حجاب المرأة قديما وحديثا محاولة تفكيك وتحويل للأسئلة (1من 4) آيات حجب النّساء ودوافعها



رجاء بن سلامة
2004 / 12 / 30

سأحاول في هذا البحث أن أقوم بثلاث مهامّ، أولاها التّحقيق الفيلولوجيّ في جدول الكلمات التي تعني في القرآن حجاب المرأة، وهو تحقيق سيبيّن لنا أنّ حجاب المرأة ليس واحدا بل متعدّدا، وأنّ النّساء المعنيّات بالحجاب لسن صنفا واحدا بل أصناف. والمهمّة  الثّانية هي عمليّة ترجمة داخل اللّغة العربيّة، أتحدّث بها عن الحجاب بمفاهيم لا ترد عادة في الخطاب التّفسيريّ والمعياريّ المحيط بـ"آيات الحجب"، أي بجهاز نظريّ يمكّننا من إحلال الحجاب، بشتّى معانيه، في إطاره من البنى العلائقيّة الاجتماعيّة. أمّا المهمّة الثّالثة، فهي عمليّة تحويل للأسئلة المطروحة عن الحجاب وانتقال من سؤال : "هل هو فريضة إسلاميّة أم لا؟" إلى سؤال : "ما علاقة حجاب النّساء بقيم المساواة والكرامة والحرّيّة؟ هل يعوق هذا الشّيء الآتي من عمق التّاريخ ومن عالم الحريم والمقصورات، هل يعوق مواطنة المرأة ومساهمتها في المجال العامّ، وهل يحول دون بناء المساواة بين الجنسين؟  
ولكنّ هذا الانتقال لا يجعل السّؤال الثّاني في قطيعة تامّة مع السّؤال الأوّل ، فسؤالنا في نهاية المطاف هو : كيف نبني معياريّة جديدة تأخذ بعين الاعتبار أهمّيّة التّجربة الدّينيّة في حياة الفرد كما تأخذ بعين الاعتبار منظومة حقوق الإنسان، فنعيد مفصلة ما هو دينيّ وما هو دنيويّ؟ كيف نعتبر حقوق الإنسان "صيغة للعلاقات بين الأفراد لا فقط وسيلة للدّفاع عن الأفراد"؟[i]
سأعود أوّلا إلى آيات "الحجب" لأبيّن التّعقّد والتّضاعف في الحجاب، ولأبيّن علاقة الحجاب بوضعيّة المرأة، والوظائف التي كان يؤدّيها.
فالحجاب في النّصّ القرآنيّ على نوعين : حجاب فضائيّ لامرئيّ يؤدّي وظيفة الفصل بين النّساء والرّجال، وحجاب جسديّ ثوبيّ مرئيّ يؤدّي وظيفة الإخفاء.
أمّا الحجاب الفضائيّ اللاّمرئيّ فهو موضوع "آية الحجاب" (الآية 53 من سورة الأحزاب)، وهي تختصّ بزوجات الرّسول : "وإذا سألتموهنّ متاعا فاسألوهنّ من وراء حجاب، ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهنّ، وما كان لكم أن تؤذوا رسول اللّه ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إنّ ذلكم كان عند اللّه عظيما." وتؤكّد الأسباب المفترضة لنزول هذه الآية على فضائيّة مفهوم الحجاب، فهو يتعلّق بخروج أو عدم خروج النّساء من بيوتهنّ وبدخول أو عدم دخول الرّجال من غير المحارم عليهنّ. فالكثير من الرّوايات تقول "نزلت بسبب قوم طعموا عند رسول اللّه (ص) في وليمة زينب بنت جحش، ثمّ جلسوا يتحدّثون في منزل رسول اللّه (ص)، وبرسول اللّه إلى أهله حاجة، فمنعه الحياء من أمرهم بالخروج من منزله."[ii] وبعض الرّوايات الأخرى تقول إنّ سبب نزولها أنّ "رسول اللّه (ص) كان يطعم ومعه بعض أصحابه، فأصابت يد رجل منهم يد عائشة، فكره ذلك رسول اللّه (ص)، فنزلت آية الحجاب."[iii] وتقول روايات أخرى "إنّ أزواج النّبيّ (ص) كنّ يخرجن باللّيل إذا تبرّزن إلى "المناصع" وهو صعيد أفيح، وكان عمر يقول : يا رسول اللّه أحجب نساءك، فلم يكن رسول اللّه يفعل. فخرجت سودة بنت زمعة، زوج النّبيّ (ص)، وكانت امرأة طويلة، فناداها عمر بصوته الأعلى : قد عرفناك يا سودة-حرصا أن ينزل الحجاب-قال : فأنزل اللّه الحجاب."[iv]
وهناك آية ثانية تخاطب زوجات الرّسول أيضا، وتشير إلى هذا الحجاب الفضائيّ، هي آية القرار في البيوت (أو القور أو الوقار، بحسب اختلاف التأويل لـ"قرن") : "...وقرن في بيوتكنّ ولا تبرّجن تبرّج الجاهليّة الأولى..." (الأحزاب/32) وقد انفردت بإيرادها والاجتهاد في تفسيرها نظيرة زين الدّين في أوّل كتاب أفرد لمناهضة الحجاب لحجاب والسّفور وصدر سنة 1928.[v]
 
