر حدود معرفته ومعايشته على مظاهر العنف التقليدية ، بل ان هذا الجمهور يشهد منذ ثلاث سنوات انماطا" من العنف قد كانت غريبة على ثقافته وسلوكياته ، وتعد من بين اكثر الانماط قساوة ووحشية . وهذا يعني ان الرسالة التلفزيونية العنيفة تسكب في وعاء كانت سكبت الحياة اليومية فيه الشئ الكثير من هذه المضامين ، أي انها رسالة لايشعر ازاءها الجمهور بالغرابة والدهشة ، بل انها بالنسبة اليه اكثر من عادية .
ويبقى ان نشير الى ان الساحة التي يتحرك فيها الاطفال قد تحجب عنهم رؤية العديد من حوادث العنف في مدنهم ، الا انهم قطعا" يسمعون بها بحكم ان حوادث القتل والانفجارتشكل اولوية من اولويات احاديث الناس لصلتها الوثيقة بحياتهم . وبذا يشكل التلفزيون مصدرا" رئيسيا" لتشكيل صور العنف في اذهانهم ،بخاصة وان الاطفال من اكثر الشرائح الاجتماعية الاخرى تكوينا" للصور الذهنية عن الاشياء بالاستناد الى وسائل الاعلام الجماهيرية ومنها التلفزيون ، ذلك ان التلفزيون له القدرة على تضخيم الصور بدرجة كبيرة وطبعها في الاذهان بشكل يجعل الاطفال يعيشون تلك المشاهد التلفزيونية وكأنها حقيقة (10) .
والجانب الثاني الذي تنبع منه اهمية البحث هو التلفزيون بوصفه الوسيلة الوحيدة من بين وسائل الاتصال الجماهيرية التي يتعرض لها الاطفال العراقيون في الوقت الراهن ، اذ غابت الوسائل المقروءة كالكتب والمجلات المتخصصة بشريحة الاطفال ، فضلا" عن قلة المساحة التي خصصتها الصحافة اليومية والاسبوعية لهذه الشريحة ، كما هو الحال في صحيفتي ( المدى ) و ( الصباح) ، ومع ذلك فأن هذه الصحف لاتصل الى الاطفال بسبب سوء التوزيع ومحدودية نسخها وعزوف اغلب الجمهور عن مطالعتها . وليست الوسائل المسموعة باحسن حالا" من المقروءة . اذ اننا نلحظ ان جمهور الاذاعة في انحسار واضح .اما السينما فيمكن الجزم بأن عملها تعطل ولم تعد في العراق سينما ، وبذلك فأن التلفزيون هو الوسيلة الوحيدة الفاعلة بين الاطفال . الى جانب ذلك هناك حقيقة تشير الى ان مشاهدة الاطفال للتلفزيون يقود بالضرورة الى تقليل الاستماع الى الراديو والاقبال على القراءة بكافة انواعها ، فضلا" عن تقليل الوقت الذي يستغرقه الاطفال في اللعب مع اقرانهم او المساهمة في الاعمال المنزلية (11) .
ويعد ذلك امرا" طبيعيا" لان الظاهرة التلفزيونية الفضائية اصبحت تمثل قوة مؤثرة وفاعلة وتنذر بتأثيرات واسعة من بينها اشاعة مظاهر العنف بين الاطفال (12) ، وذلك لاعتبارات عديدة منها ان الرسالة التلفزيونية تتسم بخاصيتي الحركة المرئية والالوان ، وبما ان الذاكرة البصرية لدى الاطفال اقوى من الذاكرة السمعية ، لذا يعد التلفزيون ملائما" لقدراتهم العقلية ، حيث ان الاطفال ما بين عمر الرابعة والعاشرة يجذبهم المضمون والشكل وما يتسم به التلفزيون من خواص كالحركة والالوان وسرعة اللقطة وتغيير المشاهد واستخدام المؤثرات الصوتية والبصرية ، كل ذلك يستحوذ على اهتمامهم ويؤثر فيهم وجدانيا" (13) . وعليه فأن الكشف عن مظاهر العنف التي يكتسبها الاطفال من التلفزيون تعطينا صورة موضوعية عن طبيعة الوظيفة التي تقوم بها هذه الوسيلة .
ولابد من الاشارة الى ان التعرض للرسالة التلفزيونية الفضائية لم يكن ممكنا للجمهور العراقي الا بعد الاحتلال ، وكان تعرضه يقتصر على وسائل اعلامية رسمية تخضع رسائلها لرقابة صارمة بما في ذلك الرقابة الذاتية ، وبذلك فأن ما يعرض في هذه الوسائل من رسائل موجهة للاطفال تحكمه شروط محددة تطال في جانب منها مشاهد العنف التي تنطوي عليها تلك الرسائل ، وعليه فأن دراسة تأثيرات الظاهرة التلفزيونية الفضائية على الاطفال العراقيين في مسألة العنف ومظاهره له اهمية بالغة ، بخاصة وان ميادين هذه الموضوعات مازالت ارضا" بكرا" لحركة البحث العلمي في العراق .
كما يستمد بحثنا اهميته من خلال شريحة الاطفال التي يتعامل معها ، أي انه يتعامل مع نصف الحاضر وكل المستقبل كما يقال ، وعلى الرغم من عدم توفر البيانات التي تحدد نسبة الاطفال العراقيين الذين يتسم سلوكهم بالعنف والعدوانية ، الا اننا نلمس وبخاصة في السنوات الاخيرة اتساع مظاهر العنف في سلوك اطفالنا ، ولذا فالحاجة ماسة لدراسة هذه الشريحة بشأن هذه المسألة على وفق منهج علمي بهدف الوصول الى نتائج موضوعية .
وكانت دراسات تناولت مجتمعات غربية اشارت الى ان حوالي 10% من الاطفال في عمر عشرة سنوات لديهم عدوانية زائدة بشكل ملحوظ ، واظهرت ان العدوان من اكثر المشكلات السلوكية شيوعا" لدى طلبة المدارس في اميركا ، وان اكثر الاضطرابات السلوكية انتشارا" بين اوساط الطلبة في بريطانيا هو العدوان (14) ، واذا كان الحال هكذا في بلدان تنعم بالاستقرار وقد خطت خطوات مهمة في مسيرة تعاملها المتحضر مع الاطفال ، فكيف هو الحال بالنسبة للعراق الذي لم تر فيه طفولة اجيال عديدة سوى اعمال عنف جراء حروب وحصار وا حتلال واقتتال داخلي مازال مستمرا" ، لاشك انها طفولة قلقة وخائفة ، وان سلوكهم لابد ان يتسم بالعدوان البدني واللفظي ، وتغلب العصبية على مزاجهم ، فضلا" عن ان الالعاب التي يمارسونها شبيه بالادوات التي تستخدم في اعمال العنف(15) ، وهذا ما اشارت اليه دراسة علمية تناولت مجتمعات عربية مرت بظروف مماثلة لما يمر به العراق ، بمعنى ان هذه الطفولة يمكنها التناغم مع مشاهد العنف التي يعرضها التلفزيون ، كما ان دراسة الاثر الذي يخلفه التلفزيون لدى هذه الشريحة امر بالغ الاهمية ، لان تلك الآثار سواء اكانت سلبية ام ايجابية تساهم مع العوامل الحياتية الاخرى في تشكيل شخصيات الاطفال ، بخاصة وان علاقة الاطفال بالتلفزيون علاقة وثيقة ، بحكم ان متابعتهم له لم تعد تخضع للمصادفة ، بل اصبحت عملية تلبي بعضا" من متطلباتهم ومنذ وقت مبكر من اعمارهم (16) ، اذ اشارت بعض الدراسات الى ان مشاهدة الاطفال للتلفزيون تبدأ في السنة الثانية او الثالثة من اعمارهم ( 17) ، واصبح محل ثقة بالنسبة اليهم ، اذ افادت دراسة ميدانية ان 97% من الاطفال عينة الدراسة بعمر الحادية عشرة اوضحوا انهم يثقون بالتلفزيون كمصدر اعلامي اكثر من أي مصدر آخر (18) .استنادا" الى هذه المعطيات العلمية يمكن القول ان الاطفال يتعلمون من التلفزيون اشياء كثيرة من بينها العنف باشكاله المختلفة .

هدف البحث

لخصت دراسة اعلامية مجمل النتائج التي تمخضت عنها الابحاث الميدانية والنظرية بشأن تأثير العنف في وسائل الاعلام على جمهور الاطفال بالنقاط الاتية (19) :
1ــ ان الاطفال يتعلمون العنف من خلال ملاحظة اشخاص يقومون به في وسائل الاعلام .
2ــ ان الاطفال الذين يتعرضون لوسائل الاعلام غالبا" ما يقلدون العنف الواقعي وليس العنف الخيالي .
3 ــ ان حالات الاحباط النفسي هي الشرط الاساس لتقليد العنف المتعلم من وسائل الاعلام .
4 ــ ان تكرار التعرض لمشاهد العنف في وسائل الاعلام يؤدي الى انعدام الاحساس تجاه العنف والسلوك العدواني بما يجعل الاطفال ميالون الى التسامح مع العنف بكل انواعه .
5 ــ لم يثبت علميا" ان التعرض لمشاهد العنف في وسائل الاعلام يؤدي الى التنفيس عن المشاعر العدوانية المختزنة داخل نفس الطفل .
وتشير الملاحظات السابقة الى ان الرسالة الاعلامية التي تنطوي على عنف جسدي ولفظي يمكنها تنمية العنف والسلوك العدواني لدى الاطفال ، ويتضح من ذلك ان الرسالة التلفزيونية العنيفة تكسب الاطفال بعضا" من مظاهر العنف والسلوك العدواني ، وهو ما يهدف اليه البحث من خلال الاجابة على التساؤل الرئيس الآتي :
ـــ ماهي مظاهر العنف المكتسبة من التلفزيون لدى الاطفال في محافظة ديالى ؟
كما ان البحث في اهدافه الفرعية يسعى الى معرفة :
ا ــ ما مدى مساهمة التلفزيون في اكساب الاطفال السلوك العنيف ؟
ب ــ من أي القنوات والبرامج التلفزيونية يكتسب الاطفال السلوك العنيف ؟
ج ــ ما مدى تقليد الاطفال للمشاهد العنيفة التي يشاهدونها في التلفزيون ؟
كما ان البحث في سياق الاجابة عن الاسئلة المذكورة يكشف عن معلومات علمية ذات علاقة بمجمل الظاهرة المدروسة ، يمكن ان تقود الى رسم صورة موضوعية عن هذه الظاهرة الخطيرة وحيثياتها .


