أبنية المواطنة المنقوصة، ثقافة التّمييز



رجاء بن سلامة
2004 / 9 / 23

إذا أردنا أن نتأمّل ما قطعته المرأة التّونسيّة من أشواط نحو المساواة والمواطنة التّامّة، وما قطعه المجتمع التّونسيّ من أشواط نحو التّحديث السّياسيّ والاجتماعيّ والفكريّ، أمكن لنا أن نبدي ملاحظتين إجماليّتين إيجابيّتين :
1/ إنّ مجلّة الأحوال الشّخصيّة التّونسيّة هي الأكثر تطوّرا في العالم العربيّ.
2/ إنّ سياسة الدّولة التّونسيّة منذ الاستقلال إلى اليوم تسير عموما نحو النّهوض بالمرأة ونحو الإصلاحات القانونيّة الهادفة إلى تحقيق المساواة.
ولكنّ هذا المشهد العامّ يجب أن لا يجعلنا نطلق صيحات الظّفر ونكتفي بترديد خطاب المكاسب والمنجزات. فالفخر بالنّفس، سواء كان فرديّا أو جماعيّا، موقف نرجسيّ بدائيّ متناقض مع ما تقتضيه الذّات الحديثة المسؤولة وما تقتضيه الدّيمقراطيّة من تقييم ونقد ومساءلة واختيار للممكن. ثمّ إنّ المساواة ومبادئ حقوق الإنسان عامّة ليست شيئا ثمينا يمكن أن نحصّله في قبضة اليد، وإلى ما لانهاية له، بل إنّها أفق تسير نحوه الإنسانيّة جمعاء، فتقترب منه تدريجيّا دون أن تدّعي بلوغه في يوم من الأيّام.
بدل الاكتمال المغلق الموهوم، نفضّل إذن الأفق المفتوح، وبالنّظر إلى هذا الأفق المفتوح نقدّم هذه الملاحظات.
فداخل المشهد العامّ المضيء توجد المناطق المظلمة التّي نجملها في ما يلي :
 
1-اللاّمساواة في القانون :
رغم أنّ مجلّة الأحوال الشّخصيّة التّونسيّة هي الأكثر تطوّرا في العالم العربيّ، فهي تنصّ على أنّ "الأب رئيس العائلة"، ولا تضمن المساواة في الإرث، وكأنّ ما طالب به الحدّاد منذ سنة 1930 لا يزال حلما مستحيلا، ولا تنصّ على حرّيّة المرأة في اختيار قرينها بقطع النّظر عن معتقده الدّينيّ... وقد تحفّظت تونس، مسايرة في ذلك البلدان العربيّة التي لا تضمن الحقوق الأساسيّة للمرأة, على موادّ من "اتّفاقيّة مناهضة جميع أشكال التّمييز ضدّ المرأة"، منها المادّة 16 بخصوص جنسيّة الأطفال والاعتراف بنفس الحقوق والواجبات أثناء الزّواج وعند فسخه والمسؤوليّات في ما تعلّق بالولاية على الأطفال وفيما يخصّ اللّقب العائليّ والميراث (انظر أبحاث سناء بن عاشور وحفيظة شقير)، بل تحفّظت على المادّة 15 فيما يخصّ حركة الأشخاص وحرّيّة اختيار مقرّ سكناهم وإقاماتهم، وهو ما يتناقض مع الدّستور التّونسيّ (الفصل العاشر) ومع حرّيّة النّساء التّونسيّات الفعليّة في السّفر والإقامة.
