شتّانَ بين 14 تموز 1958 و 14 تموز ما بعد 2003



عبد علي عوض
2010 / 7 / 12

أعتقد مَن كان في الثمانين والسبعين والستين والخمسين والاربعين من العمر ، عندما إنبثقت ثورة 14 تموز عام 1958 و عايشها ، الآن ليس على قيد الحياة ، بيد أنّ خلجات النفس وما تعجُّ بها مِن ذكريات عند أولئك الذين عاصروا تلك الثورة ، فمنهم مَن كان شاباً وآخَر مراهقاً وثالث طفلاً والآن أصبح طاعناً في السن وقد وضع الزمن بصماته الحزينة على وجوههم ، كلهم يتذكرون في هذه الأيام العجاف تلك الأيام المليئة بالأمل والتفاؤل والثقة المطلقة بوطنية وإخلاص رجالات الثورة . لقد غدَت ثورة 14 تموز في حينها العيد الوطني الرئيسي للشعب العراقي ، وتشكَلت حكومة التكنوقراط من مختلف القوى السياسية الوطنية حينذاك ، من أجل النهوض بالواقع العراقي على مختلف الصُعد ، وبالرغم من قِصر عمر الثورة ، إلاّ أنها حققت إنجازات كبيرة في قطاعات التربية والتعليم العالي والاقتصاد والصحة وحقوق المرأة والطبقة العاملة والفلاحين ، وتحرير العراق من حلف بغداد ومنطقة الاسترليني ، وتشريع قانون النفط رقم 80 ، وقانون الاصلاح الزراعي . الثورة بقيتْ خالدة في ضمائر العراقيين ، لكونها تمَّت بجهد عراقي خالص وبمآزرة كل شرائح المجتمع ، ما عدا أيتام الملكية والاستعمار البريطاني ، في حين نتذكر أن اقلاب 8 شباط 1963 وبعده 17 تموز 1968 حدثا بجهد إستخباراتي امريكي وباشراف ال CIA ، لذا ولَّيا الى مزبلة التاريخ مع مَن حكم العراق في تلك الفترة ، ولايريد الشعب العراقي ان يتذكر تلك الايام الكالحة ، بل يحاول مسحها من ذاكرته .
إنَّ الأنسان الذي يشارك بتفجير ثورة تحررية من أجل شعبه ، لايمكن أن يمارس أيَ نوع من الفساد ، لأنه يعتز بتاريخه النضالي ، أما المتسلق والذي يستلم السلطة على طبق الانتهازية والوصولية ، فانه ينظر الى تلك السلطه مجرّد فرصة لاتعوَّض ، عليه الاستفادة منها ذاتياً بأقصى ما يمكن ، وهذا ما حصل بعد 2003 ، أحزاب العمائم وأخنديتها مع بقايا البعث الفاشي ، إتفقَت مصالحهم وآراؤهم على إشاعة ثورة الفساد ونهب قوت الشعب ، بعكس نوايا وسلوكيات قادة ثورة 14 تموز . فلا عجب أن حكّام اليوم لا يريدون أن يعيروا أية أهمية لتلك الثورة المجيدة ، بل وصلت الوقاحة بهم تجاهلها وعدم إعتبارها عيداً وطنياً .
لقد إستولى إثنتا عشر نفراً من البعثيين على السلطة بشاحنة ( زيل ) عام 1968 وقادوا البلد الى المحرقة ولعدة عقود ، والجاثمون على السلطة حالياً ، هم ذات الكارثة ، طفحوا من البالوعات في غفلة من الزمن !
إنَّ مصير البلد والشعب في هذه الظروف ، واقع بين مطرقة قوى الاسلام الطائفي ( الفاشية الدينية ) من جهة ، و سندان أعضاء القائمة العراقية ، الذين غالبيتهم مَن كان يسرح ويمرح في مختلف الوزارات والجامعات العراقية وحصلوا على ( دكتوراة الاتحاد الوطني )، والذين بسببهم حُرِم الكثير من الكوادر العلمية الوطنية المعارضة للبعث الفاشي من العودة الى الوطن وعانت ما عانت من الغربة وقساوتها ، وها هم يعودون الى السلطة من جديد من دون أية معاناة أو تشرُّد ، أيةُ عدالة هذه !!؟؟ لا أرى أية بارقة أمل... حنيناً الى 14 تموز وعدالته .