منهج البحث وادواته وعينته

ان البحوث الاعلامية الوصفية ــ كما هو الحال في بحثنا ــ التي تستهدف التعرف على اسباب شيوع ظاهرة ما بين شريحة اجتماعية معينة ، لابد لها ان تعتمد منهج المسح بوصفه جهدا" علميا" منظما" يمكّن الباحث من الحصول على بيانات ومعلومات عن الظاهرة المدروسة (20) . وبما ان هذا البحث يهدف الى التعرف على مظاهر العنف المكتسبة من التلفزيون وطبيعتها ، والى أي مدى يساهم التلفزيون في ذلك من بين الوسائط التثقيفية والعوامل النفسية والاجتماعية كالاسرة وجماعة الاقران والمدرسة والمؤسسة الدينية ،فأن منهج المسح يعد الانسب من بين المناهج الآخرى للسير على وفقه في هذا البحث .
واعتمد البحث على صحيفة الاستقصاء كأداة للتقصي عن ما يروم البحث الوصول اليه ، مراعيا" الظوابط العلمية المعتمدة في تصميمها . وقد اشتملت الصحيفة على (17) سؤالا" ، بعضها كان مخصصا" لمعرفة آراء المبحوثين بمظاهر العنف التي يلاحظونها على مجمل سلوك الاطفال بصرف النظر عما اذا كانت مكتسبة من التلفزيون او من العوامل الحياتية الآخرى .
وافترض الباحث سلفا" ان المبحوثين قد لاتكون افكارهم متبلورة بشكل كاف لوصف مظاهر العنف لدى الاطفال ، لذا ارتأى تحديد مجموعة من المظاهر المشخصة في الميدان والتي حددها خبراء في اختصاصات مختلفة بعد ان وجه لهم الباحث سؤالا" مفاده " ماهي بتقديركم ابرز مظاهر العنف السائدة لدى الاطفال في الوقت الراهن ؟ " ، وكانت مجمل مظاهر العنف من وجهة نظرهم تتمثل
بالآتي ** :
1ــ التلفظ بالفاظ السباب والشتائم والكفر واللعن .
2ــ تمزيق الكتب المدرسية وتهشيم الآثاث وتدمير الاملاك العامة .
3ــ التعبير بالصراخ عن المواقف التي يتعرضون لها .
4ــ التعامل بالضرب مع الآخرين .
5ــ استخدام العاب شبيهة بالمسدسات والبنادق والسكاكين اثناء اللعب مع الاقران واستخدام ادوات جارحة اثناء الشجار .
6ــ استخدام الفاظ جديدة تنطوي على عنف مثل " تفجير ،عبوة ، مجاهدين ، فجروا السيطرة ، سيارة مفخخة ، كابس طلق ، بكتة ، قاذفة " .
7ــ ايذاء الحيوانات الاليفة وقطع اغصان الاشجار المتدلية من الاسيجة .
8 ــ المتابعة الشغوفة لافلام الرعب والجريمة المعروضة في التلفزيون .
9 ــ سرقة مقتنيات الغير والتستر عليها او تحطيمها او بيعها .
ويشار الى ان مظاهر العنف التي ذكرها الخبراء جاءت متطابقة مع المظاهر التي اوردتها الادبيات باستثناء الفقرة رقم ( 6) حيث انطوت هذه الفقرة على الفاظ عنف جديدة ما كانت سائدة قبل الاحتلال ، وهي الفاظ نابعة من مجريات الواقع الامني المتردي الذي يمر به العراق حاليا" .
وقد وضع الباحث هذه المظاهر في مقدمة الصحيفة لاطلاع المبحوثين عليها بهدف تحديد اجاباتهم بدقة ، بينما تناولت الاسئلة الآخرى مشاهدة الاطفال للتلفزيون ، ومدى مساهمة التلفزيون في اكساب الاطفال السلوك العنيف ، ومدى تقليد الاطفال للسلوك المكتسب وكيفية تقليده ، وماهي المشاهد التي تحظى بمتابعة الاطفال ،ومن أي البرامج والمواد التلفزيونية يكتسب الاطفال السلوك العنيف ، والى أي مدى تجعل مشاهد العنف المعروضة في التلفزيون الاطفال ميالين او نابذين للعنف ، وكان ذلك مندرجا" في اسئلة مفتوحة واخرى مغلقة .
ولتوخي صدق البيانات عرضت الصحيفة على ثلاثة محكمين في اختصاصات الاعلام والاجتماع وعلم النفس *** ، واشار المحكمون الى ان الصحيفة سليمة علميا" ويمكنها قياس ما يراد قياسه ، لكنهم عدلوا في بعض فقراتها ، وفي ضوء ذلك عدل االباحث الصحيفة حتى اصبحت بالشكل الصالح للتطبيق .
واجرى الباحث اختبارا"اوليا" على الصحيفة من خلال تطبيقها على عينة عشوائية تمثل 20% من مفردات المبحوثين ، واتضح من الاختبار ان فقرتين كانتا بحاجة الى اعادة صياغة فتم تعديلهما .
واستطلع البحث عينة قصدية حجمها 85 ابا" لتلاميذ من مرحلتي الصف الخامس والسادس الابتدائي في مدارس محافظة ديالى ،عرف عن اولئك التلاميذ سلوكهم العنيف في المدرسة ، حيث استعان الباحث بمرشدي الصفوف في تحديد ذلك ، فضلا" عن ان الاطفال في هذه المرحلة تكون مشاهدتهم للتلفزيون كثيفة ، اذ اظهرت دراسات عديدة بأن 95% من الاطفال بعمر عشر سنوات فأكثر يتعرضون للتلفزيون بشكل دائم (21) ، ويؤكد الباحثون ان اطفال المرحلة الابتدائية يكتسبون من التلفزيون قدرا" من الحقائق والاتجاهات والسلوكيات اكثر من تلك التي يكتسبونها من مؤسسات التنمية الاجتماعية كالمدرسة وغيرها (22) ، كما انهم للتو بدأوا يفكرون بطريقة قائمة على التعليل المنطقي ، اذ يرى بياجيه ان الطفل قبل سن الحادية عشرة او الثانية عشرة يفكر بطريقة قائمة على التعليل الحسي الذي يربط ما هو مادي بظواهر اخرى خارجية (23) . واذا ما عرفنا انهم في هذا العمر ميالون الى الالعاب التي تتطلب مهارة ومنافسة ، وتستهويهم قصص الشجاعة والمخاطرة والعنف والمغامرة ، وسلوكهم يتسم بالتحدي للاسرة ولتقاليد المجتمع (24) ، ندرك ان هناك احتمالات كبيرة لاكتساب الاطفال مظاهر عنف من التلفزيون .
وبشأن المدارس التي ينتمي اليها هؤلاء التلاميذ فقد روعي ان تكون من مختلف الاقضية والنواحي بشكل يجعلها ممثلة الى حد ما للمحافظة ، وان تكون ضمن مناطق شعبية مؤشر عليها بأنها تشهد اعمال عنف سواء اكان بدوافع سياسية ام اجتماعية او نفسية وغيرها .
وجرى توزيع الصحيفة على اباء التلاميذ على وفق عدد الطلبة الـ (90) الذين وصف المرشدون سلوكهم بالعنيف ، ،وبذا تفاوتت حصة كل مدرسة ، وعادت جميع الاستبيانات للباحث باستثناء استبيانين اثنين ، كما اهملت ثلاثة استبيانات لعدم ملئها من المبحوثين بالشكل المناسب، وكما مبين في الجدول رقم (1 ) .

جدول رقم (1) يبين توزيع عينة البحث من الطلبة ذوي
السلوك العنيف بحسب مدارسهم ومناطق سكناهم

ت اسم المدرسة اسم المنطقة عدد الطلبة العدوانيين
1 التفاؤل هبهب / الخالص 11
2 عبدالله بن رواحة الغلبية / الخالص 9
3 بور سعيد الخالص / قرية الجيايلة 13
4 الامين بعقوبة المركز 10
5 التقدم الجيزاني ( قرية ملا جواد) المقدادية 6
6 الاوزاعي بعقوبة / المفرق 11
7 صقر قريش بني سعد 8
8 الطليعة العظيم 7
9 الانتصار المقدادية 10
المجموع 85

وافترض الباحث عند توزيع الصحيفة ان بعضا" من آباء التلاميذ اميون غير قادرين على ملء الصحيفة ، لذلك اشترط ان يكون الآباء المبحوثين من الموظفين في دوائر الدولة ،لذلك حجبت الصحيفة عن الاب الامي وان كان ولده من الذين يتسمون بالسلوك العنيف ، كما حجبت الصحيفة عن آباء التلميذات اللواتي شخص المرشدون سلوكهن بالعنيف ، وذلك لقلة عددهن الذي لايشكل متغيرا" يمكن ان يخرج بنتائج ذات قيمة علمية .

الدراسات السابقة

كثيرة هي الدراسات والبحوث الميدانية العربية والاجنبية التي اهتمت من قريب او بعيد بظاهرة العنف التلفزيوني والاطفال سواء على مستوى الرسالة التلفزيونية او الجمهور بشكل يصعب حصرها حاليا" ، وبذا فأن موضوع بحثنا يتوفر على تراث علمي كبير من الدراسات المشابهة او القريبة ، وسنكتفي هنا بايراد دراستين على سبيل المثال لا الحصر ، لان عددا" من الدراسات الاخرى اعتمدت كمراجع للبحث ولاحاجة لتكرارها .



