|
|
غلق | | مركز مساواة المرأة | |
|
خيارات وادوات |

إيمان أحمد ونوس
!--a>
2010 / 8 / 7
في حماه وحلب عصابة للاتجار بالبشر
تأجير طفلات صغيرات كخادمات، وأسئلة برسم المعنيين
نشرت صحيفة الثورة خبراً هاماً عن إلقاء القبض على عصابة اتجار بالبشر في محافظة حماه. وتتلخص وقائع الحالة بأن والدة طفلة لا يتجاوز عمرها ثماني سنوات من محافظة حلب قد قامت بادعاء لدى فرع الأمن الجنائي بحماه طالبة إعادة ابنتها الصغيرة الموجودة لدى أحد الأشخاص بحماه.
ونتيجة عملية البحث التي قام بها فرع الأمن الجنائي بحماة تبيّن وجود متاجرة بفتيات صغيرات السن لتشغيلهن في بيوت بعض الأثرياء في مدينة حماة عبر عقود بيع وشراء عن طريق أحد السماسرة.
وبالبحث عن ابنة المدعية تمّت معرفة مكان الطفلة وإعادتها إلى أمها وإلقاء القبض على من تعمل لديه كخادمة، حيث اعترف بإبرام عقد مع والد الطفلة لمدة خمس سنوات مقابل مئة ألف ليرة عن طريق الوسيط الذي أُلقي القبض عليه مع والدي الطفلة اللذان اعترفا بأنهما قدما إلى حماة لتشغيل ابنتهما كخادمة وتأجيرها لقاء مئة ألف ليرة كما سبق لهم أن قاما بتأجير ابنتهما الأخرى وعمرها تسع سنوات ولم تزل تعمل خادمة .
وبالتحقيق اعترف الوسيط- من منطقة عفرين بحلب- أنه يقوم بتشغيل طفلات صغيرات مقابل مبلغ مالي له، ومبلغ مالي آخر لوالد الطفلة بموجب عقد يصل لعشر سنوات ويجدد تلقائياً.
وقد أفاد المحامي العام في حماه أن الوسيط والبائع و الشاري محتجزون في القصر العدلي بانتظار إصدار الأحكام القضائية الخاصة بهذه الأفعال التي تنفيها الإنسانية وينفيها القانون بالاعتماد على أحكام المرسوم الخاص بمنع الاتجار بالبشر، وأن العقوبات ستكون جنائية لما لها من انعكاسات سلبية خطيرة على المجتمع بشكل عام وعلى مستقبل هؤلاء الطفلات اللواتي لا تتجاوز أعمارهن تسع سنوات بشكل خاص.
لقد أعادني هذا الخبر بالذاكرة إلى ما كنّا نشاهده في الأفلام المصرية، حيث يقوم الأهل ببيع أو تأجير بناتهم صغيرات السن إلى الأثرياء مقابل مبالغ بخسة لأجل إعالة الأسرة في الأرياف النائية، وكانت هذه الأمور تحدث بفعل الجهل والموقف التقليدي من الإنجاب والإناث اللواتي عليهن خدمة الأسرة وتقديم المال اللازم لدراسة بعض الذكور في تلك الأسر. كما وذكّرني أيضاً بمسرحية محمد الماغوط ( كاسك يا وطن) التي باع فيها دريد لحام أولاده لأنه لا يستطيع القيام بمهام تربيتهم.
لكنني لم أكن أتصور أن الماغوط كان يستشف أو يرسم بمخيّلته الفذّة مستقبل المجتمع السوري الذي سيعيش ذات الحالة يوماً ما، لاسيما أن هذه المتاجرة المخزية قد تمّت في محافظة تعتد أو توصف بأنها من المحافظات ذات الطابع الديني المتزمت( حماه وحلب) الذي يفترض التمسّك بالتعاليم الدينية القاضية بحماية الطفل وتنشئته تنشئة سليمة، إضافة إلى الرأفة بالأنثى. لكن الواقع المُعاش يشي بأن هذه المجتمعات غير معنية بحماية الأنثى وتأمين عيشها بكرامة، بل على العكس فإنها أكثر ما تضطهد الأنثى باعتبارها من ملحقات الملكية الأسرية، وبالتالي عليها تقديم خدمات تتناسب واحتياجات الواقع مهما كانت إمكاناتها ضئيلة كهاتين الطفلتين.