ورغم أنّ الدّستور التّونسيّ لا يجعل الشّريعة مصدرا للقانون، ويكتفي بجعل الإسلام "دين الدّولة"، تتّسم السّياسة التّونسيّة القانونيّة بنفس التّردّد الملحوظ في بقيّة البلدان العربيّة، التّردّد بين المرجعيّة المدنيّة الحديثة والمرجعيّة الفقهيّة العتيقة، وقد أمكن لبعض الباحثين تلخيص هذه الوضعيّة كالتّالي : "اللّجوء إلى المصادر الإسلاميّة عندما يتعلّق الأمر بالتّشريع للأسرة أو في مجال الأحوال الشّخصيّة من جهة أولى، والعزوف شبه الكلّيّ عن هذه المصادر عندما يتعلّق الأمر بالتّشريع في مجال القانون المدنيّ أو القانون الجنائيّ، أو في عامّة فروع القانون الأخرى من جهة ثانية". فما نسمّيه اليوم "الشّريعة" هو إجمالا قانون الأحوال الشّخصيّة الإسلاميّ، أي : آخر قلعة من قلاع التّقليد، آخر ترسانة من الأحكام التي تضمن استمرار العلاقات التّقليديّة بين الرّجال والنّساء، وتضمن دونيّة المرأة ومراقبتها. توجد "نصوص قطعيّة" كثيرة في القرآن لم يعد معمولا بها، ولكن عندما يتعلّق الأمر بالمرأة، يتمّ إخراج هذه الحجّة، وكأنّ النّصوص القرآنيّة في ما يخصّها تصبح أكثر قطعيّة وصراحة.
 
2-اللاّمساواة السّياسيّة، ونقصد بها ضعف المشاركة السّياسيّة للمرأة وضعف نسب وجودها في مواقع صنع القرار.
وتشمل المشاركة السّياسيّة كلّ مظاهر الاهتمام بالشّأن العامّ كالانتخاب والتّرشّح وممارسة العمل الجمعيّاتيّ والنّقابيّ والتّعبير السّياسيّ بالتّظاهر في الأماكن العامّة والتّوقيع على العرائض والاعتراض على السّياسة المحلّيّة أو الإقليميّة أو الدّوليّة، كما تشمل تقلّد الوظائف التّسييريّة على مستوى السّلطتين التشّريعيّة والتّنفيذيّة. ووضعيّة المرأة التّونسيّة في هذا المجال شبيهة بوضعيّة النّساء العربيّات عموما. فرغم ازدياد نسبة النّساء العاملات في البلدان العربيّة، وتضاعف نسب المتعلّمات، فإنّ مقياس تمكين المرأة المعتمد من قبل "برنامج الأمم المتّحدة الإنمائيّ"، وهو حصيلة مؤشّرات متوسّط الدّخل للفرد، ونسبة النّساء في الوظائف المهنيّة، وحصّة النّساء في مقاعد البرلمان على التّوالي...، "يكشف بوضوح أنّ البلدان العربيّة تعاني من نقص لافت للنّظر"، بحيث تأتي المنطقة العربيّة، رغم ثراء الكثير من بلدانها في المرتبة قبل الأخيرة بين مناطق العالم، ولم تقلّ عنها إلاّ إفريقيا جنوب الصّحراء.( تقرير التّنمية البشريّة العربيّة لعام 2002 الصّادر عن برنامج الأمم المتّحدة الإنمائيّ، انظر بحثنا عن "أهليّة المرأة للمشاركة السّياسيّة...) وإذا قصرنا نظرنا على واحد من المؤشّرات التي تعكس بوضوح مشاركة المرأة في الحياة السّياسيّة هو نسبة تمثيل النّساء في البرلمنات العربيّة، وجدنا أنّ هذه النّسبة لا تتجاوز  5,7/ 100وهي أضعف نسبة تمثيل برلمانيّ للنّساء في العالم على الإطلاق. ورغم الارتفاع الطّفيف لهذه النّسبة في تونس إذا ما قورنت بغيرها من البلدان العربيّة (تونس11،5 ، والمغرب 10،8 والجزائر 6،5)، فإنّ المقارنة بمناطق العالم الأخرى تؤكّد مدلولات  المعدّل العربيّ العامّ (أوروبّا الشّماليّة 39،7 ، وأمريكا 16،5 وإفريقيا 13،6) (النّساء في البرلمنات، الاتّحاد البرلمانيّ 2002).. وتبيّن الإحصائيّات التي يوفّرها مركز البحوث والدّراسات والتّوثيق والإعلام حول المرأة بتونس أنّ نسب حضور النّساء ووجودها في مواقع صنع القرار ضعيقة في أحزاب المعارضة وفي الجمعيّات غير الحكوميّة والنّقابات والمجالس العلميّة الجامعيّة...