اولا" ــ دراسة دينا ديب 1993

سعت هذه الدراسة الموسومة " اتجاهات الاباء حول العلاقة بين العنف التلفزيوني والسلوك العدواني " الى التعرف على اراء واتجاهات الاباء نحو العلاقة بين البرامج التلفزيونية التي تعرض العنف وبين السلوك العدواني لابنائهم من خلال دراسة ميدانية على الاباء ، وخلصت الدراسة الى ان الاباء اكدوا وجود علاقة ايجابية بين مشاهدة العنف التلفزيوني والسلوك العدواني لدى ابنائهم ، وان الذكور اكثر محاكاة للسلوك العنيف الذي يشاهدونه من الاناث (25) .

ثانيا"ــ دراسة عدلي رضا 1994

هدفت دراسة عدلي رضا الموسومة " السلوكيات التي يكتسبها الاطفال من المواد التلفزيونية التي تعرض العنف في التلفزيون " الى التعرف على السلوكيات التي يتعلمها الاطفال من برامج العنف المعروضة في التلفزيون من خلال دراسة ميدانية على عينة قوامها (200) مفردة من الاباء والامهات ، وتوصلت الدراسة الى ان اكثر من نصف العينة تؤكد ان التلفزيون مسؤول عن اكتساب العنف من خلال المواد الدرامية الاجنبية ، اذ اكد 83% من افراد العينة انها اكثر المواد التلفزيونية التي تساعد على نشر العنف لدى الاطفال (26) .


المبحث الثاني : الاطار النظري
مفهوم العنف ونظريات تفسيره


اذا كان العنف ظاهرة عالمية حاليا" تمتد بجذورها الى جميع الحضارات ، وينطوي قاموسها على هذه المفردة التي اضحت تقف في مقدمة المشهد السياسي والاعلامي .فأن القراءة المتأنية للمعاني الواردة في القاموسين العربي والغربي يتضح منها ان الدلالة اللغوية للكلمة في اللغة العربية اوسع من دلالتها في الانكليزية ، بمعنى آخر ان الدلالة الانكليزية تقتصر على الاستخدام الفعلى للقوة المادية من دون الاشارة الى الجوانب المعنوية ، وهي الدلالة التي ينطوي عليها المعنى العربي ايضا"، ولكن على المستوى الاصطلاحي لمفهوم العنف نجد تطابقا" واضحا" بين الثقافتين العربية والغربية .*
فعلى سبيل المثال عرف هوتلنج العنف بأنه " كل فعل ينطوى على انكار للكرامة الانسانية واحترام الذات ، ويتراوح ما بين الاهانة بالكلام وبين القتل ، او هو كل فعل مقصود او غير مقصود يسبب ايلاما"بدنيا" او نفسيا" لشخص آخر(27)" وينطوي هذا التعريف على فكرة مهمة وهي ان للعنف بعدين : احدهما مقصود والاخر غير مقصود ، بمعنى آخر انه لابد من الاخذ بالحسبان نوايا القائمين بالعنف ، وهو ما ركز عليه فيشباخ عندما ميز بين العدوان غير المقصود الذي يحدث بالصدفة ويؤدي الى ايذاء الاخرين او اتلاف ممتلكاتهم وبين العدوان المقصود الذي تعد سمة العدوان فيه من الوظائف الاساسية للسلوك الذي يقوم به الاشخاص. ولذلك اكد ان من غير الصحيح عد كل من يؤدي سلوكه الى اذى او اتلاف على انه سلوك عدواني (28) ، وهذا ما ينطبق على العنف ايضا" .
اما عربيا" فقد اشار حسنين توفيق في دراسته " ظاهرة العنف السياسي في النظم العربية الى ان هناك ثلاثة اتجاهات اساسية في تعريف العنف (29) :
1 ــ الاتجاه الاول : يصنف العنف بأنه الاستخدام الفعلي للقوة المادية ، ويتطابق هذا التصنيف مع الدلالة القاموسية للعنف في الثقافة الغربية .
2 ــ الاتجاه الثاني : يرى ان العنف هو التهديد باستخدام القوة المادية ، ويعني هذا التصنيف ان التلويح باستخدام القوة لايعني بالضرورة استخدامها .
3 ــ الاتجاه الثالث : وينظر هذا الاتجاه الى العنف من منظور كونه اوضاعا" هيكلية بنائية ، أي مجموعة تناقضات كامنة في الهياكل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للمجتمع العربي ، ولذلك يطلق عليه بـ " العنف الخفي او الكامن " ويستدعي هذا نوعا" اخر من العنف يمكن تسميته بــ " العنف الظاهر" يستدل عليه في السلوكيات والممارسات الملموسة .
ان المظاهر التي تنطوي على ايذاء الآخرين او اتلاف ممتلكاتهم التي نلاحظها في سلوك الأشخاص يصعب علينا تمييزها بين افعال عنيفة واخرى عدوانية . انطلاقا" من ان هناك اختلافا" بين العنف والعدوان ، وان كان هناك قدر من اوجه التماثل بينهما أيضا" ، وصعوبة التمييز تلك تعود الى صعوبة معرفة نوايا القائمين بها ، وعليه فأن للعنف والعدوان معنى واحد على مستوى السلوك في الواقع ، لكن حقيقة جوهرهما مختلفة ، بحكم ان العنف يستهدف التدمير والايذاء البدني والمادي في غالب الاحيان ، بينما لايستهدف العدوان بالضرورة مثل هذه الاهداف ، ولذا قيل ان العنف في ذاته صورة من صور العدوان او هو " صورة خاصة من صور القوة التي تتضمن جهودا" تستهدف تدمير او ايذاء موضوع يتم ادراكه كمصدر فعلي او محتمل من مصادر الاحباط او الخطر او كرمز لهما "(30) . من ذلك يتضح ان العنف اوالسلوك العدواني يتمثلان بشكل او بآخر في ايذاء الآخرين جسديا" او لفظيا" او رمزيا" او الاعتداء على ممتلكاتهم .
وشغلت هذه الظاهرة المعقدة اهتمام المعنيين منذ وقت ليس بالقصير ، وكانت موضوعات لابحاث عديدة اريد لها ان تصل الى تفسيرات علمية ، واتضح ان الظاهرة تستدعي دراستها من منظورات مختلفة نظرا" لتعدد العوامل التي تدفع الافراد الى العنف والسلوك العدواني سواء اكانت هذه الدوافع بيولوجية او نفسية او اجتماعية وغيرها ، وصولا" الى حقيقة مفادها انه لايمكن اغفال اثر أي من تلك الدوافع (31) . ولذا كانت هناك مداخل نظرية عديدة لتفسيرها ، فأصحاب وجهة النظر البيولوجية يرون ان منطقة الفص الجبهي والجهاز الطرفي مسؤولة عن ظهور السلوك العدواني ، وفي حالة استئصال تلك التوصيلات عن المخ فأن ذلك يؤدي الى خفض الميل الى العنف ، بينما تعتقد نظرية التحليل النفسي ان العدوان غريزة فطرية لاشعورية تعكس رغبة الافراد في الموت ، وتعمل من اجل افناء الانسان من خلال توجيه عدوانه خارج الذات ، نحو تدمير الاخرين . ويؤيد اصحاب النظرية الايثولوجية المعطيات التي توصلت اليها نظرية التحليل النفسي ، الا ان بعض منظري هذه النظرية اشاروا الى ضرورة توجيه السلوك العدواني للافراد نحو اهداف بديلة ، كالمنافسات الرياضية العالمية ، ويرى اصحاب فرض ( الاحباط ــ العدوان ) ان الاحباط ينتج دافعا" عدوانيا" يستثير سلوك ايذاء الاخرين ، وبعد الحاق الاذى بالاخرين ينخفض هذا الدافع تدريجيا" ، وبالتالي فأن هذه العملية هي اشبه ما تكون بـ " التنفيس او التفريغ الانفعالي " ، الا ان نموذج " الاشراط الاجرائي" يستند الى ان الانماط السلوكية محكومة بتوابعها ، بمعنى ان السلوك يمكن ان يتكرر مستقبلا" عندما تكون له نتائج ايجابية ، وتقل احتمالات حدوثه عندما تكون نتائجه سلبية (32) ، ويعني ذلك ان تكرار السلوك العدواني وعدم تكراره مرهون بمبدأ " العقاب والثواب " والكيفية التي يستخدم بها هذا المبدأ في المواقف المماثلة . وهناك من يرى ان السلوك العدواني بوصفه سلوكا" اجتماعيا فهو متعلم في اغلبه ، ذلك انه يتأثر بسلوك الاخرين وتصرفاتهم واتجاهاتهم بوصف التعلم عملية اجتماعية والانسان كائن اجتماعي ، لذا فأن تفسيره يقتضي الاهتمام به في ضوء البيئة الاجتماعية والثقافية التي ينبع منها الفعل العدواني والتي تشمل مثلا" الانتماء الى طبقة اجتماعية معينة او نوع المهنة التي يمتهنها ،اذ تمارس هذه العوامل دورا" رئيسيا" في تهيئة الافراد الى الانحراف (33) . من هنا ظهرت نظرية التعلم الاجتماعي الذي يعد العالم النفسي الاميركي البرت باندورا المنظر الرئيس لها .
وتنطلق نظرية التعلم الاجتماعي من ان الفرد يتعلم من خلال الملاحظة والمشاهدة اكثر مما يتعلم من خلال الاسلوب القديم ( المحاولة والخطأ )، ذلك ان نتائج اسلوب التجربة المباشرة كانت محدودة جدا" في عملية التعلم ، نظرا" لصعوبة قيام الافراد بتجربة كل شئ لكي يتسنى لهم تعلمه (34) ، بمعنى آخر ان السلوك العدواني في غالبه متعلم عن طريق " النمذجة" سواء كانت حية كملاحظة شخص يمارس سلوكا" عدوانيا" او رمزية كملاحظة مثيرات لفظية في التلفزيون او السينما اوغيرهما من وسائل الاتصال الجماهيري ، واكد مختصون ان عملية التقليد تتأثر بمدى تعلق الافراد بهذه النماذج وميلهم تجاه العنف وعملية الثواب والعقاب التي يواجهونها عند القيام بذلك السلوك (35) .
وبهذا الشأن قام باندورا وآخرون بتجارب رائدة عرضوا فيها افلاما" على الاطفال تمثل نموذجا" عدوانيا" ، واتضح ان الاطفال الذين شاهدوا الافلام قاموا بتقليد هذا النموذج ، حيث اظهروا استجابات عدوانية اكثر مما اظهره الاطفال الذين لم يشاهدوا هذه الافلام .
ويعتقد باندورا ان وصف السلوك بالعنيف او العدواني يجب ان يستند الى ثلاثة معايير(36) :
1 ــ خصائص السلوك نفسه ( الاعتداء الجسدي ، الاهانة ، اتلاف الممتلكات ).
2 ــ شدة السلوك ( كالتحدث مع شخص آخر بصوت مرتفع )
3 ــ خصائص الشخص المعتدي ( جنسه ، عمره ، سلوكه في الماضي ، وخصائص الشخص المعتدى عليه ) .
وكشفت تجارب باندورا الاثر الذي يمكن ان تتركه افلام العنف المبثوثة في التلفزيون على سلوك الاطفال (37) ، التي تمثل النمذجة الرمزية مقابل النمذجة اللفظية التي تتم عن طريق الكلام ( نماذج حية ) على وفق تصور باندورا لعملية النمذجة الاكثر فعالية ، لكن هذه النتائج على الرغم من اتساع مساحة المؤيدين لها بين الاعلاميين ،الا انها واجهت بعض الانتقادات المنطلقة من نظريات اعلامية اخرى كنظرية التأثير المباشر لوسائل الاعلام او كما يسميها البعض بنظرية " الرصاصة" ، اذ شكك المعترضون بما يمكن لنظرية التعلم الاجتماعي ان تقوم به لتعليم الناس بعض السلوكيات بضمنها السلوكيات العنيفة ، ووصل الجدل بين مؤيدي هذه النظرية ومعارضيها الى خلاصة مفادها ان التعلم من خلال المشاهدة والملاحظة تحدده اربعة عناصر (38) :
1 ــ عملية الانتباه ( مدى انتباه المشاهد للبرنامج ) .
2 ــ عملية الاستيعاب ( مدى فهم المشاهد لمضمون البرامج ) .
3 ــ التقليد والمحاكاة .
4 ــ وجود الدوافع .