إن تفشي هذه الظواهر في المجتمع السوري تشير بلا أدنى شك إلى عدة أسباب داعية لها:
أولاً- سيادة قيم اجتماعية وأسرية لا مبالية بالمسؤولية المنوطة بالأبوين حصراً، أي تبدّل المفاهيم التربوية والأبوية تماهياً مع سمة العصر وهمّها الأساسي في إشباع الرغبات الآنية- الاستهلاكية الترفية على حساب أي شيء مهما كانت قيمته ثمينة كالأولاد، من مثل هذه الحالة أعلاه، أو تشغيل الأطفال بأعمال لا تليق بطفولتهم ولا بصحتهم النفسية والجسدية، وشوارع وأنفاق المدن شاهد حي على وجود الكثير من الأطفال بعمر الزهور متسولين بطرق مباشرة أو غير مباشرة عبر بيع العلكة أو أوراق نتائج الامتحانات والمفاضلة وما شابهها من أعمال تسيء للطفولة والأبوة والمجتمع بآنٍ معاً دون أدنى شعور من الأبوين بمسؤوليتهما عمّا يؤول إليه مصير أولادهم بما يتعرضون له من مخاطر جسيمة.
صحيح أن الأطفال في الأرياف كانوا ومازالوا قوة عمل بالنسبة للأسرة، غير أن هذا العمل غير مخزٍ لأنه يتم في أملاكهم وتحت إشراف الأبوين، عمل لم يكن ليشعرهم بالذل الذي يشعرون به أثناء خدمة آخرين أغراب لهم طقوسهم ومزاجيتهم وأخلاقياتهم التي غالباً ما تكون متعالية على المخدوم باعتباره ملكاً لهم.
ثانياً- الوضع الاقتصادي والمعاشي السيئ الذي فرض على المجتمع ممارسات وسلوكيات كانت فيما مضى مستهجنة ومعيبة، كمثل حالة الاتجار هذه( وإن كانت غير مبررة). إضافة إلى ارتفاع معدل الولادات وبالتالي تزايد عدد أفراد الأسر لاسيما الفقيرة منها ناتج عدم الوعي، مما يؤدي إلى عدم قدرة الأهل على تلبية احتياجات الأولاد، وبالتالي الإقدام على أفعال مشابهة. وهذا الأمر يتطلب من الحكومة إعادة النظر في مجمل سياساتها المتعلّقة بالمجتمع وتأمين فرص العمل لاسيما للشرائح الدنيا لتأمين مستلزمات حياتها الضرورية بأقل التكاليف، وتعزيز قانون التعليم الإلزامي ومحاربة التسرّب من خلال تنفيذ العقوبات الرادعة والجادة للأهل والمسؤولين عن التسرّب المدرسي، وعدم الاكتفاء بورشات العمل والمؤتمرات وبرامج التعليم غير المستمر أو النظامي التي تتوجه لأطفال يمتلك آباؤهم درجة من الوعي تحميهم من الوقوع في براثن الاتجار بالبشر أو العمالة المشردة، هذه البرامج التي تتجاهل أطفال الشرائح الدنيا والمعدمة في المجتمع، والذي يجب أن يكون التوجه لهم أصلاً لحمايتهم وتنمية مواهبهم المغمورة تحت ضغط الحاجة والفقر وعدم وعي الأهل.
وهنا أود أن أطرح على المسؤولين بمختلف الاتجاهات أسئلة قد لا ترقى ولا تروق لأحد:
- ألا يُعتبر تسوّل الأطفال وتشردهم وحتى عملهم في ورش وهم تحت السن المسموح به قانونياً اتجاراً بالبشر..؟
- ما الفرق بين مصير هاتين الطفلتين في حماه، ومصير مئات الأطفال الذين يعملون في أعمال مشابهة( ورش، تسول، بيع، ...الخ)
- لماذا لا يتمّ تشميل هؤلاء الأطفال بالمرسوم التشريعي رقم(3) القاضي بمعاقبة مرتكبي الاتجار بالبشر أشد العقوبات..؟
- ألا يُعتبر وضع هؤلاء الأطفال مشابهاً لما له من انعكاسات سلبية خطيرة على المجتمع بشكل عام وعلى مستقبل هؤلاء الأطفال بشكل خاص..؟
- ألاّ يجب الحد من تلك المظاهر عبر تفعيل وتنشيط دور وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل الجاد والحقيقي ممثلة بمختلف الهيئات والمؤسسات المعنية...؟
دعوة للانضمام الى موقعنا في الفسبوك