هذه العوامل تجعل مواطنة المرأة منقوصة، أو بالأحرى تجعل مواطنة المرأة منقوصة أكثر من مواطنة الرّجل، في بلاد تتّسم الحياة السّياسيّة فيها بما يلي :
-عدم الاعتراف التّامّ وعدم التّمتيع الفعليّ بالحقوق المدنيّة والسّياسيّة
-هشاشة المجنمع المدنيّ وإفراغ الهياكل التّمثيليّة من فاعليّتها
-احتكار السّلطة وعدم احترام مبدإ التّداول الدّيمقراطيّ
-عدم توفّر وجوه التّفرقة الدّيمقراطيّة : بين السّلط الثّلاثة، وبين سجلّ المواطنة وسجلّ الدّين، وبين الحزب الحاكم وأجهزة الدّولة...
 
3-الثّقافة التّمييزيّة التي ما زالت فاعلة في منظوماتنا التّعليميّة وفي الإعلام نقطة معتمة أخرى داخل  اللّوحة العامّة، رغم محاولات الإصلاح وحملات التّوعية ودورات التّدريب على حقوق الإنسان التي تحاول تنظيمها بعض الجمعيّات غير الحكوميّة. فالقوانين والعقليّات لا تسير على نسق واحد، والشّعارات والقيم والصّور الجاهزة المعادية للمرأة ما زالت فاعلة في سلوكنا وفي الخطابات التي ننتجها، وما زالت مؤثّرة عن وعي أو عن غير وعي في حياتنا اليوميّة والمهنيّة وفي الممارسات الانتخابيّة والتّرشّحيّة للرّجال والنّساء معا.
 ولكنّ المعطى الجديد نسبيّا يتمثّل في ما أدّت إليه الفضائيّات العربيّة الجديدة من بروز مشهد ثقافيّ وإعلاميّ عربيّ يكرّس التّمييز ضدّ المرأة ويكرّس الأدوار النّمطيّة التّقليديّة على نحو هذيانيّ. أبرز الفاعلين في هذا المشهد المفتون الشّعبيّين والدّعاة الجدد الذين يلهجون بالعودة إلى عهد الصّفاء الأوّل، ويحرّمون ويحلّلون كما طاب لهم، ويفتون أحيانا بما يتعارض مع القوانين المعمول بها في بلدانهم، وتسير خطاباتهم في اتّجاه يحول دون الوعي بقضيّة المرأة، ويحول دون تحرّر أجساد ونفوس الرّجال والنّساء. فهم يحرّمون الإجهاض وموانع الحمل، ويحلّلون ختان البنات، ويدعون إلى رجم الزّاني والزّانية إذا كانا محصنين، ويدعون إلى تطبيق العقوبات الجسديّة التي تنصّ عليها الشّريعة، ويدعون إلى عدم الاختلاط، ويحذّرون من فتنة المرأة ويدعونها إلى اتّخاذ الحجاب،  وفي أحسن الأحوال، يعتبرون عمل المرأة خارج البيت جائزا عند الضّرورة...  
وما يجعل هذا الوضع باعثا على الحيرة والقلق أنّ بعض هؤلاء المفتين الفضائيّين يسمحون لأنفسهم بإصدار أحكام التّكفير للمجتمع التّونسيّ بالذّات، لابتعاده حسب رأيهم عن الصّراط المستقيم في إباحة تعدّد الزّوجات وجعل الطّلاق بيد الرّجل وحده، وغير ذلك من أبنية الهيمنة والجور التي تسمّى في النّظام العربيّ السّائد "ثوابت" و"خصوصيّات".