               وقد تحدّث المفسّرون والمؤرّخون عن "نزول الحجاب" أو "ضرب الحجاب"، أي عن حدث ابتدأ به عزل نساء الرّسول عن الحياة العامّة، وكان ذلك فيما يبدو في السّّنة الخامسة للهجرة، في ليلة زواج الرّسول بزينب بنت جحش، بعد أن طلّقها مولى النّبيّ زيد بن حارثة، نزولا عند رغبة النّبيّ، وهذا الحدث هو الذي تذكره الكثير من روايات أسباب نزول آية الحجاب، كما سبقت الإشارة.
وقد درست الباحثة المغربيّة فاطمة المرنيسّيّ هذا الحدث دراسة دقيقة متأنّية[vi]، إلاّ أنّ اهتمامها انصبّ على علاقة هذا الحدث بآداب الضّيافة والاستئذان و على رغبة النّبيّ في حماية حياته الخاصّة، فسار بحثها في نفس الاتّجاه الأخلاقيّ المعقلن الذي كانت تسير فيه التّفاسير القديمة، وأغفلت عاملين نعتبرهما أساسيّين في ضرب الحجاب، هما العامل المؤسّسيّ التّاريخيّ الذي يجعل الحجاب بنية من البنى الأبويّة الضّاربة في عمق التّاريخ، والعامل النّفسيّ المتعلّق بشخصيّة الرّسول وبرغباته ونزواته البشريّة.
فربّما أوهمنا حديث القدامى عن "نزول" أو "ضرب" الحجاب باستحداث الإسلام النّاشئ لهذه المؤسّسة، والحال أنّها أقدم من الإسلام، لأنّها وثيقة الصّلة بتقسيم الأدوار الاجتماعيّة بين الجنسين، الغالب على الثّقٌافات القديمة، والذي تبنّته الأديان التّوحيديّة لأسباب يضيق المجال عن شرحها، أهمّها الحفاظ على النّظام الأبويّ والأسرة الأبويّة القائمة على الزّواج. فالحجاب الفضائيّ يتطابق مع الفصل العتيق بين فضاءين : فضاء خاصّ تلزمه المرأة، وتنعزل فيه، وفضاء عامّ يتحرّك فيه الرّجل، لكي يقوم فيه كلّ من النّوعين الاجتماعيّين بأدوار خاصّة. وهذا الفصل كان صيغة تاريخيّة للعلاقات الاجتماعيّة بين الجنسين  دعّمتها دينيّا أو جذّرتها "آية الحجاب". فمجال المرأة الذي يرسمه الحجاب هو القبّة أو الحجَلة[vii] أو الخدر، أي المقابل لـفضاء le gynécée في الحضارة اليونانيّة القديمة، بما توحي به هذه الألفاظ من معاني الصّيانة والتّرف، بحيث أنّ "ربّات الخدور" و"ربّات الحجال" لسن النّساء الممتهنات المبذولات ولسن الإماء.
وممّا يدلّ على الطّابع المؤسّسيّ العتيق للحجاب الفضائيّ حدث "ضرب الحجاب" نفسه، ووجود المفهوم ذاته قبل الحدث، وتشبّث عمر بن الخطّاب به : يقول ابن كثير في مستهلّ تفسيره الآية : "هذه آية الحجاب، وفيها أحكام وآداب شرعيّة، وهي ممّا وافق تنزيلها قول عمر رضي اللّه عنه، كما ثبت ذلك في الصّحيحين عنه أنّه قال : وافقت ربّي في ثلاث فقلت : يا رسول اللّه لو اتّخذت من مقام إبراهيم مصلّى؟ فأنزل اللّه (واتّخذوا من إبراهيم مصلّى). وقلت : يا رسول اللّه إنّ نساءك يدخل عليهنّ البرّ والفاجر، فلو حجبتهنّ، فأنزل اللّه آية الحجاب. وقلت لأزواج النّبيّ (ص) لمّا تمالأن عليه بالغيرة : (عسى ربّه إن طلّقكنّ أن يبدله أزواجا خيرا منكنّ)، فنزلت كذلك..."[viii]
ومن الأدلّة الأخرى على أهمّيّة العامل البنيويّ المؤسّسيّ في ما سمّي بضرب الحجاب، وعلى قدم الميل إلى عزل النساء عن الحياة إشارات بعض المصادر القديمة إلى بعض طقوس العبور المتعلّقة بالبنات اللاّتي أدركن سنّ البلوغ، والتي يطلق عليها اسم "التّشويف" أو "التّعريض" ففي اللّسان : "المعرّضة من النّساء : البكر قبل أن تحجب، وذلك أنّها تعرض على أهل الحيّ عرضة ليرغّبوا فيها من رغب، ثمّ يحجبونها. قال الكميت :
ليالينا إذ لا تزال تروعنا                                         معرّضة منهنّ بكر وثيّب."
(لسان العرب، ع ر ض، وانظر ش و ف).
 ولهذا الطّقس الدّالّ على ترسّخ مؤسّسة حجب النّساء عند العرب قبل الإسلام، صلة بالنّوع الثّاني من الحجاب، وهو الحجاب الجسديّ كما سنرى.
ومن هذه الأدلّة أيضا ما جاء في وصف أبي سفيان بن حرب في "طبقات ابن سعد"، فهو "عزّ عشيرته"، وهو "شديد الغيرة سريع الطّيرة، شديد حجاب القبّة".[ix]
 
