هنيئا لك أيتها المرأة المحجبة في فرنسا



ناهد بدوية
2004 / 1 / 24

هنيئاً لك أيتها المرأة في فرنسا فأنت تعرفين حقوقك وتستطيعين التعبير عن اعتراضك على ماتعتبرينه قانونا جائرا يمكن أن يتخذ بحقك. وتناضلين وتعبيئين كل ماهو ممكن علك تستطيعين منع صدور القانون وهذا احتمال قائم. أنت قادرة على تنظيم المظاهرات بالآلاف، أنت قادرة على أن تصرخي بالصوت العالي: هذا خياري.. وهذا حقي. وأشد على يد كل امرأه خرجت إلى الشارع لتدافع عن حقوقها فالحق غير قابل للمساومة، وحرية المعتقد من أهم حقوق البشر وأهم تجل للحرية الشخصية. ولقد ضمنته جميع المواثيق الدولية المعنية بحقوق الانسان. وفرنسا اليوم بطرحها لمشروع قانون يقضي بمنع الحجاب في المدارس لا تتناقض مع هذه المواثيق العالمية فحسب بل ومع المبادئ التي بنيت عليها الجمهورية الفرنسية نفسها. ولم ينطل على أحد بأن المقصود من القانون هو الرموز الدينية كافة، على الرغم من تضمن مشروع القانون ذلك فالرموز الدينية كانت موجودة ولم تمس العقيدة العلمانية للجمهورية الفرنسية إلا حينما تزايد تحجب المرأة تزايداً ملموسا في فرنسا.
أيتها المرأة في باريس وفي لندن وفي كل البلاد التي نظمت المظاهرات الحاشدة أمس. نحن النساء في الشرق نحتاج لدعمك فوضعنا لا يمكن أن تحسدينا عليه قط ونحن لا نعرف ماذا يعني الحق أولا، وقد سلبت حقوقنا وتسلب كل يوم ثانياً، ذلك من غير أن تتاح لنا فرصة للاعتراض. عندنا الآباء والأزواج والأخوة يستطيعون منع المرأة من الخروج من المنزل يستطيعون ضربها وسلبها أموالها بالتحايل على قانون الارث الجائر أصلا.ويستطيعون فرض الحجاب على نسائهم وبناتهم من دون أي سؤال عن رأيهن. وإذا خطر لحاكم جائر أن يصدر قرارا بنزع حجاب النساء في الشوارع يستطيع ذلك ولا يعترض أحد فالاعتراض يعني السجن أو الموت. وفي إيران يفرض الحجاب فرضاً لا في المدارس فقط بل في كل مكان من بلادها، ولا تسأل المرأة هناك إذا كانت تريد ذلك، وماهو خيارها فالإرادة والاختيار بضاعة محتكرة ومتاحة للقابضين على رقبة العباد والبلاد فقط. وقد عانت المرأة في إيران حتى من اختلاف الفتاوى و وعدم استقرارها مدة طويلة ضمن الحكومة الإسلامية نفسها حول موضوع لباس المرأة فمرة يكون الشادور هو وحده ما شرعه الإسلام للمرأة ومن ترتدي غيره فهي كافرة،  ومرة البنطال وثوب طويل فوقه هو وحده اللباس الشرعي ومرة.....الخ والمرأة الايرانية تجلس في بيتها وتنتظر حتى يقرروا عنها ماذا يجب عليها أن ترتدي!!.  في السعودية حاولت خمسون امرأة لا أن ينزعن حجابهن المفروض عليهن إكراها لا اختيارا، فهذا مالم يحلمن به أصلا، بل حاولن ممارسة حق صغير وصغير جداً، حاولن تجربة قيادة السيارة الممنوعة على المرأة في ذلك البلد مهما كانت مرتبتها الاجتماعية والعلمية، فكانت النتيجة هيجان المطوعين وعقوبات مختلفة خففها كثيرا كون هؤلاء النساء الجريئات من العائلات المالكة في السعودية.
 هل تسمعين أيتها المرأة هناك. إن محاولة امرأة قيادة سيارة في السعودية تؤدي إلى الويلات. وإذا كانت هذه المرأة من عامة الناس قد تؤدي إلى السجن أو إلى الموت.