 
ولأبنية المواطنة المنقوصة وثقافة التّمييز هذه جذور مشتركة، هي التي تعوق التّحديث العامّ للمجتمع والدّولة : إنّها الأبنية الأبويّة التّيولوجيّة، التي تعرّضت إلى هزّات حداثيّة ولكنّها ظلّت مترسّبة في صلب النّسيج الاجتماعيّ والثّقافيّ : في علاقات الفرد بالمجموعة وبالدّولة وفي العلاقات بين النّساء والرّجال.
 
فتنظيم اللاّمساواة بين المرأة والرّجل هو ما يتّسم به النّظام الأبويّ. إنّه بالأحرى نظام سياسيّ-قانونيّ-تيولوجيّ يكون منطق التّناسل فيه هو الأهمّ وتكون مؤسّسة السّلطة والأب فيه كتلة واحدة، بحيث أنّ "الأب يقوم بوظيفة الوساطة التي تضمن استمرار وحدة المبدأين المأخوذة من اللّه مرورا بالأجداد، لأنّ اللّه هو اللّحمة الأصليّة التي تحكم البداية والأمر، الحياة والسّلطة، الطّبيعة والتّشريع."
ففيما تقوم الدّولة الحديثة على التّفرقة بين منطق القرابة والمنطق السّياسيّ، والتّفرقة بين سلط التّماهي التي تنبني عليها المجتمعات القديمة : بين الأب الوالد والأب الرّمزيّ والسّيّد، ينبني المجتمع الأبويّ التّيولوجيّ على عدم التّفرقة بين هذه الوظائف والسّلط. إنّه لا يعني سلطة الأب فحسب، بل يعني التباس وظيفة الأب بوظيفة صاحب السّلطة، والتباس وظيفة الزّوج بوظيفة صاحب السّلطة أيضا.  وقد سبق أن بيّنّا أنّ التباس الوظيفتين لا يحول دون المساواة فحسب، بل يحول دون السّياسيّ ذاته : إنّه يمنع أو يحدّ من ظهور البنى الثّلاثيّة المؤسّسة للحضارة وللحياة الدّيمقراطيّة، ويمنع من ظهور سلطة القانون باعتباره هيئة مجرّدة أعلى من الجميع، وأعلى من كلّ أب. فمبدأ رئاسة الرّجل للأسرة، ومبدأ واجب طاعة الزّوجة لزوجها (الذي تمّ تعويضه بـ"حسن المعاشرة" في مجلّة الأحوال الشّخصيّة التّونسيّة، ولكن بقيت بعض ظلاله في مبدإ رئاسة الأب للأسرة) يجعل هذا الزّوج زوجا وسيّدا في آن، وهو في الوقت نفسه يحدّ من إمكانيّات التّقاضي بالنّسبة إلى الزّوجة، بما أنّ للزّوج حقّ تأديبها. التّقاضي أو إمكانيّة التّقاضي هي الثّالث الضّروريّ لكي لا يكون الزّوج خصما وقاضيا في الوقت في نفسه.
ونتيجة لهيمنة منطق القرابة، ولاعتبار تناسل الأفراد أهمّ من الأفراد، لا يفصل المجتمع الأبويّ بين الحياة الخاصّة والعامّة، ولا يوفّر مقوّمات استقلال الفرد عن النّظام الاجتماعيّ. فتظلّ الحياة الجنسيّة للفرد مجال تدخّل الدّولة والمجموعات، ويظلّ شرف الفرد وخاصّة المرأة مرتبطا بحياته الجنسيّة وحياته الجنسيّة مرتبطة بالإنجاب. وهيمنة منطق القرابة والتّناسل هو الذي يفسّر العزوف عن التّبنّي أو تحريمه وعدم الاعتراف بحقوق الأبناء الذين ينجبون خارج مؤسّسة الزّواج.
