حجاب المرأة قديما وحديثا محاولة تفكيك وتحويل للأسئلة (2 من 4) وظائف الحجاب



رجاء بن سلامة
2005 / 1 / 1

وما تفيده الكثير من التّفاسير والمصادر القديمة هو أنّ الخمار والجلباب لم يكونا مترادفين، أو متبادلي الوظائف، كما في أذهان الكثير من معاصرينا اليوم، بل يمثّلان معا حجابا مضاعفا ألزمت به النّساء الحرائر. فالخمار هو غطاء الرّأس عامّة، وهو لم يكن خاصّا بالنّساء، يدلّ على ذلك مثلا قول ابن مفلح في كتاب الآداب الشرعية : "لا تختمر المرأة كخمار الرجل، بل يكون خمارها على رأسها ليّة وليّتين..."[ii]، ولذلك فإنّ آية الخمار لا توجب الخمار بقدر ما تعدّل طريقة استعماله بحيث يسبل على النّحر والصّدر ويغطّي الشّعر : "وقوله (وليضربن بخمرهنّ على جيوبهنّ) يقول تعالى ذكره : وليلقين خمرهنّ، وهي جمع خمار، على جيوبهنّ ليسترن بذلك شعورهنّ وأعناقهنّ وقرطهنّ."[iii]
 أمّا الجلباب، فهو حسب المصادر القديمة ثوب نسائيّ خارجيّ : "الجلباب : ثوب أوسع من الخمار، دون الرّداء، تغطّي به المرأة رأسها وصدرها، وقيل هو ثوب واسع، دون الملحفة، تلبسه المرأة، وقيل هو الملحفة..." (اللّسان، جلب) والأرجح أنّ هذا الثّوب الخارجيّ كان يرتدى فوق الخمار : يقول الطّبريّ في تفسير آية الجلابيب : "أمر اللّه نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهنّ في حاجة أن يغطّين وجوههنّ من فوق رؤوسهنّ بالجلابيب، ويبدين عينا واحدة... وقال آخرون : بل أمرن أن يشددن جلابيبهنّ على وجوههنّ".[iv] ويقول في تفسير الآية 60 من سورة النّور : "أمّا كلّ امرأة مسلمة حرّة، فعليها إذا بلغت المحيض أن تدني الجلباب على الخمار." [v]
فالجلباب حجاب فوق الحجاب، حجاب فوق الخمار الذي يبدو أنّه كان بديهيّا ومفروغا منه، لأنّ النّساء والرّجال لم يكونوا يكشفون رؤوسهم أمام الأنظار. ولنذكّر بأنّ الرّجال في معظم البلدان العربيّة لم يتخلّصوا من الطّرابيش التي تخفي شعورهم إلاّ منذ بضعة عقود، وأنّ الرّجل الذي كان يظهر عاري الرّأس في تونس الأربعينات والخمسينات كان محلّ استفهام وريبة. وربّما يكون من المهمّ التّأريخ لسفور النّساء وتعرية الرّجال رؤوسهم في الوقت نفسه، وأن نهتمّ بعودة الكثير من النّساء إلى الخمار، وعودة بعض الرّجال المتديّنين إلى الطّربوش في نطاق بحث يقوم به علماء الاجتماع عن استعمالات أغطية الرّأس ومدلولاتها المتحوّلة.
