واقع اطفالنا ( راضي ) نموذجا



محمد شفيق
2010 / 6 / 2

قبل اكثر من سنة اعتقلت القوات الامنية احد جيراننا بتهمة معينة لا نعرف الى الان ماهي , قد تكون حقيقة او وهمية . وهو الى هذه اللحظة قابع في السجن ينتظر الفرج بأن ترفع قضيته الى القاضي حتى يحدد موعد الجلسة للبت في قضيته . هذه حالة واحد من الاف المعتقلين العراقيين فرج الله تعالى عنهم جميعا واعادهم الى اهيلهم سالمين
المأساة الحقيقة ان هذا الشخص كان هو المعيل الوحيد للعائلته المكونة من ستة افراد . فأكبر اولاده لم يتجاوز السابعة عشر واصغرهم لايتجاوز السادسة من عمره . الابن الاكبر تولى اعالة العائلة واصبح عاملا في احدى افران الصمون وترك دراسته التي لم يفلح بها للاسف الشديد . المعانة الحقيقة تجسدت في الابن ذو الثلاثة عشر ربيعا . حكايته تدمي القلب وترسم لوحة تبين فيها الواقع المأسوي لبراعم الرافدين
راضي , هذا الفتى الذي يدرس في المرحلة الابتدائية . ينهض منذ اطلالة الفجر الاولى وتحديدا في الساعة الخامسة صباحا ليذهب الى الفرن القريب من منزله ليعود في الساعة العاشرة صباحا مقابل ثمن بخس قدره ( خمسة الاف دينار ) شاهدته ذات صباح عائدا من الفرن , وهو كالثمل يذهب يمينا ويسارا وبالكاد يفتح عينيه من شدة العمل وقسوته خصوصا وانه ذو بنية ضعيفة . وبعد ذلك يذهب الى الفرن عند السابعة مساءا وحتى الحادية عشر ليلا ليرتفع مرتبه 2000 دينار ليصبح 7000 دينار , مقابل الساعات الشاقة التي يقضيها في حرارة الفرن ونقل عشرات ( الطاوليات ) وفي نفس الوقت يذهب لاداء الامتحانات النهائية والاستعداد لاستقبال مرحلة مهمة من عمره الدراسي وهي مرحلة السادس الابتدائي التي تطلب جهدا اكبر من الطالب . لله دركم يا اطفال بلادي ماذا فعلتم حتى ينقم منكم الزمان ابشع انتقام . مالجرم الذي اقترفتموه حتى تحترق وجوهكم في جحيم الافران الحجرية
سبق لي وان كتبت بأن اطفالنا لايمكنهم العيش في بيئة العراق , لانها اصبحت بيئة لاتتقبلهم . عليهم ان يبحثوا عن بلد اخر يتقبلهم ويرحم طفولتهم المهددة بالضياع بل ان معظمها قد ضاع فعلا . علما اننا مقبولون على العطلة الصيفية لذلك سنجد المئات من امثال راضي خصوصا في المناطق الشعبية التي يخيم عليها المناخ العشائري والقبلي , اولئك الذين يجبرون اولادهم واحفادهم على العمل في شتى المهن القاسية , في حمل الاثقال وبيع اكياس النايلون تحت اشعة الشمس الحارقة ووسط الاسواق المزدحمة .
ايها الاباء والامهات والاشقاء , ارحموا فلذات اكبادكم فأنهم امانة الله تعالى في اعناقكم . ستقفون بعد ايام معدودة للسؤال والحساب في يوم لاينفع فيه الندم
وياحكومتنا المؤقرة , ياوزارة الشباب , ياوزارة العمل , ارحموا واقع اطفالنا وشبابنا , الايكفي الانحطاط والتدني الذي وصلوا اليه . لكن من تدعوا ولقد استغشوا ثيابهم ووضعوا في اذانهم وقرا . انك لاتسمع الموتى ولاتسمع الصم الدعاء