المبحث الثالث : عرض النتائج


أ ــ مدى مساهمة الواقع الحياتي في اكساب الاطفال السلوك العنيف

اظهرت نتائج الدراسة الميدانية ان الاباء الموظفين سجلوا عددا" من مظاهر العنف لدى اطفالهم ، بعضها يندرج في اطارها العام ضمن مظاهر العنف التي ذكرها الخبراء في استمارة الاستبيان ،و بعضها الاخر جديدا" ، فضلا" عن وصف المبحوثين لبعض سلوكيات الاطفال بالعدوانية وان كانت تلك السلوكيات لم تصنف في الادبيات المختصة ضمن هذا الاتجاه .واتضح ان تصنيف المبحوثين لسلوك اطفالهم العنيف استند الى البيئة العامة التي جرى فيها هذا السلوك ، وبالتالي لايمكن عد هذا السلوك سوى بالعدوانية كعدم احترام الاشخاص الاكبر سنا" او الكذب او الغياب المتعمد من المدرسة .
وذكر المبحوثون جملة من مظاهر العنف التي اتسم بها سلوك ابنائهم في واقع الحياة اليومية وهي :
1 ــ التشبه بالمجرمين واقتناء الادوات الجارحة واستخدامها في مطاردة الاطفال ، فضلا" عن تعريض الزملاء للخطر في مواقف معينة .
2 ـ الاعتداء جنسيا" على الاطفال الاصغر سنا" .
3 ـ تكوين عصابات من جماعات اللعب ، وايذاء الغير بشكل مباشر وغير مباشر .
4 ـ اللعب بالمفرقعات في الشوارع العامة والتلفظ بالفاظ تنطوي على عنف مثل (انتحاري ، ناسفة ).
5 ـ تحطيم القطع الزجاجية والعلب الفارغة في الشوارع العامة ، ورمي السيارات بالحجارة ، وسرقة علامات المرور ، وكسر مصابيح الانارة .
6 ـ عدم الاستجابة للنصح والارشاد من الاباء او الاشخاص الاكبر سنا" .
7 ـ الغناء بصوت عال جدا" بما يثير تذمر الاخرين .
8 ـ تحدي الطلبة للمعلمين وعدم تنفيذ الواجبات ، والتزوير والغش في الامتحانات .
9 ـ تحدي الابناء للاباء والعبث بالجدران الداخلية للمنزل .
10ـ عدم التعاون مع الغير .

وتبين ان السلوك العنيف يتركز عند الاطفال الذكور تحديدا" وان ما تقوم به الاناث من عنف محصور في نطاق ضيق جدا" . وكشف الجدول رقم (2) ان (80%) من المبحوثين اكدوا ان السلوك العنيف موجود لدى الاطفال الذكور ، بينما اكد (20%) من العينة ان الجنسين يمارسون سلوكا" عنيفا" ، وفي حالة تقسيم هذه النسبة بالتساوي يتضح ان (90%) من العينة ترى ان السلوك العنيف يمارسه الاطفال الذكور اكثر بكثير من الاناث .



جدول رقم (2) يبين ممارسة العنف عند الذكور والاناث

ممارسة العنف عند الجنسين التكرار %
الذكور 68 80
الاناث ـــــ ــــــ
الاثنان معا" 17 20
المجموع 85 100

وبهذا الشأن قللت بعض الدراسات الانثروبولجية من اهمية العوامل البيولوجية بوصفها عوامل مؤثرة على الفرق في السلوك العنيف بين الذكور والاناث ، مؤكدة ان الثقافة لها دور واضح في هذه الفروق ، ذلك ان الثقافة العربية مثلا" تجعل من الخشونة صفة اساسية من صفات الذكورة ، ومن النعومة صفة للاناث ، وعلى هذا فلايتوقع ان تقوم الاناث بالعدوان البدني على الذكور ، كما يوصم الذكور بما يشينهم اذا جاءوا يبكون لان رفيقاتهم في اللعب ضربتهم بما يثير خجلهم بدرجة كبيرة (39) .
واكد اغلب المبحوثين ان واقع الحياة اليومي يكسب الاطفال السلوك العنيف واعمال العدوان في اشارة الى ما تنطوي عليه الحياة اليومية في العراق من اعمال عنف واسعة بفعل عوامل سياسية واجتماعية ودينية ، فضلا" عما يكتسبه من ثقافة بهذا الاتجاه جراء استماعه لافراد المجتمع او مشاهداته للسلوك العنيف لدى الاخرين وتقليده .
واتضح ان اكثر من نصف العينة وجدت ان واقع الحياة في العراق ( يساهم كثيرا" ) في اكساب الاطفال السلوك العنيف ، ونسبة ( 28,23%) اوضحوا ان هذا الواقع ( يساهم احيانا" ) في اكساب السلوك العنيف للاطفال ، بينما رأى ( 5,88%) ان الواقع ( لايساهم ) في اكساب الاطفال السلوك العنيف وكما مبين في الجدول رقم (3) . وهذا يتفق مع ما ذهبت اليه بعض الدراسات من ان عامل الملاحظة يعد من العوامل المهمة التي تساهم في تنمية السلوك العنيف لدى الاطفال ، ذلك ان الاباء والانداد والجماعات الاخرى التي يعيش او يلعب معها الاطفال يمكن ان يكونوا نماذج عدوانية يحتذي بها الطفل (40) . فضلا" عما يشاهده من اعمال قتل في الازقة والشوارع العامة والاحياء السكنية وانفجار العبوات الناسفة والسيارات المفخخة وغيرها من الاعمال العنيفة التي تعج بها الحياة اليومية في العراق .


جدول رقم (3) يبين مدى مساهمة الواقع في اكساب الاطفال السلوك العنيف

مدى مساهمة الواقع في اكساب الاطفال السلوك العنيف التكرار %
يساهم كثيرا" 56 65،88
يساهم احيانا" 24 28،23
لايساهم 5 5،88
المجموع 85 99،99

ب ـ مدى مساهمة التلفزيون في اكساب الاطفال السلوك العنيف

تبين من خلال الجدول رقم (4) ان (90،58%)) من المبحوثين اكدوا ان اطفالهم يشاهدون التلفزيون بشكل يومي ، بينما قال (9،41%) ان اطفالهم يشاهدون التلفزيون ولكن بشكل غير يومي. وكانت ملاحظات ميدانية للباحث اشارت الى ان جميع الاطفال تقريبا" يشاهدون التلفزيون يوميا" ، اذ يندر ان يخلو بيت من جهاز تلفزيون ، بل ان بعض البيوت فيها اكثر من جهاز ، الا ان هذه النسبة القليلة من الاطفال الذين لايشاهدون التلفزيون بشكل يومي قد ترتبط عدم مشاهدتهم بعوامل عديدة منها انشغالهم بالدراسة او تعرضهم لضغوط الوالدين او بفعل عوامل فنية منها ما يرتبط بتعثر سريان التيار الكهربائي .
واشارت دراسات اعلامية الى ازدياد تعرض الاطفال للتلفزيون ، بل ان البعض يؤكد ان الاطفال يشاهدون التلفزيون ما لايقل عن ست ساعات يوميا" ، أي ان الاطفال يمضون وقتا" في مشاهدة التلفزيون اكثر من الوقت الذي يمضونه في المدرسة ، وبالتالي فأنهم يشاهدون برامج قد لاتكون مناسبة لاعمارهم (41) . فضلا" عن اشغالهم عن اللعب مع اصحابهم ، مما ينعكس سلبا" على عمليات التفاعل الاجتماعي . واذا اخذنا بالحسبان ان هذا التعرض في غالب الاحيان يكون غير مخطط له ، عند ذاك يكون التلفزيون (( عنصر قاتل للملكات .... لان الطفل المنشد الى مشاهدة التلفزيون .... يكاد يصاب بداء المشاهدة ] الادمان التلفزيوني [ والابتعاد عن الاسهام في ممارسة هوايات اخرى (42) )) .

