المرأة ... الشعوذة أية علاقة؟؟! - الجزء الرابع -

فاطمة الزهراء المرابط
fatima_assilah@yahoo.fr
2009 / 4 / 15

هي جولة حاولت من خلالها استقراء مجموعة من الأسرار الكامنة وراء زيارة الأضرحة، التي تلجأ إليها المرأة بهدف التبرك أو ممارسة مجموعة من الطقوس التي وصفها لها الفقيه أو الشوافة، معتقدة أن زيارة ضريح ما بمثابة حل لمختلف المشاكل الاجتماعية والتوترات النفسية والجنسية التي تعاني منها بشكل يومي، خاصة بعد تحول الأضرحة إلى مرافق عمومية تعج بالفقهاء والدجالين وممارسي الشعوذة، مستغلين جهل وسذاجة وعدم وعي بعض النساء، للنصب والاحتيال عليهن بوساطة قراءة الحظ والتنبؤ بالمستقبل، أيضا تشهد الأضرحة سُوقاً مَوسِمياًّ لبيع الأعشاب المختلفة التي تعالج بعض الأمراض الخطيرة ومواد غريبة لممارسة طقوس الشعوذة، مثل: جلود الثعالب، الضفادع المحنطة، جلود النمور، الأفاعي، ريش النعام، الهدهد، الغربان.../ وأغلب هذه المواد يدعي أصحابها بأنها نادرة الوجود وأنها جلبت من بلاد الهند أو إفريقيا، ويصل ثمن بعضها أحيانا إلى مليون سنتيم، إضافة إلى أنواع مختلفة من البخور المشكلة من الحرمل وشوك القنفد والحناء واحصلبان و....
ويعتبر الإيمان القوي بفعالية التبرك بالأضرحة وكرامات الأولياء، والثقة الزائدة في الطقوس التي تمارسها أغلبية النساء اللاجئات إلى ميدان الشعوذة بابا أساسيا لتخطي مختلف المصاعب وحل الكثير من المشاكل الاجتماعية التي تعترض المرأة أثناء ممارسة حياتها اليومية، فالأسباب الكامنة وراء لجوء المرأة إلى الشعوذة هي نفسها التي تدفعها إلى الارتماء بين أحضان القبور والأضرحة من أجل الحصول على زوج مناسب أو الإنجاب أو بهدف الحفاظ على العلاقة الزوجية، أو الانتقام من رجل لم يف بوعده، أو تحطيم امرأة بدافع الغيرة والحسد أو التخلص من منافسة على قلب الرجل الذي تحبه، أو الاستشفاء من مرض مستعصي العلاج أو.... أو.....، لأن تدني المستوى الثقافي والعلمي، وسيادة الأمية والإيمان بالخرافات والأساطير هي دوافع تجعل المرأة تُغَيٍبُ عقلها وتخضع لرغبة الانتقام والحصول على الحلول الفعالة بطرق سهلة ولو كانت مكلفة، وتجبرها على الطواف بالأضرحة وتقبيل قبور الأولياء، أو التخلص من الملابس الداخلية، وتقديم هدية مناسبة للضريح، أو ممارسة بعض الطقوس مثل الاغتسال أو البخور.
وقد اعترفت لي الزهرة التي التقيتها صدفة في ضريح سيدي عبد الرحمان بومجمار، (38 سنة، خريجة المعهد العالي للفنون الجميلة): « كان لدي هاجس مستمر بأن هناك من يريد الانتقام مني، ويحرمني من الحصول على عريس مناسب، زرت عدة فقهاء وفي نيتي الحصول على الحل المناسب الذي سينتشلني من الوضعية التي أعيشها، خاصة وأن البيئة الاجتماعية التي نشأت فيها لا ترحم، وصفات كثيرة جربتها بناء على طلب بعض الفقهاء الذين زرتهم، شربت مزيج عدة حروز منقوعة في الماء وطبخت عدة وجبات غذائية بقطرات هذا الماء وبخرت بالبعض الأخر، ودفنت عدة حروز منسوجة بماء القطران في طرق منسية، نبشت في القبور، جربت أشياء لا تخطر على البال، نسيت أني واعية ومثقفة، كان تفكيري منحصرا في حصولي على زوج مناسب لإغلاق الأفواه المفتوحة، لأني خطبت 5 مرات خلال 3 سنوات وفي كل مرة يختفي الخطيب بدون سبب وبشكل غامض، مخلفا لي الفضيحة وتشفي الصديقات المنافقات، وقد اتفق الفقهاء على أني أعاني من العكس والتابعة، وأخيرا قصدت هذا الضريح لأخذ البركة.......».