ونحن نرى أنّ آليّات الحجب المتمثّلة في إسبال الثّياب على المرأة مكمّلة لمؤسّسة الحجاب الفضائيّ : فالحجاب-الحاجز يحدّد مجال المرأة ونوعيّة نشاطها والحجاب-الثّوب يحدّ من  ظهورها في صورة خروجها من الحجاب. وفي كلتا الحالتين يتعلّق الأمر بوضع المرأة في وعاء حافظ مضاعف : وعاء البيت أو وعاء الخمار أو وعاء الجلباب. وتدلّ بعض الرّوايات التي تحفظ ذاكرة طقوس العبور للفتيات على التّرابط بين الحجابين، أو على أنّ إسبال ستار الثّوب رمز لإسبال ستار البيت. يقول الأزرقيّ في حديثه عن تولّي قصيّ بن كلاب أمر مكّة قبل الإسلام، وفي حديثه تحديدا عن دار النّدوة التي كانت تجتمع فيها قريش "للمشورة" وقضاء الأمور : "كانت الجارية إذا حاضت أدخلت دار النّدوة ثمّ شقّ عليها بعض ولد عبد مناف بن عبد الدّار درعها، ثمّ درّعها إيّاه وانقلب بها أهلها فحجبوها."[vi]
 وتفيد بعض الرّوايات تواصل أجزاء من هذا الطّقس عبر ممارسات الرّسول كما تصوّرها لنا بعض الأحاديث المرويّة عن عائشة : "نزلت عائشة على صفيّة أمّ طلحة الطّلحات، فرأت بنات لها، فقالت : إنّ رسول اللّه (ص) دخل وفي حجرتي جارية فألقى لي حقوه، وقال لي : شقّيه بشقّتين، فأعطي هذه نصفا والفتاة التي عند أمّ سلمة نصفا، أولا أراهما إلاّ قد حاضتا."[vii] ويبدو من خلال المصادر القديمة أنّ عادة "تعريض" الفتاة أو "تشويفها" قبل حجبها النّهائيّ تواصلت بعد مجيء الإسلام، ففي اللّسان أنّ عائشة زوجة الرّسول "شوّفت جارية وطافت بها. وقالت : لعلّنا نصيد بها بعض فتيان قريش، أي زيّنتها". (ش و ف)[viii]
أمّا ما اضمحلّ من الطّقس القديم، فهو البعد السّياسيّ المتمثّل في تعميد الفتاة في المكان الذي يتمّ فيه النّشاط السّياسيّ باعتباره تبادلا عموميّا للكلام (دار النّدوة)، وتتمّ عبره عمليّات إدماج الفرد في المجموعة أو إقصائه منها. فلماذا اختفى طقس حجب الفتاة على هذا النّحو؟ ألأنّ الإسلام لم يعتن عموما بطقوس العبور، باستثناء طقوس الموت، أم لأنّ الإسلام أراد إخلاء الفضاءات العموميّة من المرأة ما أمكن، أم لأنّ المسجد حلّ محلّ دار النّدوة ولم يعد يتّسع إلاّ للصّلوات بأنواعها؟
ربّما كان نزول الحجاب على زوجات الرّسول إيذانا بإحلال المرأة نهائيّا داخل عالم الفضاء الخاصّ، وإيذانا بظهور مجموعة دينيّة ناشئة لا تريد أن تكون شؤون النّساء الخاصّة من شؤونها العامّة. يجب أن تحجب المرأة وأن تحجب طقوس حجبها أيضا.