جدول رقم (4) يبين مدى مشاهدة الاطفال اليومية للتلفزيون

هل يشاهد اطفالك التلفزيون يوميا ؟ التكرار %
نعم 77 90،58
لا 8 9،41
المجموع 85 99،99
وعن نوعية المحطات التلفزيونية التي يتعرض لها الاطفال اوضح نصف العينة تقريبا" ان اطفالهم يشاهدون المحطات المخصصة للصغار والكبار على حد سواء ، كما تبين ان ( 38،82%) من الاطفال يتعرضون الى المحطات التلفزيونية المخصصة لهم مثل محطتي Space toon و Artteenz ، واقتصرت مشاهدة المحطات المخصصة للكبار على نسبة (8،23%) وكما مبين في الجدول رقم ( 5). وهذا يعني ان نسبة كبيرة من الاطفال يتعرضون الى المحطات غير المخصصة لهم ، وفي هذا الاطار اثبتت بحوث كثيرة ان الاطفال يشاهدون برامج تلفزيونية مخصصة للكبار كافلام الجريمة والعنف (43) . فعلى سبيل المثال خلصت دراسة اماني عمر الحسني الموسومة (( اثر مشاهدة الاطفال للدراما على تنشئتهم الاجتماعية )) الى انه كلما زاد تعرض الاطفال للمواد الدرامية المعدة للكبار اختل نظامهم القيمي ، فضلا" عن وجود علاقة ارتباطية بين تعرض الاطفال للدراما الخاصة بالكبار واكتسابهم سلوكيات يستخدمونها في حياتهم (44) . وكان تقرير لليونسكو اكد ان الاطفال ميالون لمشاهدة البرامج التلفزيونية سواء المخصصة لهم او تلك المعدة للكبار والتي من خلالها يكتسبون سلوكيات معينة ، مما ينشأعنه نوع من انواع التعلم الاجتماعي ( 45) .

جدول رقم (5) يبين نوعية المحطات التلفزيونية التي يتعرض لها الاطفال

نوعية المحطات التلفزيونية التكرار %
محطات الاطفال 33 38،82
محطات الكبار 7 8،23
الاثنان معا" 45 52،94
المجموع 85 99،99


اما المحطات التي يفضل الاطفال مشاهدتها بحسب ما ذكره اباؤهم ، فقد احتلت محطة Space toon البحرينية المخصصة للاطفال المرتبة الاولى في سلم المحطات المفضلة ، اذ حصلت على نسبة (28،23%) . ويشار الى ان هذه المحطة استطاعت ان تستحوذ على اهتمام الاطفال بما تبثه من برامج التي تشغل افلام الكارتون جل مساحتها الزمنية تقريبا" مع تخصيص برامج ارشادية وتعليمية قصيرة جدا" لاتتجاوز مدتها الدقيقتين وبعضها لايشغل سوى ثواني معدودة (46) .
وجاءت في المرتبة الثانية وبنسبة ( 18،82%) مجمل القنوات المخصصة للاطفال ، ذلك ان مشاهدة الاطفال لبرامجهم لاتقتصر على محطة تلفزيونية واحدة ، بل يتعدى ذلك الى محطات اخرى . وفي المرتبة الثالثة وبنسبة (15،29%) جاءت محطة ( الشرقية ) العراقية ، وهي محطة مستقلة عامة لاتستهدف جمهورا" بعينه ، بل انها موجهة الى الجمهور العراقي والعربي بكافة شرائحه ، وقد افردت المحطة وقتا" معينا"الى جمهور الاطفال ، وان برامج الاطفال التي تبثها في غالبيتها برامج اجنبية .
وحصلت محطة mbc3 الموجهة للاطفال على نسبة (11،76%) محتلة المرتبة الرابعة ، وتبث هذه المحطة العديد من البرامج كافلام الكارتون وافلام الاطفال الروائية وغيرها من البرامج . وبنسبة (8،23%) احتلت محطة Mbc2 المرتبة الخامسة ، وهي من المحطات المخصصة للكبار ، اذ يقتصر عملها على بث الافلام الروائية فقط ، كما افردت المحطة مساحة كبيرة للاعلان التجاري الذي يبث في اوقات عرض الافلام وفي الفواصل بين نهاية فيلم وبداية فيلم آخر.
ومن اللافت ان تأتي المحطة المصرية Artteenz الموجهة للاطفال في المرتبة السادسة ، اذ حصلت على نسبة (3،52%) ، ذلك انها من القنوات المتميزة في برامجها ، اذ تقدم المحطة برامج منوعة في مضامينها واشكالها ، قام باعدادها متخصصون ببرامج الاطفال ، كما انها من المحطات التي يشغل الانتاج المحلي مساحة كبيرة من بثها ، وهي بذلك تتفوق على بقية المحطات المتخصصة ببرامج الاطفال التي تعتمد بشكل اساس على الانتاج الاجنبي المستورد .
وتساوت في المرتبة السابعة وبنسبة (2،35%)كل من المحطات الاتية : الجزيرة الرياضية ، الزوراء، روتانا سينما ، جميع المحطات الاجنبية ، العراقية ، وجميع هذه المحطات موجهة للكبار بأستثناء محطة العراقية التي افردت مساحة محدودة لبرامج الاطفال .
وفي المرتبة الاخيرة وبنسبة (1،17%) توازنت كل من (جميع المحطات الرياضية ) و (جميع المحطات الدينية ) وكما موضح في الجدول رقم (6) .
ومن خلال تصنيف وجمع النسب التي حصلت عليها قنوات الاطفال وقنوات الكبار في جدول القنوات المفضلة تبين ان قنوات الاطفال حصلت على نسبة (62،33%)، بينما حصلت المحطات الموجهة للكبار على نسبة (36،44%). واذا جمعنا النسبة التي حصلت عليها المحطات الموجهة للاطفال مع نصف النسبة التي حصل عليها خيار ( الاثنان معا" ) في الجدول رقم (5) المخصص لبيان نوعية المحطات التي يشاهدها الاطفال يتبين ان مجموعهما بلغ (65،29%) ، وهي نسبة قريبة جدا" للنسبة التي حصلت عليها قنوات الاطفال المفضلة والمذكورة في الجدول رقم (6) ، ويعني ذلك صدقية المعلومات التي ابداها المبحوثون من جانب ، ومن جانب اخر يؤكد ان الاطفال يشاهدون المحطات المتخصصة ببرامج الاطفال اكثر من المحطات الموجهة للكبار ، مما يعطي مؤشرا" على احتمال انخفاض نسبة المخاطر التي يمكن ان يتعرض لها الاطفال جراء مشاهدتهم لبرامج الكبار .


جدول رقم (6) يبين المحطات التلفزيونية المفضلة لدى
الاطفال مرتبة تنازليا" بحسب النسب التي حصلت عليها

ت اسم المحطة المرتبة التكرار %
1 Space toon 1 24 28،23
2 جميع قنوات الاطفال 2 16 18،82
3 الشرقية 3 13 15،29
4 Mbc3 4 10 11،76
5 Mbc2 5 7 8،23
6 Artteenz 6 3 3،52
7 الجزيرة الرياضية 7 2 2،35
8 الزوراء 7 2 2،35
9 روتانا سينما 7 2 2،35
10 جميع المحطات الاجنبية 7 2 2،35
11 العراقية 7 2 2،35
12 جميع القنوات الرياضية 8 1 1،17
13 جميع القنوات الدينية 8 1 1،17
المجموع 85 98،77

وبشأن مساهمة التلفزيون في اكساب الاطفال السلوك العنيف اكد (92،94%) من الاباء عينة الدراسة ان التلفزيون يساهم في اكساب الاطفال السلوك العنيف ، بينما قال (7،05%) من المبحوثين ان التلفزيون لايساهم في ذلك ، انظر الجدول رقم (7) .

جدول رقم (7) يحدد مساهمة التلفزيون في اكساب الاطفال السلوك العنيف

تحديد مساهمة التلفزيون في اكساب الاطفال السلوك العنيف التكرار %
يساهم 79 92،94
لايساهم 6 7،05
المجموع 85 99،99

وعن مدى مساهمة التلفزيون في هذا المجال اشار جميع المبحوثون الى ان التلفزيون يساهم بدرجات متفاوتة في اكساب الاطفال السلوك العنيف ، فقد اوضح (49،36%) من المبحوثين ان التلفزيون ( يساهم كثيرا") في اكساب الاطفال السلوك العنيف ، بينما ابدى (50،63%) منهم ان التلفزيون ( يساهم احيانا" ) في ذلك . وكما مبين في الجدول رقم ( 8) .
وبهذا الخصوص انقسم الاباء عينة الدراسة بالتساوي تقريبا" حول مساهمة التلفزيون في اكساب الاطفال السلوك العنيف بين خياري ( يساهم كثيرا") و( يساهم احيانا") . وكانت دراسة مايكل بروت الموسومة (( تأثير وسائل الاتصال والاعلانات على الاطفال )) اكدت ان التلفزيون يشجع الاطفال بصورة دائمة على سلوكيات ضارة لهم ، مشيرة الى وجود علاقة واضحة بين البرامج العنيفة وسلوك الاطفال ( 47) .

