المجتمع العراقي وتأهيل المرأة الى سدة الحكم



حميد الهاشمي
2004 / 3 / 26

إحتمالات الدكتورة رجاء الخزاعي*
هل يؤهل المجتمع العراقي إمراة لحكم العراق سواء ان تكون على راس سدة الحكم ام طرفا فيه؟
بحسابات الديمقراطية والورقة الانتخابية فان اعطاء الصوت او جمع الاصوات بما يكفي ان تجتاز مراحل انتخابية حتى تصل الى مركز صنع القرار فتصيغه او تشارك فيه فهذا تأهيل لأي كان سواء امراة ام رجل.
وبالتأكيد فان مؤهلات ذلك الشخص وتاريخه الاجتماعي والسياسي وبغض النظر عن انتمائه لحزب ما او ان يكون مستقلا فان حصاده (او حصادها) لاصوات تكفي، فانه المنجز الذي يستحق الحديث عنه هنا كنموذج.
وقبل هذا وذاك فان الحديث عن تأهيل المرأة للحكم من قبل المجتمع العراقي يقتضي بالضرورة تشخيص بعض محددات صورة المرأة بصفة عامة او مكانتها الاجتماعية في المنطقة عامة والعراق خاصة.
فمكانة المرأة في هذه المنطقة (المنطقة العربية او الشرق الاوسط) والذي اصبحت ثقافته بعد انتشار الاسلام امتدادا لثقافة الجزيرة العربية الى حد كبير، حيث ان مكانة المرأة ادنى بكثير من الرجل وقد سرى ذلك الى نصوص القرآن سواء بما هو موجود مما نصت عليه بعض الآيات القرآنية منها مثلا: (وللذكر مثل حق الانثيين) (1)، و (الرجال قوامون على النساء) (2) او بما اسقط على التفاسير القرآنية من عادات وتقاليد بالية.
ومع سعي الاسلام لتهذيب عادات الجاهلية و انقاذه المراة ( كجنس من الانقراض) في هذه البيئة حيث كانت توأد، الا ان الامر لا يزال لدى الكثيرين يصور المراة كائن ادنى مرتبة ويصفونها بما يصفون جاهلين او متجاهلين انهم يخلقون بانفسهم ذلك الاطار للمرأة وتلك الصورة النمطية لها.
والواقع الاجتماعي يعكس الكثير من المتناقضات إنطلاقا من البادية وصولا الى المدن الكبيرة او الحواضر ومرورا طبعا بالقرى والارياف.
فبعد مراحل (الإماء، والمحضيات، والجواري) جاء دور (الفصلية) (3) ، و (المرأة عورة) واساليب غسل العار وغيرها.
وبعد هذا فهل هناك امكانية لان تؤهل هذه المنطقة امراة للسلطة مثلما حصل ويحصل في مجتمعات (عالمثالثية) قريبة الى حد كبير في دينها وتقاليدها من مجتمعنا مثل مجتمعات شبه القارة الهندية والدول الاسلامية منها تحديدا (باكستان، بنغلادش واندونيسيا)؟.

وعودة لنموذج الدكتورة رجاء الخزاعي التي نحاول هنا رصد احتمالات تأهيلها للسلطة وليس شرطا ان تكون رئيسة مع انها سبق وصرحت بطموحها هذا (4) في بعض ما نقل عنها من تقارير او لقاءات صحفية.
فالخزاعي (57 سنة)، حاصلة على شهادة الدكتوراه في تخصص (النسائية والتوليد)، وهي استاذة في كلية الطب بجامعة القادسية. وهي التي قادت الحملة النسوية لالغاء قرار مجلس الحكم 137. (5)
كذلك قادت المطالبة النسوية بان تكون نسبة تمثيلها في الحكم 40 % لتحصل في النهاية على نسبة 25 % . ومع ان هذه النسبة ادنى من المرجو الا انها نسبة معقولة الى حد كبير بل هي تحول جيد ونقطة انطلاق لمزيد من الحقوق للمراة في المنطقة.