وتحول الأبنية الأبويّة التّيولوجيّة دون الفصل بين الدّين والسّياسة على نحو يرسّخ الطبيعة الحديثة للجسد السّياسيّ المستورد الذي هو الدّولة الحديثة، أي تحول دون ترسّخ اللاّئكيّة التي تجعل القانون وتنظيم المدينة ممكنين دون إحالة إلى الدّين، وتجعل المواطنين المشتركين في رقعة الأرض ينتمون إلى الدّولة أوّلا وقبل شيء.
وفي السّياق العربيّ الإسلاميّ، نتيجة لعدم الفصل هذا، تتواصل الفاعليّة القانونيّة والسّياسيّة لثنائيّة مسلم/غير مسلم، ويتواصل تهميش قطاعات عريضة من الأقلّيّات الدّينيّة وكلّ الفئات الأخرى الواقعة تحت طائلة ثنائيّة مسلم/ غير مسلم، أو تحت طائلة قوانين منطق التّناسل الأبويّ، ومنطق الشّرف الذي يرتبط به : الأقلّيّات الدّينيّة والأتنيّة والأقلّيّات الجنسيّة والأبناء المنجبون خارج مؤسّسة الزّواج والأجانب المتزوّجون من مسلمات، والمسلمات المتزوّجات من غير المسلمين، نضيف إليهم الذين يغيّرون دينهم فيعدّون مرتدّين ويطاردون، وكلّ من لا محلّ لهم في بلدان تلغي قيمة الإنسان في حدّ ذاته، وتجعل النّسب والدّين والجنس والعنصر فوق كلّ اعتبار. فالمرأة ليست وحدها ضحيّة الأبنية الأبويّة الدّينيةّ وعدم رسوخ حداثة الدّولة الحديثة، بل إنّ آلة السّلطة الأبويّة التّيولوجيّة تلحق بها سلسلة من المهمّشين يتحتّم علينا أن نطالب أيضا بمساواتهم. وينبني النّظام الأبويّ أيضا على عدمّ الفصل بين جسد المرأة وجسد الأسرة أو القبيلة  أو الأمّة. فتظل غير مالكة لجسدها، وتظلّ  "حارسة للهويّة" والشّرف الجماعيّ، وتظلّ القوانين المنظّمة للعلاقات بين الرّجال والنّساء رهينة القانون العتيق الذي يجعل النّساء موضوع تبادل بين الرّجال لا ذوات تبادل : هذا ما يفسّر وصاية الأب والأخ والزّوج عليها، وتواصل عادة المهر كمقابل يدفعه الزّوج في عمليّة التّبادل الأسريّ، وتواصل فاعليّة كلّ هذه الصّيغ العلائقيّة في صورة ظهور القوانين التي تبطلها.
وعدم ملكيّة المرأة لجسدها هو الذي يؤدّي إلى مراقبة المجموعة لحياة المرأة الجنسيّة مراقبة دقيقة، وهو الذي يؤدّي مثلا إلى جرائم الشّرف. ولذلك فكلّما عاشت المجموعة أزمة وضعت جسد المرأة في قلب الأزمة، واقترحت الحلول التي تزيد في مراقبة جسد المرأة والتي تتجنّب الحلول الأخرى العمليّة والواقعيّة. هذا ما يجري في مجتمعاتنا التي نجد فيها فاعلين سياسيّين لا يرون حلولا للفقر والبؤس السّياسيّ والتّبعيّة إلاّ في مزيد مراقبة جسد المرأة وفي المزيد من حجبه، وهذا ممّا يفسّر انتشار الحجاب إثر الحروب والأزمات الأخيرة : حرب أفغانستان وحرب العراق والانتفاضة الفلسطينيّة الثّانية، لدى نساء ليست لهنّ المناعة الفكريّة والسّياسيّة الضّروريّة التي تحميهنّ من استبطان التّصوّرات العتيقة عن الشّرف والمخاوف العتيقة من الأنثى وجسدها.  