جدول رقم (8) يحدد مساهمة التلفزيون في اكساب الاطفال السلوك العنيف

مدى مساهمة التلفزيون في اكساب الاطفال السلوك العنيف التكرار %
يساهم كثيرا" 39 49،36
ايساهم احيانا 40 50،63
لايساهم ـــــ ـــــ
المجموع 79 99،99

الى ذلك اوضح (46،83%) من المبحوثين ان الاطفال يكتسبون السلوك العنيف من القنوات التلفزيونية المخصصة للكبار والصغار على حد سواء ، بينما ذهب (43،03) الى ان تعرض الاطفال لقنوات الكبار هو الذي يكسبهم السلوك العنيف ، وبذا فأن نسبة قليلة من المبحوثين هي التي وجدت ان قنوات الاطفال لوحدها تساهم في اكساب الاطفال السلوك العنيف . واذا ما قسمنا خيار ( الاثنان معا" ) بالتساوي بين الخيارين الاخرين نجد ان نسبة المبحوثين الذين عزو اكتساب الاطفال للسلوك العنيف من قنوات الكبار بلغت (66،44%) ، بينما بلغت نسبة المبحوثين الذين عزو ذلك الى البرامج التي تبثها قنوات الاطفال ( 33،26%) ، بمعنى ان ثلث العينة تقريبا" اشارت الى ان الاطفال يكتسبون السلوك العنيف من القنوات المتخصصة ببرامج الاطفال ، اما الثلثان الاخران فعزوا ذلك لقنوات الكبار، انظر جدول رقم (9) .



جدول رقم (9) يحدد مساهمة التلفزيون في اكساب الاطفال السلوك العنيف

نوعية القنوات التي يكتسب منها الاطفال السلوك العنيف التكرار %
قنوات الاطفال 8 10،12
قنوات الكبار 34 43،03
الاثنان معا" 37 46،83
المجموع 79 99،98

وحدد المبحوثون ان الاطفال اكتسبوا من التلفزيون مظاهر العنف الاتية :

1ــ كيفية القتل بالمسدسات والبنادق والالات الجارحة .
2 ــ اللعب بادوات جارحة كالسيوف والنبال ومسدسات تستخدم
طلقات بلاستيكية .
3 ــ ايذاء الحيوانات وقطع الاغصان والورود وبشكل لاشعوري احيانا" .
4 ــ ممارسة لعبة المصارعة والملاكمة .
5 ــ الشجار مع الاخرين وضربهم .
6 ــ التخطيط لسرقة مقتنيات الغير .
7 ــ ممارسة حركات مغامرة تنطوي على مخاطر كالسير فوق الاسيجة .
8 ــ تكوين عصابات من مجاميع صغيرة تشاكس الاطفال الاخرين
وتسلب حاجياتهم .
9 ــ التلفظ بالفاظ السباب والشتائم واللعن والالفاظ اللااخلاقية
بما يخدش الحياء والادب العام .
10 ــ تقليد حركات ابطال الافلام في اللعب والمشاجرات
مع الاخرين كالجودو والكراتيه وغيرهما .
11ــ عدم احترام الاشخاص الاكبر سنا" بضمنهم الوالدان
والمعلمون والتمرد عليهم .
12 ــ الغناء بصوت عال في الشوارع العامة والبيوت
بما يخدش اسماع المارة والجيران .
13 ــ الغش في الامتحانات والكذب .
14 ــ التعبير بالصراخ في المواقف التي يتعرضون لها .

ج ــ تقليد العنف
اظهرت النتائج ان ( 54،11 %) من المبحوثين قالوا ان الاطفــال يتأثرون بمشاهد العنف المعروضة في التلفزيون اكثر من تلك التي يروها في حياتهم اليومية ، بينما بين ( 45،88%) منهم ان الاطفال يتأثرون بمشاهد العنف التي يروها فــي الحياة اليومية اكثر من تلك المعروضة في التلفزيون وكما مبين في الجدول رقم (10) . من ذلك يتضح ان الفرق بين الاثنين لم يكن كبيرا" ، آخذين بالحسبان ان من الصعب على الاباء التحديد وبدقة متناهية المصدر الذي يستقي منه ابناؤهم السلوك العنيف سواء من التلفزيون او الحياة العامة ، لكن غالبيتهم اكدوا ان اطفالهم يقلدون مظاهر العنف المبثوثة من التلفزيون ، اذ بلغت نسبتهم (85،88%) ، اما الذين نفوا ان يكون اطفالهم يقلدون ما يعرض على الشاشة فقد بلغ (14،11 %) ، كما اشار الى ذلك الجول رقم (11)، وهذا يتوافق مع دراسة شبيهة اعدتها دينا ديب عنوانها (( اتجاهات الاباء حول العلاقة بين العنف والسلوك العدواني )) اذ اكد الاباء وجود علاقة ايجابية بين مشاهد العنف التلفزيوني والسلوك العدواني لدى ابنائهم ، موضحين ان الذكور اكثر محاكاة للسلوك العنيف الذي يشاهدونه من الاناث (48) ، بخاصة وان الاطفال يبدأون في تقليد افعال الاخرين في وقت مبكر من عمرهم ، وتحديدا" في نهاية السنة الاولى ،عندما يكون بأمكانهم تشكيل صور ذهنية لما يدور حولهم والاحتفاظ بتلك الصور واسترجاعها حتى تصبح الافعال التي يقومون بتقليدها واسعة الى ابعد حد ممكن (49) .
وتدخل مسألة التقليد ضمن اطار التعلم الاجتماعي ، ويحدد محمد عرفة في دراسته الموسومة (( التأثير السلوكي لوسائل الاعلام )) مراحل التعلم الاجتماعي من خلال التلفزيون بما يأتي (50):
(( المرحلة الاولى : يتعرض الطفل خلالها لسلوك فرد اخر سواء كان هذا الفرد انموذجا" حيا" كابطال المسلسلات او الافلام او انموذجا" رمزيا" كما هو الحال في السلوكيات التي تقوم بها الشخصيات الخيالية الكارتونية في برامج الاطفال.
المرحلة الثانية : يكتسب الطفل السلوك ويصبح قادرا" على اداء ما سمع وشاهد .
المرحلة الثالثة : يقبل الطفل او يرفض النموذج السلوكي الذي اكتسبه واصبح قادرا" على ادائه كمرشد لسلوكه اوفعله . ))

جدول رقم (10) يوضح مظاهر العنف المشاهدة
في الواقع والتلفزيون التي يتأثر بها الاطفال

مظاهر العنف التي يتأثر بها الاطفال التكرار %
مظاهر العنف التي يشاهدها في الحياة اليومية 39 45،88
مظاهر العنف التي يشاهدها في التلفزيون 46 54،11
المجموع 85 99،99


جدول رقم (11) يوضح مدى تقليد الاطفال لمظاهر العنف التلفزيوني

مدى تقليد مظاهر العنف التلفزيوني التكرار %
نعم 73 85،88
لا 12 14،11
المجموع 85 99،99

اما عن الكيفية التي يقلد بها الاطفال مشاهد العنف التلفزيوني فقد اوضح (42،46%) من المبحوثين عينة الدراسة ان الاطفال يمثلون العنف من دون ممارسته ، بينما اكد (46،57%) ان اطفالهم يمارسون العنف (بالفعل)ضد الاخرين ،و(10،95%) بينوا ان ابنائهم يقلدون العنف التلفزيوني من خلال اشياء اخرى من دون ان يحددوا الكيفية التي يقلد بها ابنائهم هذه المشاهد وكما مبين في الجدول رقم ( 12) .

جدول رقم (12) يوضح الكيفية التي يقلد بها الاطفال مشاهد العنف التلفزيوني

كيفية تقليد مشاهد العنف التلفزيوني التكرار %
من خلال تمثيل العنف من دون ممارسته 31 42،46
من خلال ممارسة العنف فعلا" ضد الاخرين 34 46،57
من خلال اشياء اخرى 8 10،95
المجموع 73 99،98

وبشأن المشاهد المفضلة لدى الاطفال فقد قال (63،52%) من الاباء ان المشاهد التلفزيونية العنيفة تستحوذ على اهتمام ابنائهم اكثر من المشاهد التي تخلو من مظاهر العنف ، مقابل (36،47%) اكدوا ان المشاهد التلفزيونية الاعتيادية ، أي الخالية من المشاهد العنيفة هي التي تحظى بمتابعة ابنائهم وكما موضح في الجدول رقم (13) ، ويعني هذا في جانب منه ان نسبة الاطفال التي لاتثيرها المشاهد العنيفة مازالت واسعة ، ما يعني ان شخصيات نسبة كبيرة من اطفالنا لاتنطوي على استعدادات نفسية لتقبل السلوك المنحرف او الجانح .


جدول رقم (13) يوضح المشاهد التلفزيونية التي تحظى بمتابعة الاطفال

المشاهد التلفزيونية المفضلة التكرار %
المشاهد التلفزيونية العنيفة 54 63،52
المشاهد التلفزيونية الاعتيادية 31 36،47
المجموع 85 99،99


د ــ الميل والتذمر من العنف

تباينت الدراسات الاعلامية بشأن ما يمكن ان يؤديه تعرض الاطفال لمشاهد العنف التلفزيوني في جعل الاطفال ميالين او نابذين للعنف وكما اوضحنا ذلك في الاطار النظري لهذا البحث ، اما على صعيد الدراسة الميدانية فقد تبين ان (60%) من المبحوثين يرون ان مشاهد العنف التلفزيوني تجعل الاطفال ( احيانا") نابذين للعنف ، اما خيار (دائما ) فلم يحصل سوى على نسبة (7،05%) ، واكد (32،94%) من الاباء عينة الدراسة ان تلك المشاهد ( نادرا) ما تجعل الاطفال نابذين للعنف وكما مبين في الجدول رقم (14) .

