مساواة المرأة أم حريتها



ساسي سفيان
2004 / 12 / 16

إن التحدث عن عملية مساواة المرأة بالرجل يختلف كثيرا عن عملية منح الحرية للمرأة فإذا ركزنا على المفهوم الأول فإننا نجد أن التدقيق الجد في كلمة المساواة نجد أنه يدل على الموازنة بين الرجل و المرأة بين قيم مميزاتها وقيم مميزاته، لا بين أنواعها وكمياتها وأوزانها و حجومها، مع العلم أن اختلاف هذه المميزات في النوع لا ينتج عنه ضرورة رفع بعضها من حيث القيمة فوق بعضها الآخر؛ ذلك أن قيمة شيء ما تعرف بما يستطيع نتاجه من الأعمال .
أريد أن أبرهن -متبعاً هذه الطريق- على أن هناك حقوقاً مسلوبة تستطيع المرأة أن تتمتع بها من حيث الأعمال التي تقوم على رأس الشخص الإنساني دون عضلاته؛ ثم استناداً على ذلك أريد أن يفسح لها المجال، وتفتح أمامها الأبواب، كي تقدم من عندها كل إنتاج يتلاءم في سموه وقيمته مع هذه الحقوق، التي تريدها مساوية لحقوق الرجل كي يستطيعا معا تحقيق المثل الاجتماعية المنشودة. فالتفاوت العظيم الذي نراه في حياتنا الاجتماعية المتأخرة بين قيمة المرأة وقيمة الرجل تفاوت اعتباري لا حقيقي فلا الرجل أشرف ولا أرقى من المرأة ولا هي كذلك، كما أنه لا فرق بين مقام القلب و الدماغ بالنسبة لحياة البدن .
إن قوتها العقلية وإنتاجها الفكري يعادلان قوة الرجل العقلية وإنتاجه الفكري؛ فقد قال العلماء إن دماغ الرجل أثقل من دماغها وإن حجم جمجمته أكبر من حجم جمجمتها، وقد يمكن أن يكون هذا البحث العلمي موضوع نقاش لو كان جسمه بقوة جسمها، ولكن العلم عاد فأثبت أيضا أن نسبة دماغ الرجل إلى جسمه يعادل نسبة دماغ المرأة إلى جسمها، وهذا يفسر تساويهما في القوى الفكرية المدخرة؛ وبالتالي بالقوى الفكرية المنتجة. وأما الفرق الذي نشاهده اليوم في بلادنا وقليلا في بلاد الغرب بين إنتاج المرأة والرجل فهو ناتج عن بقاء هذه القوى مدخرة كلها عند نسائنا وبعضها عند نسائهم، فلدى المرأة الاستعداد، ولكن هذا الاستعداد يحتاج إلى انطلاق فقط كالذي يتمتع به الرجل وبعد ذلك تستطيع إنتاج أجود أنواع الخدمات الاجتماعية والإنسانية، التي اعتقد الرجل لغروره أنه يستطيع القيام بها وحده فغض الطرف عنها وعن نفسه وأمته في سبيل المحافظة على هذا النوع من الكبرياء القاتل.
قد يجيبني أحدكم أن عدد النابغات من النساء قليل جدا بالنسبة لعدد النابغين من الرجال فأقول له : ما عدد النابغين العباقرة من الرجال الذين يموتون دون أن يشعر أحد بعبقريتهم لأنهم فقراء، سد الرأسماليون الأغنياء والمحتكرون والحكومات المؤازرة لهم أبواب السمو والارتقاء في وجودهم، فقتلوا باستبدادهم كل ما كان ينتظر منهم من الأعمال الفكرية والعلمية و الاختراعات؛ إن عدد هؤلاء، ولا شك، يزيد على عدد النابغين الذين أتيحت لهم الفرص وساعدتهم الحظوظ وفتحت أمامهم الأبواب فظهروا واشتهروا فما مثل هؤلاء المساكين إلا كمثل ملايين من النساء عشن، ثم متن، دون أن يظهر لهن أي أثر لانتشار ذلك النظام الذي أدعوه تحكما ذكورياً، تساعده على ذلك حكومات رأسمالية من الرجال .
وكذلك احتكر الرجل العلوم العالية والأعمال العظيمة السياسية وغير السياسية، واستأثر بالسلطات والحكومات والقوات فوضع القوانين لصالحه، ومنع عن المرأة تخطي عتبتها القديمة، وحصرها في ذلك المستوى الفكري الفقير الذي أبقاها فيه سلفه؛ ولذلك بقي هو دائماً ظاهراً، وبقيت هي دائما في تأخر، فهوت به وبنفسها إلى ما نحن فيه اليوم، ولكن لا زالت نفسها في تحفز.
المرأة إذن في واقعها لا تزال متأخرة عن الرجل في إنتاجه وسيطرته ولكنها تحمل معها الكفاءة وكل الشروط الضرورية لتنادي بضرورة المساواة في الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية التي تعطى لكل فرد من إفراد المجتمع الواحد. وهي في تأخر أمتها تضع المسؤولية عليه، وهي في صرختها تعبر عن شعورها وتشرح أمراضها للطبيب الأول للمجتمع، وهو الحكومة؛ وهي تبحث لتكون عامل قيادة وسلام مدنية في مجتمعها، وكل تأخير في إعطائها حقوقها يعود بالضرورة إلى تأخير في مدنية المجتمع وسلامته وقيادته، والحق الذي أرجو أن يكون واضحا أمام الجميع، الواعي وغير الواعي، أمام الحاكم و المحكوم، المثقف وغير المثقف، أمام المتمدن بلسانه دون قلبه والمدفوع بلسانه وقلبه، هو أننا نعيش في مجتمع هو التأخر نفسه والانحطاط نفسه، وأن السير والاندفاع نحو الأمام إنما يتم بسرعة وبصحة عندما تساير المرأة الرجل فيما يتمتع به من حقوق وفيما تقوده إليه هذه الحقوق من واجبات ومسؤوليات.
ساسي سفيان
البريد الإلكتروني : soufiane02082003@yahoo.fr