كانت الزهرة مجرد نموذج صادفني خلال هذه الجولة القصيرة، لأنه عندما وطأت قدماي ضريح سيدي بومجمار القائم بجنوب الدار البيضاء، قبل 3 سنوات، فاجأتني الأعداد الهائلة من الناس التي تعج بها ساحته الواسعة، معتقدة أن هذا المشهد مناسبة أو موسم يحتفي الناس خلاله ببركة هذا الضريح، إلى أن سمعت عجوزا تهمس لمرافقتها بأن ساحة هذا الضريح لا تخلو من الوافدين عليه صيفا وشتاءا، وهو مشهور بعلاج "العكس" وإبطال مفعول السحر، تقول السعدية وهو الاسم الذي أدلت به سيدة في مقتبل العمر لا يتجاوز سنها 38 سنة: «شَايْلاَهْ يَا سِيدِي بُومْجْمَارْ، شْدِيدْ وبَرَكْتًوا قويَة، تقصده النساء من مختلف المدن المغربية من أجل الاستفادة من بركته، قصدت هذا المكان المبارك قبل سنوات، بسبب تأخر زواجي لما بعد الثلاثين، لم أكن بشعة الخلقة، لكن الحظ لم يطرق بابي، خاصة وأن تواجدي بمنطقة ضيقة، قلل فرص الحصول على زوج مناسب، فقدت الأمل تقريبا في الزواج، إلا أن تجدد مع الصدى الذي وصلني عن بركة سيدي بومجمار فتجدد الأمل في أعماقي، زرته مرات عديدة لأتبرك به، وقمت بتنفيذ مجموعة الطقوس التي شرحتها لي المقدمة (السيدة المسؤولة على غرف الضريح)، وبعد مدة من الزمن لم تكن بالطويلة، تقدم إلى خطبتي رجل حظي بموافقة الأسرة، فتم الزواج، ومنذ ذلك اليوم وأنا أزور هذا المقام الجليل بشكل سنوي لتقديم هدية اعترافا مني بجميله..».
قد تكون الصدفة وحدها هي التي تجعل المرأة حبيسة مجموعة من المعتقدات الخرافية والأساطير المختلفة السائدة في المجتمع المغربي وتجرفها إلى التوهان بين دهاليز الأضرحة لممارسة طقوس الشعوذة، بهدف الخروج من دائرة مجموعة من الأزمات والمآزق الاجتماعية، التي تتخبط المرأة تحت رحمتها، وتصرح نعيمة (44 سنة، ربة بيت، أم أربع بنات في سن الزواج) بخصوص الطقوس الممارسة بضريح بومجمارلإبطال مفعول السحر وطرد العكس وسوء الحظ من حياة المرأة: «يعتبر البخور باللدون (قطع الرصاص بعد انصهاره فوق النار) أشهر الطقوس الممارسة بهذا الضريح، بحيث تقوم "الشريفة"(وهي السيدة المسؤولة عن عملية البخور باللدون بوضع قطع الرصاص الصلب في إناء معدني، وتتركه على نار هادئة حتى يتحول إلى سائل ثقيل، ثم تصبه في إناء واسع به ماء، موضوع بين رجلي امرأة عذراء، معرضة فرجها إلى البخار المتصاعد، بعدها تتناول الشوافة قطع الرصاص بعد أن تكون قد صبتها في الماء لتبرد، ثم تقرأ من خلال الثقوب والتجاعيد الموجودة في قطع الرصاص، مستقبل زبونتها ... »، وتضيف «لاحقا، تطلب الشريفة من زبونتها الاستحمام بماء سبع عيون، وأحيانا سبع موجات بشرط أن يكون هذا الاستحمام في مكان خالي بعيدا عن عيون الناس، بحيث يتم في غرفة صغيرة ملحقة بالضريح، حيث تستحم المرأة التي تعاني من العكس والسحر بداخلها ويصب ماء الاستحمام مباشرة في البحر عبر مجرى صغير متصل بالغرفة، ثم ترتدي ملابس نظيفة وتخرج من الغرفة، وهي على يقين أن كل شيء تجدد في حياتها »، وتشير زائرة أخرى: « وتختم الزيارة بتقديم الذبيحة (ديك أو دجاجة حمراء) للبحر مرافقة ببعض الطقوس، بحيث تولي ظهرها للضريح متوجهة نحو البحر، وتمرر الدجاجة على كافة أعضاء جسدها بدءا من الرأس حتى القدمين، ثم تذبح الدجاجة وتلقيها في البحر، ثم تأخذ المرأة السكين الملطخ بالدم وتمسح به كل عضو من جسدها، وتدوسه بقدميها ثم تمضي حافية دون أن تلتفت إلى الوراء، بعدها تبخر نفسها بالشبة و الحرمل وترمي قطعة من ملابسها الداخلية إلى البحر بين الصخور، كي تتخلص من اللعنة والنحس الذي يرافقها».