جدول رقم (14) يوضح حدود نبذ الاطفال
للعنف جراء تعرضهم لمشاهد العنف التلفزيوني

حدود نبذ العنف لدى الاطفال التكرار %
دائما" 6 7،05
احيانا" 51 60
نادرا" 28 32،94
المجموع 85 99،99

كما طرح السؤال الخاص بهذا الشأن بصيغة مغايرة وهي (( يقال ان عرض مشاهد العنف في التلفزيون تجعل الاطفال ميالين للعنف )) وذلك بهدف التعرف وبشكل دقيق على اجاباتهم حول هذا الموضوع ، فكانت اجاباتهم تشيرالى ان (27،05%) منهم يرون ان مشاهد العنف التلفزيوني تجعل الاطفال ميالين ( دائما ) للعنف ، و( 61،17%) تجعلهم (احيانا ) ميالين للعنف ، و ( 11،76%) ( نادرا ) ميالين للعنف ، وكما موضح في الجدول رقم ( 15) .
ومن خلال ما بينه الجدولان يتضح ان تعرض الاطفال لمشاهد العنف التلفزيوني تجعلهم ميالين لممارسة السلوك العنيف . وهذا ما اثبتته دراسات عديدة من ان مشاهد العنف كالاعمال الحربية وموجات التمرد وحركة الاجرام وغيرها تجعل الاطفال يشعرون ان الحياة مليئة بمثل هذه الاعمال ، بل تبدو مشاهد العنف المعروضة على الشاشة وكأنها انعكاس للعالم الحقيقي ، ما يجعل ايقاعات حركتهم تتسم بالعنف (50) .

جدول رقم (15) يوضح حدود ميل الاطفال
للعنف جراء تعرضهم لمشاهد العنف التلفزيوني

حدود ميل الاطفال للعنف التكرار %
دائما" 23 27،05
احيانا" 52 61،17
نادرا" 10 11،76
المجموع 85 99،98


ه ــ البرامج التي يكتسب منها الاطفال السلوك العنيف

تبين من الجدول رقم (16) ان (40%) من المبحوثين يظنون ان اطفالهم يكتسبون السلوك العنيف من الافلام الموجهة للكبار ، وبذا لابد من ان تكون هناك متابعة والدية لعملية تعرض الاطفال للتلفزيون ، بعد ذلك جاءت افلام الكارتون وبنسبة (32،94 %) ، وكانت بحوث ميدانية اشارت الى ان (59%) من الاطفال عينة الدراسة يحاكون اشكال العنف المختلفة المقدمة في افلام الكارتون ، مشيرة الى ان محاكاة الشخصيات الكارتونية التي تمارس العنف تزيد بزيادة السن (51) ، بخاصة ان اكثر المواد التلفزيونية تفضيلا" لدى الاطفال بعمر من (6ـــ 12) سنة هي افلام الكارتون (52) .وجاءت المسلسلات التلفزيونية بالمرتبة الثالثة ، اذ ذهب (12،94%) من الاباء الى ان المشاهد العنيفة التي تتضمنها المسلسلات تكسب ابنائهم السلوك العنيف ، بعدها جاءت برامج الاخبار بنسبة (10،58%) اذ ان هذه البرامج وبحسب قول الاباء تعد مصدرا" من المصادر التي تكسب اطفالهم السلوك العنيف لما تنطوي عليه من مشاهد عنف ، بخاصة ان صور المصادمات والمظاهرات والاحتجاجات واعمال القتل والمناوشات تتصدر نشرات الاخبار والبرامج الاخبارية ، كما ان تعرض الاطفال لهذه البرامج في تزايد مستمر ، اذ اصبحت نشرات الاخبار مصدرا" رئيسا" لاكتساب المعلومات لدى الاطفال (53) . ووجد (3،52%) من المبحوثين ان اطفالهم يكتسبون مظاهر العنف من الاعلانات التلفزيونية ، وهذا ما يتفق مع دراسات اعلامية اشارت الى ان اهتمام الاطفال بالاعلانات التلفزيونية محدودا" ، وتأتي في مرتبة متاخرة قياسا" لاهتماماتهم بالبرامج التلفزيونية الاخرى (54) .


جدول رقم (16) يبين البرامج التلفزيونية
التي يكتسب منها الاطفال السلوك العنيف

البرامج التي تكسب الاطفال السلوك العنيف التكرار %
الافلام المخصصة للكبار 34 40
افلام الكارتون 28 32،94
الاعلانات 3 3،52
الاخبار 9 10،58
المسلسلات 11 12،94
المجموع 85 99،98

الاستنتاجات


اولا" ــ اقر غالبية الاباء ان ابنائهم اكتسبوا مظاهر عنف من التلفزيون ، وقد تمثلت تلك المظاهر في سلوكيات عنيفة وعدوانية ضد الاخرين والاشياء ، ويلاحظ ان مظاهر العنف بين الاطفال سواء المكتسبة من التلفزيون او الواقع الحياتي بدت واضحة للعيان وفي تزايد مستمر ، بل ان بعضا" من تلك المظاهر لكثرتها اصبحت ظاهرة طبيعية من دون ان تثير سخط المجتمع او استغرابه .
ثانيا" ــ اتضح ان الثقافة الذكورية مازالت فاعلة ومؤثرة في المجتمع ، وذلك عبر طرق تعامل الاباء التقليدية مع الابناء ، ما ادى الى نقل جانب منها وترسيخه في نفوس الاطفال وعقولهم ، فالنظرة الى سمات الذكورة والانوثة تجسدت بشكل جلي في التباين الكبير في السلوك العنيف لصالح الذكور على الاناث .
ثالثا" ــ صنف الاباء بعضا" من سلوك ابنائهم ضمن مايمكن تسميته بـ (( العنف المعنوي )) عندما يتعارض سلوكهم مع المنظومة القيمية للمجتمع ، وبذا تتأكد مقولة ان ثقافة المجتمع تعد معيارا" لتقييم سلوك الافراد بضمنهم الاطفال ، وعلى هذا فأن اختلاف الثقافات قد يقود الى وصف سلوك بالعنيف فيما لاترى ثقافة اخرى فيه ذلك .
رابعا" ــ يلاحظ ان التفاعل مع الرسالة التلفزيونية العنيفة وصل عند نسبة كبيرة من الاطفال الى مستوى (( التقمص المستمر )) لشخصيات ابطال الافلام والبرامج من دون ان يتوقف هذا التقمص عند حد ، وتمثل ذلك في ممارسة الاطفال للعنف (( فعلا)) ضد الاخرين .
خامسا" ــ لم تكن البرامج التلفزيونية التي تنطوي على مشاهد عنف متنفسا" لكثير من الاطفال لتفريغ انفعالاتهم ، ذلك ان تلك المشاهد لم تؤثر باتجاه نبذ العنف او تقليل الميل نحوه ، بل كانت على العكس من ذلك .
سادسا" ــ بدا ان للرسائل التلفزيونية العنيفة تأثير فاعل على الاطفال اكثر من المشاهد الاعتيادية ، لان غالبية تلك الرسائل تتناغم مع ما تتسم به الطفولة من حيوية ونشاط ، ذلك ان الاطفال لايميلون للبرامج التي تفتقد للحركة والمغامرة ، بدليل انهم يتأثرون بمشاهد العنف المعروضة في التلفزيون اكثر من تلك التي يروها في الحياة ، فضلا" عن قيامهم بتقليد تلك المشاهد في سلوكهم اليومي .
سابعا" ــ اتضح ان تعرض الاطفال للتلفزيون غير مخطط له من الاباء ، بمعنى انه يفتقد الى المتابعة الوالدية ، ما يقود الى تعرض الاطفال لرسائل تلفزيونية غير موجهة لهم ، وينطوي مثل هذا التعرض على مخاطر عديدة بضمنها اكساب الاطفال مظاهر عنف .
ثامنا" ـــ تبين ان العائلة العراقية تفتقد الى عادات اتصالية في التعرض للتلفزيون ، وبذا فأن التعرض العشوائي يمكن ان يؤدي الى ما لايحسن عقباه .


التوصيات


اولا" ــ بما ان التلفزيون وثقافة المجتمع والواقع اليومي تشترك في اكساب الاطفال مظاهرعنف ، فأن هناك صعوبة كبيرة اذا ما اريد تحديد وبدقة متناهية تبعية كل مظهر من تلك المظاهر او سمة العدوانية او السلوك العنيف سواء للتلفزيون ام للحياة العامة بما في ذلك الثقافة ، لذا فأن التحديد الدقيق يقتضي بناء مقياس للتعرف على ذلك .
ثانيا" ــ حث المؤسسات الاعلامية على الالتزام بأخلاقيات المهنة ، فعلى الرغم من اهمية مشاهد العنف والمغامرات في تسويق البضاعة الاعلامية للجمهور ، الا ان ذلك ليس مبررا" كافيا" لزيادة تلك المشاهد في الافلام والبرامج ، لما تنطوي عليه من مخاطر كبيرة على الاطفال ، بخاصة ان هذه المشاهد تحظى بقبول الاطفال وتفضيلهم .
ثالثا" ــ اعداد برامج تلفزيونية من شأنها حث العائلة العراقية على تكوين عادات اتصالية في التعرض للتلفزيون ، لان من شأن هذه العادات تقليل التأثيرات السلبية لهذه الوسيلة ، بخاصة وان نسبة كبيرة من الاطفال يعانون من مرض الادمان التلفزيوني .