وهذه المعطيات النّصّيّة العربيّة المتعلّقة بطقوس الحجاب ماقبل الإسلاميّة تدلّ على أنّ الحجاب الجسديّ الثّوبيّ سابق هو أيضا للإسلام. وفي الكتاب الذي ألّفته المؤرّخة المختصّة في الثياب الدّينيّة روزين لامبان Rosine A Lambin عن حجاب النّساء وثائق أخرى غير عربيّة تدعم قدم الحجاب في الجزيرة العربيّة، منها ما جاء في "الميشنا"، وهو شرح من شروح التّوراة يعود إلى القرن الثّاني الميلاديّ، ويرخّص لليهوديّات ارتداء الحجاب على نحو العربيّات الوثنيّات. ومن هذه الوثائق نصّ للواعظ المسيحيّ ترتوليان Tertulien(150-160/222؟)  خاطب فيه نصرانيّات عصره بقوله : "ستسخر منكنّ العربيّات الوثنيّات، اللاّتي لا يغطّين رؤوسهنّ فحسب، بل كامل وجوههنّ، حتّى إنّهنّ يكتفين بالاستمتاع من نصف النّور بعين واحدة يخرجنها بدل عرض الوجه بأكمله، فالمرأة تفضّل أن تكون ناظرة على أن تكون منظورة".[ix]
ولم تكن كلّ النّساء معنيّات بكلّ أنواع الحجاب وعلى نفس النّحو. فالحجاب الفضائيّ قد أمرت به زوجات النّبيّ، وإن مال المفسّرون القدامى إلى اعتباره من المبادئ الشّرعيّة العامّة، لأنّه كان عامل حفاظ على تقسيم الأدوار والفضاءات بين الرّجال والنّساء. أمّا الحجاب الثّوبيّ الذي فرض على "نساء المؤمنين" عامّة، فإنّه كان يؤدّي وظيفة أخرى : إنّه كان وسيلة تمييز بين النّساء الحرائر والإماء، أو بين الحرائر والنّساء اللاّتي يتعاطين البغاء. وقد ذهب الكثير من المفسّرين إلى أنّ المعنيّات بالجلابيب هنّ النّساء الحرائر دون الإماء : يقول الطّبــريّ : "... كانت الحرّة تلبس لباس الأمة، فأمر اللّه نساء المؤمنين أن يدنين من جلابيبهنّ، وإدناء الجلباب أن تقنّع وتشدّ على جبينها."[x]، ويقول أيضا : "وكان بالمدينة رجال من المنافقين إذا مرّت بهم امرأة سيّئة الهيئة والزّيّ، حسب المنافقون أنّها مزنية، وأنّها من بغيتهم، فكانوا يؤذون المؤمنات بالرّفث، ولا يعلمون الحرّة من الأمة، فأنزل اللّه في ذلك... (آية الجلابيب)." [xi]
وتذكر المصادر القديمة أنّ الخليفة عمر بن الخطّاب كان يضرب بالدّْرّة الإماء اللاتي يتشبّهن بالحرائر ويسبلن الجلابيب والخمر على أجسادهنّ : ففي "الفائق" للزّمخشريّ أنّ "عمر رضي الله تعالى عنه-رأى جارية متكمكمة فسأل عنها فقالوا: أمة لفلان، فضربها بالدرة ضربات، وقال: يا لكعاء؛ أتشبَّهين بالحرائر؟ يقال: كمكمت الشيء إذا أخفيته، وتكمكم في ثوبه: تلفف فيه، وهو من معنى الكمّ وهو الستر، والمراد أنها كانت متقنعة أو متلففة في لباسها لا يبدو منها شيء، وذلك من شأن الحرائر."[xii]
 
كان هذا الحجاب إذن علامة انتماء طبقيّ. لكن لنحذر من التّأويل السّميولوجيّ لأنّه غير كاف وحده، ولأنّ العلامة الظّاهرة ليست ظاهرة سطحيّة بل طريقة في الوجود. فهذا النّظام الأبويّ يحرص على حجب الحرائر دون الإماء، لا لمجرّد التّمييز بينهنّ، بل لأنّ الحرائر يدخلن في إطار المبادلات الزّوجيّة الرّمزيّة-البضائعيّة والإماء يدخلن في إطار المبادلات البضائعيّة الصّرف. الحرائر يخطب أيديهنّ الرّجال ويملكون عصمتهنّ بدفع مهورهنّ، والجواري يشترين ويمتلكن بدفع أثمانهنّ. فعلى الحرائر وحدهنّ، ربّات الخدور أو ربّات الحجال، تتوقّف عمليّة تنمية الرّأسمال الرّمزيّ للرّجل في نمط اجتماعيّ ينبني على بنى تبادليّة الرّجل هو ذاتها والمرأة موضوعها، على نحو ما بيّنه لفي ستروس في بنى القرابة. إنّ المرأة الحرّة مملوكة لزوجها لأنّ الزّواج نوع من الملك، أمّا الأمة فهي مملوكة لسيّدها لأنّها مال، بضاعة حيّة تباع وتشرى. فالزّوجة الحرّة مملوكة يجب أن تحصّن وتحجّب بلغة القدامى، ويجب أن تمنع وتراقب بلغتنا اليوم، لأنّها تنجب النّسل وتساهم في إحاطة زوجها بهالة العرض والشّرف، والأمة مملوكة ولكن على نحو آخر بضائعيّ لا يستوجب رقابة ولا منعا مشدّدين. ولذلك اختلفت عورة الأمة وعدّتها ومنزلتها عن عورة الحرّة وعدّتها ومنزلتها. فعورة الأمة من السّرّة إلى الرّكبتين خلافا لعورة الحرّة، واستبراء الأمة للتّأكّد من حملها أو عدم حملها قرء واحد وللمرأة الحرّة ثلاثة قروء، والأمة إذا لم تكن أمّ ولد أمكن لها أن تباع أو أن تؤجر.