إن الصدى الذي خلفته أسماء بعض الأضرحة الواردة في شهادات النساء اللواتي صادفتهن أثناء بحثي دفعتني إلى زيارة هذه الفضاءات، لأنقل إلى القراء معطيات واقعية وواضحة، فقصدت ضريحا آخر مختص بالزواج وطرد شبح العنوسة عن زائراته، وهو ضريح "لالة عايشة البحرية" القائم بمدينة أزمور والذي يشاع عنه: « كل من يزوره يتزوج مباشرة »، مما يجعله قبلة مختلف النساء اللواتي فاتهن سن الزواج، للتبرك به عله يكون وسيلة للحصول على زوج مناسب، بحيث تقوم الزائرة – العانس بمجموعة من الطقوس، للتخلص من الركود الذي تعرفه حياتها، وهذا الضريح لا يختلف كثيرا عن باقي الأضرحة، فهو عبارة عن بناء قديم يتكون من غرفتين للاستحمام وبئر يستعمل ماؤها للاغتسال وفي المدخل الرئيس توجد امرأة عجوز تقوم بتسخين هذا الماء لتبيعه لزائرات هذا المكان، وغير بعيد عنها تقع خيام الفقهاء والدجالين الذين لا يترددون في اصطياد أكبر عدد ممكن من الزبائن للنصب والاحتيال عليهم، وخيام أخرى لبيع بعض المواد مثل: الشموع، ماء الورد، الحناء، البخور،.... في حين تزين جدران الضريح أسماء شباب وشابات يطمحون إلى الحصول على شريك مناسب، وتشير البتول 43 سنة: « بمجرد أن تطأ المرأة مدخل هذا الضريح، عليها الطواف حوله 3 مرات، ثم تقبل قبر الولية وتقدم هدية مناسبة للمْقدْمَة التي غالبا ما تكون عبارة عن شمع أو دجاج أو ....، ثم تقتني منها، بعد لوازم التطهر (مجمر صغير، حناء، مشط، ماء الورد....)»، وتضيف: « بعد الطواف تقصد أحد غرف الاستحمام وتعرض جسدها للماء الساخن الذي تكون قد ابتاعته من عين المكان، بعد أن تدهن جسدها وشعرها بالحناء ثم تستحم، بدون استعمال الصابون أو أي مادة أخرى معطرة، وتعتبر هذه العملية بمثابة تطهير المرأة من كل الشوائب والعكوسات التي لحقتها منذ نعومة أظفارها، بعد أن تنتهي من الاستحمام تلقي بعض ماء الورد في مجمر صغير(موقد)، وتعرض جسدها وهي عارية للدخان المتصاعد من المجمر، ثم تلبس عباءة بيضاء فضفاضة، وتمزج الحناء بماء الورد لتنسج به اسم الرجل الذي ترغب في الزواج به على جدار مدخل الضريح بجانب عدة أسماء أخرى، مما يدل على توافد العديد من العوانس على الضريح نفسه من أجل الهدف نفسه ».