المؤهلات ونقاط القوة لدى الخزاعي:
برزت الدكتورة الخزاعي في ظرف صعب مر ولازال يمر به العراق منذ حرب اسقاط نظام صدام حسين عام 2003 والتي يمر عليها الان عام كامل ولا زال الهاجس الامني والاستقلال والهم الاقتصادي وصياغة الدستور في سلم اولويات المواطن العراقي.
فالعناصر التي شاركت في مجلس الحكم كلها مستهدفة سواء بأرواحهم او بسمعتهم ووطنيتهم في ظل عدم انتظام الشارع العربي عاطفيا وسياسيا، يلهب ذلك غوغائية اعلامية تبدأ من فورة الصحف العراقية التي قاربت المائتين صحيفة ولا تنتهي بالفضائيات العربية التي تزيد من قرع طبول العنف والارهاب وتشجعه سواء هدفت الى ذلك ام لم تهدف وبطريقة او بأخرى.
وبالتالي فان وجود امرأة في مجلس الحكم سوف لن يجعلها بمنأى عن الطعن والغمز واللمز ناهيك عن سهولة الاستهداف بالنار مثلما كانت الدكتورة عقيلة الهاشمي هدفا سهلا للارهابيين، وهي زميلة للدكتورة رجاء الخزاعي في المجلس.
لكن ما هي نقاط قوة الدكتورة رجاء الخزاعي التي تجعلها تعمل وتطمح بهذه القوة وهذه الهمة بل تكاد تفجر قنبلة من خلال عدم اخفاء طموحها في ان تصبح أول رئيسة للعراق بل وفي هذه المنطقة على الاطلاق؟.
هنا بعض ما يمكن ان نعده جوابا لهذا التساؤل:
- شهادة الطب التي تحملها:
ان المجتمع العراقي يحترم الطبيبة وينظر لها باحترام كبير وقد لا يتساهل كثير من أولياء الامور في ان يرسلوا البنات الى كلية او معهد آخر غير تلك المتخصصة بمجالات التعليم لكنه سيطير فرحا ان كانت الابنة ستصبح دكتورة. وهذه صفة ربما تشترك بها مجتمعات المنطقة عموما. وبهذا فان الدكتورة الخزاعي بمنأى عن القدح الى حد كبير وذات مكانة اجتماعية متميزة كونها دكتورة (اي طبيبة). وهو ما اكسبها دعم (شعبي - عشائري ).
- حملها النسب العشائري او القبلي واحتضانها ودعمها من قبل افراد عشيرتها (الخزاعي) والذين ينتشرون في عموم العراق تقريبا مع تركز كثيف في الفرات الاوسط خاصة مدينة الديوانية في جنوب وسط العراق. وقد اكدت عدة مرات انها مدعومة عشائريا وهذه مصدر قوة لا يستهان بها في الشارع العراقي خاصة في ظروف غياب القانون او ضعف تطبيقه، وحسنا فعلت بان استخدمت هذه الورقة لتكسب نفسها حصانة ضد القدح او التشهير او اي نيل ممكن ان يؤول على انه طعن اخلاقي بها من قبل اي شخص او صحيفة او حزب ما بخلاف نقد ادائها السياسي الحذر.
- الحجاب الذي ترتديه:
ان ارتداء الحجاب في ظل مثل هذه الظروف التي يمر بها العراق يمنح المرأة حصانة كبيرة اخرى تحميها من الاحكام المسبقة والجاهزة عند المتزمتين (6) خاصة، بل هو جواز مرور لتجاوز الكثير من العقبات (الشرعية) والقيمية في مجتمعات المنطقة.
- موقفها من النظام السابق:
حيث عرف عنها كونها معاندة وبحذر شديد تجاه النظام السابق ولم تنجر الى الوقوع في حبائله، وحذرها من الوقوع في افخاخه وحافظت على مستوى معاشي واجتماعي وفضلت البقاء في البلد رغم فرصها في العمل خارج العراق والتي من الممكن ان تمنحها وضعا افضل لايقارن.
- مراهنتها على العنصر النسوي:
قامت الدكتورة رجاء بانشاء المجلس الوطني للمرأة وهو منظمة نسوية وصل عدد منتسبيها الى 21 ألف امراة من مختلف قطاعات الشعب العراقي النسوية، وقد اندمجت في هذا المجلس منظمات نسوية اخرى مناظرة. كما وتشرف الخزاعي على نشاطات انسانية ومراكز صحية ترعى المراة في العراق وهذا عمل مادي ملموس وعلى ارض الواقع يكسبها مصداقية وثقة اكبر لدى الشارع العراقي.
- انها من بيئة اجتماعية متوازنة نسبيا:
حيث تمتاز مدينة الديوانية باجواء نسبية من التسامح المتحفظ والحذر (بكسر الذال) تجاه المرأة، وتعطي بعض الفرص المدروسة كي تكون في مواقع ادارية، وتاريخ المنطقة يشهد بروز مثقفات وناشطات في مثل تلك المجالات منها على سبيل المثال الدكتورة فوزية العطية (اول امراة رئيسة لقسم الاجتماع في كلية الاداب جامعة بغداد، ولربما في الجامعة على الاطلاق حيث كان ذلك في النصف الاول من سبعينات القرن الماضي)
وقد نافست الدكتورة فوزية على شغل المقعد الثالث في مجلس الحكم بعد مقتل الدكتورة عقيلة الهاشمي. كما ان هناك الكثير من الاكاديميات والاديبات والرياضيات والفنانات اللائي برزن من هذه المنطقة.
- نقطة اخرى قد تكسبها شعبية مستقبلية اوسع في اوساط العراقيين (على الصعيد المذهبي) سنة وشيعة، حيث انها شيعية ومتزوجة من سني. وهذه ميزة تخدمها الى حد ما في احتمالات الترشيح لمناصب عالية في دولة المستقبل العراقية.
هذا الى جانب تراث جيد من الوعي والاطلاع على التغيرات التي تجري في العالم الآن، وارتفاع مستوى التعليم لدى قطاعات كبيرة من الشعب العراقي، وبعض المنجزات التي حققتها المرأة العراقية في الفترة الماضية والتي فرضت من خلالها نفسها في الكثير من المجالات العلمية والادارية ووجود أحزاب سياسية ذات توجهات ليبرالية ومناصرة لحقوق المرأة، وإرادة من التنظيمات النسوية نفسها لإن ترفع المرأة صوتها وبجرأة صارخة مطالبة بحقوقها المشروعة – الشرعية. كل هذه سوف تكون مصادر قوة بجانب مؤهلات ونقاط إمتياز الدكتورة الخزاعي لتكسبها ثقة اكبر بالنفس وتدفعها كي تكون مؤهلة للحكم في عراق المستقبل اذا ما احسنت استغلالها وحشدتها ووظفتها بطريقة اكثر عملية وحذر شديد، لتكسر طوق العادات والتقاليد الجامدة التي تحكمت في مصائر شعوب هذه المنطقة لعصور من الزمن، وبهذا فهي تكون قد شاركت مشاركة فعالة في قلب المعادلة (معادلة تأهيل المجتمع للمرأة كي تحكم) بأن (تؤهل المجتمع نفسه ليقبل بحكم المرأة) بل ليحكم نفسه حيث يجب ان لا ننسى ان أعداد النساء في المجتمع العراقي يفوق اعداد الرجال والنسبة هي 60 % الى الرجال.
فهل ستحقق الدكتورة رجاء الخزاعي هذه المعادلة الصعبة؟؟.