 
أمّا العامل النّفسيّ المتّصل برغبة الرّسول وبعلاقاته بالنّساء لا بالرّجال، فقد بيّنه منصور فهمي منذ بداية القرن الماضي، وبجرأة نادرة دفع ثمنها باهظا[x]. فقد تحدّث عن "نوبات الغيرة"[xi] التي كانت تصيب النّبيّ، وتحدّث عن دور هذه الغيرة في تشريع الرّسول للآخرين واستثناء نفسه من التّشريع، من ذلك تحريمه نساءه على الرّجال من بعده في آية الحجاب نفسها. وبعد بضعة سنوات، وعلى نحو آخر، بيّن المحلّل النّفسانيّ فتحي بنسلامة تغيّر نوعيّة علاقات الرّسول بالنّساء بعد وفاة خديجة، وتغيّر "اقتصاده اللّيبيديّ" économie libidinale  وانتقاله "من موقع تماه أنثويّ ينبني على استقبال الآخر إلى موقف قضيبيّ متماش مع المؤسّسة السّياسيّة لمدينة اللّه."[xii]
وليس  بين العاملين التّاريخيّ البنيويّ والعامل النّفسيّ تعارض، فطبيعة علاقة الرّسول بالنّساء هي التي جعلته يذكّر بضرورة مراعاة الحجاب، ويلحّ عليه، ويسبغ عليه طابعا دينيّا.
أمّا الحجاب الجسديّ الثّوبيّ، فهو في رأينا إحدى آليّات منع ظهور الأجساد الأنثويّة ومراقبة حركة خروجها، وهو أيضا إحدى آليّات الحدّ من مجالات "الاستعمالات المشروعة للجسد". وفي هذا الإطار تتنزّل آيتان تخاطبان جميع المسلمات : "آية الخمار" : "وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهنّ ويحفظن فروجهنّ ولا يبدين زينتهنّ إلاّ ما ظهر منها وليضربن بخمرهنّ على جيوبهنّ" (النّور/ 30)، و"آية الجلابيب" : "يا أيّها النّبيّ قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهنّ من جلابيبهنّ ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين". (الأحزاب/59).
 
 
rajabenslama@yahoo.fr
 


* باحثة من تونس
 
[i] -انظر هذا التّصوّر في : Janos Kis : L’Egale dignité, trad du hongrois par G. Kassai,
 Seuil, 1987.
[ii] - الطّبريّ : جامع البيان في تفسير القرآن، بيروت، دار الكتب العلميّة، 1997، ط2، 10/323.
[iii] -المرجع نفسه، 10/325.
[iv] -المرجع نفسه، 10/326.
[v] -زين الدّين نظيرة : السّفور والحجاب : محاضرات ونظرات مرماها تحرير المرأة والتّجدّد الاجتماعيّ في العالم الإسلاميّ، مراجعة وتقديم بثينة شعبان، دمشق، دار المدى 1998، ص ص 158-168.
 
[vi] Mernissi  Fatima : Le Harem politique : le prophète et les femmes, Albin Michel, 1997.
[vii] -"حجلة العروس : معروفة، وهي بيت يزيّن بالثّياب والأسرّة والسّتور"، والحجل هو القيد أيضا، والمشي في القيد، وهو الخلخال أيضا. حجل، والأحجال : الخلاخيل والقيود. لسان العرب (ح ج ل).
[viii] -ابن كثير الحافظ : تفسير القرآن العظيم، تح محمّد إبراهيم البنّا، محمّد أحمد عاشور، عبد العزيز غنيم، القاهرة، دار الشّعب، د ت، 6/440-41.
[ix] -ابن سعد : الطّبقات، ص 1481، موقع الورّاق www.alwaraq.com
[x] - تعرّض منصور فهمي إلى هجوم شرس عند عودته إلى مصر، إثر حصوله على شهادة الدّكتوراه من السّوربون سنة 1913،  ولم تدافع عنه السّلطات الجامعيّة، وأزيح عن التّدريس فيها، ثمّ عاد إلى الجامعة بعد ثورة 1919  لكنّه ألجم ولزم الصّمت.
[xi] -فهمي منصور : أحوال المرأة في الإسلام، كولونيا، منشورات الجمل، 1997، ص 20
 
[xii] -Benslama Fethi : « Le voile de l’Islam », Intersignes, n°11-12, printemps 1998. (La virilité en Islam), p66.
وقد عاد إلى هذه القضايا في :
 : La Psychanalyse à l’épreuve de l’Islam, Paris, Aubier, 2002.