وغير بعيد عن مدينة أصيلة بمنطقة " العقبة" يقع ضريح سيدي "أحمد بوقجة" المختص في الذرية الصالحة وإبطال مفعول السحر والعكس، تقصده مختلف النساء للتبرك به وتقديم هدايا مناسبة له، خاصة أنه الضريح الأكثر وصفا من طرف الفقهاء، وهو عبارة عن بناء صغير منعزل عن الوحدات السكنية بالمنطقة، يتوفر على بئر به ماء يستعمل للشرب والاغتسال لطرد التبعة والعكس، إلى درجة أنه في حالة زيارته بغير الأيام المعتادة تشعر بالخوف لخلو المكان من الناس، ويعرف خلال فاتح ماي اجتياحا كبيرا، بل يتحول إلى منتزه عمومي مليء بالأطفال والنساء وحتى بعض الرجال، وتمارس النساء طقوس التبرك بشكل جماعي، وفي نيتهن أن بركة سيدي "أحمد بوقجة" ستطرد النحس وسوء الحظ من حياتهن، وهي طقوس لا تختلف عن طقوس ضريح "سيدي بومجمار"، فالإيمان الأعمى بفعالية الشعوذة وبركة الأضرحة تجعل المرأة لا تتردد في اللجوء إلى أي ضريح تسمع به، حتى لو كان بعيدا عن مكان إقامتها، فمثلا ضريح "لالة منانة" بالعرائش، رغم أنه عبارة عن مقبرة كبيرة تثير الخوف في حالة المرور وسط قبورها، إلا أن المرأة لا تتردد في زيارتها، وإعطاء الفتوح للحارس الموجود في الباب الخارجي، وانتظار دورها للدخول إلى الشريف (الفقيه) الذي ينصحها بزيارة الضريح لأخذ البركة، وهناك طقوس كثيرة خاصة بإبطال السحر والعكس حسب المصطلح المتداول في البيئة الشعبية، بحيث يقوم الفقيه بكتابة عبارات سحرية في صحن أو زلافة، يفرغ فيها الماء الذي تشرب منه، وترشه على أعضاء جسدها، أيضا يقوم الفقيه بتجهيز تمائم مناسبة تعلقها تحت ملابسها من أجل التعجيل بقدوم العريس.
ويعتبر ضريح "بوشعيب الرداد" القائم بمدينة أزمور، والذي تلجأ إليه المرأة بهدف الحفاظ على العلاقة الزوجية من شبح امرأة أخرى، أو بهدف الحصول على الذرية الصالحة، وهذا الضريح عبارة عن بناء صغير أنيق، بحيث يشترط على المرأة – الزائرة، وجود النية وطلب "التسليم" من أجل قضاء الحاجة وأداء "الباروك"، ولا تختلف الطقوس كثيرا بين زائرات هذا الضريح رغم اختلاف أغراضهن، بحيث تبدأ الطقوس في هذا الضريح باقتناء الشموع من مدخل الضريح ثم الطواف حول قبر الولي وتقبيل الجدران، وصولا إلى مرحلة إشعال الشموع أمام القبر والجلوس أمامها، بحيث تبدأ المرأة بالبكاء وبث شكواها لسيدي بوشعيب وهي على يقين أن حاجتها ستقضى بمجرد خروجها من هذا الضريح، انطلاقا من الصدى الذي وصلها من بعض جيرانها أو قريباتها، وإن كان غرض المرأة من لجوءها للضريح هو الحصول على الأطفال، فيتوجب عليها الطواف حول الضريح عدة مرات، قبل أن ترمي بحزامها أمام قبر الولي، وتقضي ليلة كاملة بالضريح للحصول على بركة هذا الولي الجليل، واستعادة قدرتها على الإنجاب، وأحيانا يتم اغتصاب النساء حسب ما جاء في شهادة بعضهن لأن الزائرة من سذاجتها تعتقد أن روح الولي هي التي تعْبَثُ بجسدها، وعندما تلد المرأة لا يفرق معها ابن من هذا الذي أنجبت، خاصة وأن الزوج في هذه الحالة هو الذي يعاني من مشكل العقم وليست المرأة، فيأتي الفرج على يد هذا الولي أو ذاك، خاصة وأن الثقافة الشعبية المغربية لا ترحم المرأة العاقر فتضطر إلى تجربة عدة وصفات وأعشاب، واللجوء إلى مختلف الأماكن من أجل الحصول على ولد أو بنت تكفيها من شر السؤال والتشفي. ونجد أن ضريح "سيدي ميمون" يشترك معه في الخاصية نفسها بحيث تلجأ إليه المرأة العاقر وفي نيتها أنها ستلد بعد وقت قصير من زيارتها لهذا الضريح.
