حياة ثقافية.. للرجال فقط!!



سهيل أحمد بهجت
2008 / 4 / 21

لن أروج للغة الأحلام القومية و الطائفية في عراقنا الجديد، لكنني سأروج و أشجع على ثقافة الواقع الديمقراطي و حرية الفرد التي هي أمسُّ ما نحتاجه كعراقيين، الحرية الفردية هي إحدى مجاهيل الثقافة العراقية، و كل ما نعرفه عن الحرية محدود، لكن مشكلتنا أو العائق الأول لفهم الحرية هو تلك الثقافة العشائرية القائمة على "العار" و "الثأر" و ثقافة أو عقلية أخذ الحق باليد لا بالقانون، فحينما تثار شبهة ما حول زوجة أو أخت أو أي إمرأة ذات قرابة بشخص ما، يكون حينها على هذا الشخص أن يقتلها حسب العرف الاجتماعي السائد، ومجتمع كهذا مهما تحدث عن الحرية و الديمقراطية، فإنه قطعا لا يحصل على أي فائدة من ذلك لأن هذا العرف المناقض لكل الأديان هو بديل للقانون، و هو أيضا بديلٌ غير رسمي و غير معترَف به، لكنه يسود في المجتمع كحالة قهرية.
مجتمعاتنا الشرقية المتخلفة، و مجتمعنا العراقي هو جزء من هذه التركيبة، تلبس كل شيء لباس الدين، حتى ذلك العرف المتصل بعمق التاريخ الوثني الموغل في القدم، و لو قيل للشخص الذي ينتمي إلى هذه البيئة أن الإمام علي قد ولى على البصرة شخصا لا أب له إذ كان إبن زنا "زياد بن أبيه" لتعجب من هذا الكلام و لاحتار كيف يناقض الدين عُرف القبيلة و العشيرة!! و لا أريد هنا أن أقوم بتوصيف فقهي ما لأن القانون الآن هو بديل واقعي و محايد عن الشريعة التي اكتسبت ضعفا كبيرا بسبب تناقضات الفقهاء و التراكم السلبي للنصوص، لكن الفكرة العامة تقوم على أساس أن الدين ـ كل دين ـ يشجع على الفردانية و أن الفرد يحتمل وحده خطاياه و آثامه و أعماله الصالحة و الطالحة، و إذا كان هناك لبس ما في مسألة كالشفاعة، و هي تتوفر في كل الأديان السماوية، فإنها أثرٌ غيبي له بعد آخروي لا علاقة له بالمسئولية القانونية للفرد في هذا العالم.
تقوم أنظمتنا الشرقية دوما بتجاوز "الفرد" كوحدة مسئولة عن الالتزام أو التجاوز على القانون، و كان معروفا عن صدام حسين و نظام البعث أنه كان يلقي بالمسئولية عن أي فعل قام به فرد أو شخص ما تجاه النظام ـ أنا أطلق عليه لفظ نظام بمعنى أنه كان يسير الدولة بأسلوب الإجرام المنظّم ـ على عائلة الفرد أو قبيلته و عشيرته، بل و حتى الأصدقاء و الجيران، إنها أشبه بنظرة الحيوان، فعلى كل الحملان أن تخاف من كل الذئاب، و طبيعي هنا أن ننتهي إلى نتيجة مفادها "غياب الدولة" و "القانون"، بل إن القانون نفسه هو أداة بيد الفئة أو العصابة المتسلطة على البلد أو المهيمنة على مقاليد الحكم.
لا تزال دول المنطقة و بالأخص النظام العربي قائمة على مفهوم ما قبل الدولة، فالعشيرة التي تهيمن تنظر إلى الدول الجارة و حتى إلى فئات المجتمع ذاتها على أنها "مجموعة عشائر" و عليها أن تقدم الولاء للسلطة على طريقة العشائر و أي مخالفة لهذه الأصول "القائمة على القهر" تنتهي بحرب و مواجهة أو تهميش للآخرين، و أساس المشكلة يتعلق أيضا برجال الدين، ففي مجتمعاتنا المتخلفة يمتلك رجل الدين، مهما كانت ثقافته أو سلوكه، دورا كبيرا هو غير أهل له و لا يستحقه، فبدلا من أن يكون لرجل الدين دور كبير في دعم حرية الفرد و ترسيخ ثقافة المواطنة و حقوق المرأة، نجد أن أحد أهم ركائز المجتمع العشائري و القائم على العصبية و النظرة الدونية إلى المرأة هو رجل الدين، و لا أحد يدري إلى متى ستمتد هذه الدائرة المفرغة، صناعة رجال الدين للمجتمع العشائري و صناعة المجتمع العشائري لرجل الدين المؤمن بالقيم القبلية و العشائرية!!.
مما لاحظته أن الأحزاب الدينية، داخل أو خارج السلطة، حينما تقوم بأي نشاط ثقافي أو فني أو أدبي فإن المشاركة تكون للرجال حصريا و كأن المرأة هي كائن من كوكب آخر، و قد حدث شيء أشبه بالطرفة بسبب هذه الثقافة "الذكورية"، فقد ذهب صحفي غربي و معه مترجمه إلى إحدى هذه النشاطات، و لكن المترجم فوجيء بالصحفي يتردد في الجلوس و المشاركة، و حينما سأله المترجم عن سبب تردده أجابه الصحفي بسؤال:
ـ هل هذا الحفل مخصص "للشاذين"؟!.. سأله الصحفي عن سبب هذا السؤال فقال:
ـ لا توجد هنا مشاركات من النساء .."!!
فليعذرني الإخوة القراء لأنني أنقل ما حدث دون إضافة، ففي بلاد الغرب المتطورة يُعتبر عدم مشاركة المرأة في أي نشاط أنه يعني أنه محصور بـ"فئة" من الناس دون غيرهم، أليست هذه إهانة كبيرة لثقافتنا التي ينظر إليها العالم بأعينه الإعلامية الكبيرة!! إذ لم يكفي أن نطرد المرأة من الشارع و حبسناها في المنزل حتى انتزعنا منها حتى نسمة الهواء.
Website: http://www.sohel-writer.i8.com
Email: sohel_writer72@yahoo.com