إن الإيمان بالحرية والحقوق المتساوية للبشر لا يتبدل بتبدل الموضوع ولعل من المناسب اليوم استعادة قول فولتير الشهير ،قد أختلف معك ولكني مستعد للموت في سبيل الدفاع عن حقك بالتعبير عن رأيك". إن هذه الاستعادة مهمة جدا اليوم وذلك بهدف  البحث عما جعل فرنسا تتناقض بما تفعله اليوم مع فلاسفتها ومفكريها الذين تعتز بهم والذين كان لهم الفضل في نهضتها وتطورها. وهذه الاستعادة مهمة اليوم من جهة أخرى كي لا نكون انتقائيين في مواقفنا واحتجاجاتنا بحيث تكون فقط بما يلائم ميولنا وخياراتنا وأيديولوجياتنا فيما يتعلق بالحقوق الأساسية للبشر.
هنيئا لك أيتها المرأة في فرنسا فأنت تسيرين في الشارع كائنا بشريا مستقلا، لا باعتبارك عورة متحركة مستباحة للتحرش من أي مراهق يريد أن يجرب فيك مشاعره الجنسية الجديدة التي تضج في جسده، ولست مستباحة من أي رجل يمر بجانبك فيمد يده متحرشا بك من غير أن يخطر بباله أن يسألك رأيك! وهل من رأي للمستباح؟!. هنيئأ لك فأنت تسألين عن رأيك في كل شئ والمتحرش عندكم يسألك بكل تهذيب هل تريدين التعارف؟ وعندما يكون جوابك بالرفض تقولين لا، فيمضي في طريقه دون أن يضايقك. أنت في الحقيقة لست في حاجة إلى الحجاب هناك إذا كانت قناعتك بأن الحجاب يمنع الفتنة ولفت النظر، لأن لا أحد هناك يغتصب أحداً عبر النظر. لا بل أن الحجاب هو اللافت للنظر هناك وليس العكس. وحينما كان الحجاب ممارسة دينية بحتة لم يخطر ببال أحد أن يستصدر قانوناً بمنعه لا بل أن المسلمين في البلاد الغربية كانوا أكثر حرية في التعبير عن دينهم وقناعاتهم من جميع البلاد العربية والاسلامية. أما حين تحول الحجاب إلى موقف سياسي ومحاولة لاعقلانية لإثبات هوية ضائعة، أضاعها حكام الشرق قبل غيرهم، حين ذاك فقط وقف الفرنسيون يناقشون مسألة الحجاب بمحاولة للدفاع عن هوية بلادهم وعن حقوق أساسية للبشر التي ارتأوا أن انتشار الحجاب يهددها مثل مبدأ المساواة بين المرأة والرجل ذلك المبدأ الذي بذلت المرأة هناك نضالات طويلة من أجله ومازالت تناضل من أجل اكتماله. وهم لم يفرضوا ذلك على النساء في كل مكان بل فرضوا ذلك على المدارس العامة فقط، لا كما يحدث عندنا في الشرق حيث الممنوعات تلاحق المرأة حتى إلى غرفة نومها. أي أن المجال متاح للمتمسكة بحجابها لخيارات أخرى كالمدارس الخاصة.
على كل الأحوال لم يوفق الفرنسيون حين لجأوا إلى المنع، الذي لايحل المشكلة بل يفاقمها، بدلا من محاولة حل المشكلة الأساسية، أي محاولة البحث عن سبل إدماج العرب والمسلمين في المجتمع الفرنسي، هذه المشكلة القديمة التي تتجلى بأن العرب والمسلمون يعيشون على هامش المجتمع وفي الضواحي وفرصهم في الصعود الاجتماعي محدودة لأسباب تتعلق بهم من جهة، وتتعلق أيضا بآلية الصعود الاجتماعي المعقدة والنخبوية والمغلقة تقريبا في فرنسا.  
في النهاية دعونا نتذكر بأن من سيصادق على القانون أو يرفضه هو البرلمان الفرنسي أي أغلبية الشعب الفرنسي لا كما يحصل في بلادنا بأن يفرض من قبل حاكم جائر لا يمثل إلا نفسه أو طغمته، أو من قبل أكليروس أو مرجعية من القرون الحجرية.
أخيرا أعود وأقول هنيئاً لك شروط نضالك المتاحة في تلك البلاد. ولكن تذكري أخواتك في بلاد الشرق فهم يغبطونك  على ما تنعمين به، وهن بحاجة لدعمك.