في حين أن ضريح مولاي "عبد السلام بن مشيش" الشهير الذي يقصده الناس من مختلف المدن المغربية مما جعله بمثابة سوق يومي قريبا من الضريح، حيث تتوزع الخيام المختلفة العاجة بالبضائع المتنوعة من مجوهرات وفاكهة يابسة ومناديل وملابس صوفية، كما تنتشر نقاشات الحنة اللواتي تعترضن سبيل الزائرات مقابل 20 درهما، وفي مدخل الضريح وحوله ينتشر المتسولون، والنصابون الذين يحتالون عليك ببعض بذور الفواكه مقابل دراهم معدودة، وغير بعيد عن الضريح تجد مغارة صغيرة، تصطف حولها مجموعة من النساء، في انتظار دورهن للمثول أمام الفقيه الذي يطلق على نفسه اسم "الشريف" مدعيا نسبه الشريف لمولاي "عبد السلام بن مشيش" مع أن الشرفاء بريئون منه براءة الذئب من دم يوسف، ولأن السذاجة تسكن عقول أغلبية النساء الوافدات على هذا الضريح اللواتي يعتقدن بأن اللجوء إلى هذا الفقيه من طقوس الزيارة، ولأن الضريح عبارة عن غرفة صغيرة بدون سقف، فإن ما يحيط به من صخور وجبال هي فضاءات لممارسة مجموعة من الطقوس، فغير بعيد عن الضريح توجد مغارة كبيرة تتوسطها صخرة ذات حجم كبير، يطلق عليها اسم "العروسة الممسوخة"، وبمجرد النظرة الأولى تفهم بأن مجموعة كبيرة من النساء مررن من هنا من خلال قطع الملابس الداخلية المتناثرة هنا وهناك وبقايا شموع و...، وتشير الأسطورة إلا أنه إن بكت العروسة أقصد هنا الصخرة، فإن كل الزائرات سيتزوجن في مدة وجيزة.
ولابد من الإشارة إلى الضريح الأكثر شهرة " لالة يطو" القريب من ضريح "لالة عايشة البحرية" والذي يعتبر قبلة كل زوجة تعاني من خلل في حياتها الزوجية، بحيث تقصده بنية إعادة الدفء والسعادة والأمل في حياة هادئة، وتبدأ طقوس هذا الضريح باقتناء الشموع والأعشاب قبل التوجه إلى قبر الولية، وفي هذا الصدد تشير السيدة فاطنة 36 سنة: « تفد على هذا الضريح أشكال وألوان من النساء يبدو على ملامحن البؤس والشقاء بسبب غياب الحرارة في حياتهن الزوجية، بسبب خيانة الزوج أو بسبب الملل والروتين، أو.. وتقصد النساء هذا المقام الطيب من أجل إعادة الدفء إلى الحياة الزوجية، بحيث تتجرأ المرأة على منح "المقدمة" التي يطلق عليها اسم "الشريفة"، قطعة قماش أبيض سبق واستعملتها أثناء الممارسة الجنسية، بحيث تضع "المقدمة" بعض الأعشاب والشمعة التي وسط القماش وتلفه جيدا، ثم تدقه بصخرة صغيرة، وتسلمه للزائرة لتمرره على فرجها سبع مرات، وتستعيده لتضع فيه هذه المرة تمرا بدل الأعشاب والشمعة مرددة بعض التعاويذ التي لا يسمعها غيرها حفاظا على بركة عملها، وتدوس الزائرة على القماش وتنصرف..»، وإذا تتبعنا مسار المرأة بعد انصرافها من عند "المقدمة" سنجدها تتجه نحو غرفة أخرى من الضريح والتي تتوفر على فرن صغير في إحدى زواياها، وهو مختص بحرق هذا النوع من الأقمشة، وما إن يحترق القماش، حتى تتراجع المرأة بضع خطوات إلى الوراء ثم تخلع خمارها وتلقيه في الهواء عدة مرات، ثم تمرره فوق الفرن مرددة بعض الكلمات، ثم تلم شعرها وتعيد الخمار إلى رأسها معتقدة أن زوجها سيحترق شوقا لها والرجوع إليها راكعا، فالثقة العمياء التي تضعها المرأة في هذا الضريح أكسبت "لالة يطو" صدى كبيرا بين الأضرحة الأخرى.