المصادر

1 ــ محمد عماد الدين اسماعيل ، الاطفال مرآة المجتمع : النمو النفسي الاجتماعي للطفل في سنواته التكوينية " الكويت : المجلس الوطني للثقافة والفنون والاداب ، 1986 " ص 287
2 ــ سلوى امام علي ، الاتجاهات العلمية الحديثة لبحوث التأثيرات الايجابية والسلبية للتلفزيون على الاطفال ، المجلة المصرية لبحوث الاعلام ، كلية الاعلام / جامعة القاهرة ، العدد (17) ، 2002 ، ص ص 249ــ 250 .
3 ــ حنان احمد سليم عليوه ، اتجاهات الخبراء نحو تأثير برامج التلفزيون على الاطفال : دراسة ميدانية ، المؤتمر العلمي السنوي التاسع الموسوم " اخلاقيات الاعلام بين النظرية والتطبيق " الجزء الرابع ، مايو ،2003 ، ص ص 1473 ــ 1493 .
4 ــ هادي نعمان الهيتي ، اتصالات الفضاء واحتمالات تأثيرها على الاسرة العربية ، بحث مقدم الى ندوة العائلة العربية في مواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين للمدة 11ــ 12 / ايار / 1994 ، ص16 .
5 ــ هادي نعمان الهيتي ، القنوات التلفزيونية الوافدة عبر سواتل الفضاء وتأثيراتها الاجتماعية المحتملة في الاطفال العرب ، بحث غير منشور ، ص 7 .
6 ــ سوزان القليني ، التلفزيون وتنمية الوعي البيئي لدى الطفل ، مجلة بحوث الاتصال ، كلية الاعلام /جامعة القاهرة ، العدد (10) ، 1993 ، ص101 .
7 ــ هادي نعمان الهيتي ، ثقافة الاطفال ، الكويت : المجلس الوطني للثقافة والفنون والاداب ، 1988 ، ص ص 136ــ 137 .
8 ــ احلام داوود سلمان ، طفلك امام الشاشة الصغيرة ، مجلة الطفولة ، الجمعية العراقية لدعم الطفولة ، العدد (10) ، نيسان ، 1999 ، ص 83
9 ــ هادي نعمان الهيتي ، القنوات التلفزيونية الوافدة عبر سواتل الفضاء وتأثيراتها الاجتماعية المحتملة في الاطفال العرب ، مصدرسابق ، ص5 ، نقلا" عن مصطفى درويش في كتابه " حماية الصغار من آثار العنف في السينما " .
10ــ عاطف عدلي العبد عبيد ، الطفل ووسائل الاعلام ، مجلة الطفولة والتنمية ، العدد (6) ،مجلد (2) ، المجلس العربي للطفولة والتنمية ، 2002 ، ص 116 .
11 ــ عاطف عدلي العبد ، التلفزيون وثقافة الطفل ، مجلة البحوث ، اتحاد الاذاعات العربية ،المركز العربي للبحوث ، بغداد ، العدد (24) ، 1988 ، 124 .
12 ــ هادي نعمان الهيتي ، القنوات التلفزيونية الوافدة عبر سواتل الفضاء وتأثيراتها الاجتماعية المحتملة في الاطفال العرب ،مصدر سابق ، ص 3.
13 ــ سوزان القليني ، مصدر سابق ، ص
14 ــ فواز عبد الحميد عبد القادر ، اثر برنامج ارشادي في تعديل السلوك العدواني لدى طلبة مرحلة التعليم الاساسي في الاردن ، اطروحة دكتوراه غير منشورة ، كلية التربية/ الجامعة المستنصرية ، ص 3 .
15 ــ زينب عبد الله محمد ، دور البيئة المدرسية في سلوك العنف : دراسة ميدانية في مدينة بعقوبة ، رسالة ماجستير غير منشورة ، قسم الاجتماع / كلية الآداب / جامعة بغداد ، 2005 ، ص 10 .
16 ــ اديب خضور ، التلفزيون والاطفال ، ترجمة واعداد " دمشق : اديب خضور ، 2003 " ص 5 .
17 ــ ليلى عبد المجيد ، العلاقة بين الاطفال العرب والتلفزيون : دراسة تحليلية للدراسات والبحوث الميدانية التي اجريت على الطفل العربي ، مجلة الطفولة والتنمية ، مصدر سابق ، ص 151.
18 ــ عبد السلام فزازي ، التلفزة والتنشئة الاجتماعية للطفل ، مجلة الطفولة العربية ، المجلد (5) ، الكويت ، العدد (20) ، 2004 ، ص 92 .
19 ــ محمد بن عبد الرحمن الحصيف ، كيف تؤثر وسائل الاعلام : دراسة في النظريات والاساليب ، الرياض ، مكتبة العبيكان ، 1998 ، ص ص 71 ــ 72 .
20 ــ سمير محمد حسين، بحوث الاعلام : الاسس والمبادئ " القاهرة: عالم الكتب ،1976" ص 127 .
** الخبراء هم:
اـ أ.م.د. سامي مهدي العزاوي علم النفس / ارشاد / مركز ابحاث الطفولة والامومة / جامعة ديالى .
ب ــ أ.م.د. محمود محمد سلمان /علم الاجتماع / كلية التربية الاساسية / جامعة ديالى
ج ــ م. د. عبد الرزاق جدوع علم الاجتماع / مركز ابحاث الطفولة والامومة / جامعة ديالى
د ــ م. د. فخري صبري علم الاجتماع / كلية التربية الاساسية / جامعة ديالى
ه ــ م.د. عبد الجبار عبد الستار علوم سياسية / كلية العلوم السياسية / جامعة بغداد
*** ــ المحكمون هم :
ا ــ أ.م.د. مهند النعيمي علم النفس / كلية الاداب / جامعة بغداد
ب ــ أ.م.د. على جبار الشمري اعلام / كلية الاعلام / جامعة بغداد
ج ــ م.د. عبد الرزاق جدوع علم الاجتماع / مركز ابحاث الطفولة والامومة
21 ــ سوزان القليني ، مصدر سابق ، ص 99
22 ــ عبد الفتاح ابو معال ، اثر وسائل الاعلام على الطفل ، عمان ، دار الشروق ، 1997 ، ص 58
23 ــ هادي نعمان الهيتي ، ثقافة الاطفال ، مصدر سابق ، ص 93 .
24 ــ المصدر نفسه ، ص 88 .
25 ــ نقلا" عن حنان احمد ، مصدر سابق ، ص ص 1472 ــ 1473 .
26 ـــ مجلة بحوث الاتصال ، العدد (11) ، كلية الاعلام / جامعة القاهرة ، 1994 .
* ــ على سبيل المثال ورد في " لسان العرب" ان كلمة العنف تعود الى الجذر ( ع. ن.ف ) الذي يعني الخرق بالامر وقلة الرفق به ، فهو عنيف اذا لم يكن رفيقا" في امره. وتعني كلمة عنف violence في القاموس الانكليزي الاستخدام غير المشروع للقوة المادية بأساليب متعددة لالحاق الاذى بألاشخاص والاضرار بالممتلكات ، و يتضمن معاني العقاب والاغتصاب والتدخل في حريات الاخرين ايضا" انظر في ذلك :
ا ــ ابن منظور، لسان العرب ،ج 4 ،مادة عنف
ب ــ Oxford , Oxford wordpower , Britain , University Press , 2000 , Violence .
27 ــ زينب عبد الله محمد ، مصدر سابق ، ص 19 .
28 ــ فواز عبد الحميد عبد القادر ، مصدر سابق، ص 10 .
29 ــ زينب عبد الله محمد ، مصدر سابق ، ص 18
30 ــ سيكولوجيا الارهاب وجرائم العنف ، ترجمة عزت سيد اسماعيل ، " الكويت :ذات السلاسل ، 1998 " ص 124 .
31 ــ محمد عماد الدين اسماعيل ، مصدر سابق ، ص287.
32 ــ فواز عبد الحميد عبد القادر ، مصدر سابق ، ص ص 16ــ 22.
33 ــ احلام داوود سلمان ، مصدر سابق ، ص 83 .
34 ــ محمد بن عبد الرحمن الحصيف ، مصدر سابق ، ص ص 66 ــ67 .
35 ــ مضر طه عباس ، الالتزام الديني والانتماء الطبقي والعدائية لدى مرتكبي جرائم العنف واقرانهم العاديين ، اطروحة دكتوراه غير منشورة ، قسم علم النفس / كلية الاداب / جامعة بغداد ، 1997 ، ص 26.
36 ــ فواز عبد الحميد عبد القادر، مصدر سابق ، ص9 .
37 ــ محمد عماد الدين اسماعيل ، مصدر سابق ، ص 236 .
38 ــ محمد بن عبد الرحمن الحصيف ، مصدر سابق ، ص ص 68 ــ 71 .
39 ــ محمد عماد الدين اسماعيل ، مصدر سابق ، ص ص 293 ـ 294 .
40 ــ المصدر نفسه ، ص 291 .
41 ــ عاطف عدلي العبد عبيد ، الطفل ووسائل الاعلام ،مصدر سابق ، ص 107
42 ــ احلام داوود سلمان ، مصدر سابق ، ص 84 .
43 ــ هادي نعمان الهيتي ، القنوات التلفزيونية الوافدة عبر سواتل الفضاء وتأثيراتها الاجتماعية المحتملة في الاطفال العرب ، مصدرسابق ، ص 7
44 ــ نقلا" عن حنان احمد ، مصدر سابق ، ص 1472 .
45 ــ نقلا" عن سوزان القليني ، مصدر سابق ، ص 94 .
46 ــ جليل وادي ، اتجاهات البرامج التعليمية والتربوية في محطة Spacetoon الفضائية الموجهة للاطفال ، مجلة الفتح / كلية التربية الاساسية ، العدد 23، 2005 ، ص ص 41ــ 42 .
47 ــ نقلا" عن حنان احمد سليم عليوه ، مصدر سابق ، ص 1473
48 ـ انظر ص 10 من هذا البحث .
49 ــ محمد عماد الدين اسماعيل، مصدر سابق ،274 و 276.
50 ــ هادي نعمان الهيتي ، القنوات التلفزيونية الوافدة عبر سواتل الفضاء وتأثيراتها الاجتماعية المحتملة في الاطفال العرب ، مصدرسابق ، ص 4
51 ــ حنان احمد سليم عليوه ، مصدر سابق ، ص 1470
52 ــ ليلى عبد المجيد ، مصدر سابق ، ص 160
53 ــ سوزان القليني ، مصدر سابق ، ص 101 .
54 ــ ليلى عبد المجيد ، مصدر سابق ، ص 160 .



http://www.c-we.org - مركز مساواة المرأة

http://www.c-we.org/ar/art/show.art.asp?aid=198936