 نفي التّفرقة بين الوظائف، نفي الثّالث، نفي الفرد في الرّجل وفي المرأة... كلّها سمات تجعل نقد النّظام الأبويّ ذا فاعليّة كبرى في بناء المجتمع الدّيمقراطيّ، كما تجعلنا لا نكتفي بالمطالبة بالمساواة بين النّساء والرّجال بل بين الجميع، كما تجعلنا لا نرى في المطالبة بالمساواة بين الجميع مجرّد دفاع عن مصالح بعض الفئات الاجتماعيّة، بل مشروعا مجتمعيّا شاملا ومبدأ حاملا لطاقة تطوير اجتماعيّ وسياسيّ.
 
ظهرت الدّولة كجسد سياسيّ حديث، ولكن بقيت ظلال "الأمّة" كجسد خياليّ ملاحقة إيّاها، كما ظلّ عالم الحريم يلقي بظلاله على المدينة ويبرز لنا شاراته وأماراته عبر الأحجبة واللّحى وممارسات رفض الاختلاط. ظلّت الأبنية الأبويّة التّيولوجيّة مترسّبة لأنّ الرّوابط التي تشدّ الإنسان إلى تماهياته القديمة تزعزعت دون أن تنشأ الرّوابط التي تشدّه فعليّا إلى الفضاءات الحديثة السّامحة بالحرّيّة والتي تساعده على الانفصال عن البنى العتيقة اللاّمدنيّة كالعشيرة والأسرة  والأمّة... ودون أن تنشأ وتتراكم الثّقافة التّحديثيّة التي تؤدّي إلى تعرية بنى الهيمنة، وفضح ما هو بشريّ تاريخيّ في ما تمّ عزله عن التّاريخ وتمّ إكساؤه الصّبغة القدسيّة، وتؤدّي إلى نشر الثّقافة الحقوقيّة الكونيّة، وإلى خلق وضعيّة حِداد خلاّق : فإمّا أن يدفن الإنسان موتاه، ويعي بزوالهم ويعيش الحداد عليهم، وإمّا أن يظلّ لاهثا وراء وهم بقائهم، غارقا في بحار الماليخوليا والكآبة : هذا هو الدّرس الحداثيّ الذي يفيدنا به فرويد في "الحداد والماليخوليا".
 
فلمزيد النّهوض بالمرأة التّونسيّة لا بدّ أن تتواصل عمليّات الإصلاح القانونيّ التي من شأنها إزالة كلّ أنواع التّمييز القانونيّ ضدّها، ولا بدّ من اعتماد السّياسات التي تجعل مبدأ المساواة بين الجميع واقعا ملموسا، ولا بدّ من رفع التّحفّظات على الاتّفاقيّات الدّوليّة وترك التّردّد الانفصاميّ بين المرجعيّة الحقوقيّة والمرجعيّة الدّينيّة.
ولكي نواجه دعوات التّكفير ويوطوبيّات العودة إلى السّلف الصّالح، لا يمكن أن نكتفي بالصّمت أو بردود الفعل الأمنيّة، أو بالمواقع الدّفاعيّة المحتشمة أو باللّغة الخشبيّة التي تعدّد المكاسب وتردّد بأنّ الإسلام دين التّسامح... بل لا بدّ من فتح المنابر لإنتاج ونشر الثّقافة المدنيّة الحديثة، ولفتح الحوار الحيّ المتعدّد الأطراف حول القضايا الدّينيّة التي تشغل النّاس، ولا بدّ من استئناف عمليّة تحديث المنظومة التّربويّة وعمليّة ترسيخ قيم حقوق الإنسان فيها، حتّى لا نترك أبناءنا فرائس سهلة للمفتين والدّعاة والأدعياء الذين يبثّون على مرّ الأيّام درسا وحيدا هو كره الحياة وكره الحرّيّة.
rajabenslama@yahoo.fr

* كاتبة من تونس