وفي بعض الأحيان تحدث عدة مآسي بين أرجاء الأضرحة والقبور، عمليات اغتصاب وحشية وغريبة، بشكل خاص في الأضرحة المختصة بالإنجاب، حيث تقضي المرأة العاقر ليلة كاملة أمام قبر الولي لتستعيد خصوبتها، لكنها بدل ذلك تتعرض للاغتصاب من طرف أحد القيمين على الضريح، موهما إياها أنه الوسيلة الوحيدة التي ستجعلها حاملا بالجنين الذي تتمناه، وأنه روح الولي، والمرأة من سذاجتها ورغبتها المجنونة في أن تكون أما تسلم فرجها لأي كان، لأنها منذ أن قصدت هذا المكان وهي غائبة العقل، كما يتعرض رواد بعض الأضرحة للضرب المبرح بحجة العلاج كما يحدث في ضريح "بويا عمر" الشهير بنواحي بمراكش المختص في علاج المصابين بالجنون، بحيث يتم ربط المرضى بالسلاسل إلى الأشجار أو الجدران، نفس الطريقة نجدها في ضريح "سيدي غيلان" بأصيلة، رغم أن اللجوء إليه من أجل هذا الغرض أصبح نادرا، بحيث يستغل المسؤولون عن الضريح سلطتهم لاستغلال المرضى وضرب المجانين والمصابين بالأمراض العصبية، بحيث يتعرضون لمختلف أنواع التجويع والتخويف والتعذيب الوحشي بحجة أن هذه الوضعية أساس العلاج، وتزداد حالتهم سوءا من قلة الأكل والشرب، وفي بعض الأحيان تمارس طقوس"الجذبة" وهي عبارة عن حركات شاذة يقوم بها المرضى على إيقاع الدف والناي، يتوسطهم رجل يدعي أنه حفيد "بويا عمر" ويملك قدرة علاج كل المرضى الوافدين على الضريح، بحيث يقترب من الإبريق الموضوع على موقد صغير، وهو يهتز بشكل غريب ومخيف، ويبدأ باحتساء الماء المغلي على الرغم من حرارته العالية، ثم يبصق هذه المياه فوق رؤوس المرضى المتسابقين للحصول على البصاق المتطاير، ومع نفاذ ماء الإبريق يتوقف الدف والناي ويتساقط المرضى واحدا تلو الأخر على الأرض وتنتهي الطقوس، كما أن بعض الوصفات التي تتناولها المرأة في بعض الأضرحة تعرضها للتسمم وتلوث في الأمعاء، أو نزلة برد نتيجة التعري في غرفة الاستحمام أو على شاطئ البحر، مما يؤثر على حالتها الصحفية والنفسية.
وفي غياب آليات فعالة لمحاربة هذه الممارسة، فإن ظاهرة زيارة الأضرحة والتبرك بها، تتفاقم يوما بعد يوم، بل تتطور أساليبها وطقوسها إلى درجة أنها أصبحت تقليدا اجتماعيا، نظرا لاعتقاد المرأة بأن هذا الولي أو ذاك سيعبر بها إلى بر الآمان، خاصة وأن زيارة الأضرحة تخفف الضغط النفسي الذي تعيشه المرأة، لذلك فهي تعتبر الأضرحة الملجأ الدافئ والآمن الذي سيخلصها من المشاكل والأحزان، ومكان مناسب لتفريخ الشحنات النفسية الشديدة التي تعاني منها المرأة.