* نشرت في جريدة الاهالي البغدادية، العدد 63، 24 مارس 2004.
** باحث انثروبولوجي وعضو هيئة تدريس في جامعة اوربا الاسلامية في روتردام - هولندا.
h.hashimi@lycos.com

هوامش ومراجع:

1- سورة النساء.
2- سورة النساء.
3- تسمى المرأة فصلية (بضم الفاء وسكون الصاد) حينما تعطى كبدل تعويض عن جرم كبير إرتكبه ابوها او احد اخوانها او من الاقارب الآخرين المقربين كترضية ودرء لخطر الثار.
4- http://www.amanjordan.org/arabic_news/wmview.php?ArtID=13305
5- وهو القرار الذي حاول الغاء قانون الاحوال الشخصية المرقم 188، والصادر عام 1959، فترة حكم الزعيم عبد الكريم قاسم. وقد اثار هذا القرار ضجة واعتبر رجعة الى الوراء في مجال حقوق المرأة وحقوق الانسان عامة.
6- رغم ذلك لم تسلم الدكتور رجاء من تهديدات بعض الاطراف منها بالتليفون وأخرى عبر رسائل مكتوبة حيث تقول عن هذه: " تتهمني بأنني ضد الإسلام أنا لست ضد الإسلام فانا أعتقد أن الإسلام هو ربما الدين الوحيد الذي يساند النساء ويعطيهن حقوقهن كاملة ". واوضحت ان الرسالة التي كان طولها نصف صفحة ذكرت اسمي ثلاث مرات، ووقّعها ثلاثة أحزاب وكلها أحزاب إسلامية وأغلبها ممثلة في مجلس الحكم العراقي."(موقع ايلاف : السبت 13 مارس 2004 19:52).