 إنّ الحجاب إذ يميّز بين الحرّة والأمة يحافظ على مؤسّسة الزّواج الأبويّة، وعلى مبدإ قوامة الرّجال على النّساء وملكيّة الزّوج لعصمة زوجته.
ويمكن أن نذهب إلى أنّ الحجاب الجسديّ كان وسيلة تمييز أخرى داخل صنف الحرائر بين النّساء القادرات على الإنجاب والنّساء التي تجاوزن مرحلة الإنجاب، وأطلقت عليهنّ تسمية "القواعد" في الآية 60 من سورة النّور : "والقواعد من النّساء اللاّتي لا يرجون نكاحا فليس عليهنّ جناح أن يضعن ثيابهنّ غير متبرّجات بزينة، وأن يستعففن خير لهنّ واللّه سميع عليم."
وقد أوّل أغلب المفسّرين "الثّياب على أنّها تعني الجلباب "وهذا للكبيرة التي قعدت عن الولد، فلا يضرّها أن لا تجلبب فوق الخمار.[xiii] وهذا يدلّ على أنّ التّقدّم في السّنّ، حسب التّصوّر القرآنيّ، عامل نقص في أنوثة المرأة، وإقصاء نسبيّ للنّساء اللاّتي انقطع عنهنّ الطّمث من دائرة تنظيم المتعة والعلاقات الجنسيّة.
 
إنّ هذه المعطيات عن الحجاب، وهذه التّرجمة التي حاولنا القيام بها لإيجاد مفاهيم نقرأها بها، تسمح لنا ربّما بتجنّب موقفين مبنيّين على الإنكار : إنكار الواقع التّاريخيّ وإنكار واقع النّصّ القرآنيّ. أمّا إنكار الواقع التّاريخيّ، فهو موقف المدافعين عن الحجاب باعتباره واجبا دينيّا جوهريّا لا علاقة له بالعصور الوثنيّة وبالملابسات التي ظهر فيها الإسلام، ولا علاقة له بواقع التّقسيم الطّبقيّ والفئويّ للمجتمع. فالمدافعون عن الحجاب، ومنهم المفتون والواعظون الذين يظهرون بالفضائيّات العربيّة، يريدون اعتباره شيئا إسلاميّا وينكرون أصوله الوثنيّة، ويخفون وظيفة التّمييز الطّبقيّ التي كان يؤدّيها الجلباب.
أمّا إنكار واقع النّصّ القرآنيّ، فيتجلّى لدى المصلحين المدافعين عن وجه تقدّميّ للإسلام. فهؤلاء ينفون وجود دعوة إلى حجب المرأة في القرآن. يقول محمّد الطّالبيّ في مقال له صدر بالفرنسيّة في مارس 2004 : "ماذا يقول القرآن عن الحجاب؟ لا شيء. لا شيء البتّة. لا يتعلّق الأمر في أيّ موضع منه برأس المرأة. كلمة "شعر"، بكلّ بساطة، لا ترد فيه. لم يأمر اللّه بإخفائه ولا بكشفه. ليس هذا همّه الرّئيسيّ، ولم ينزل اللّه القرآن ليعلّم النّاس كيف يتزيّون..."[xiv]
فانعدام ذكر شعر النّساء في القرآن لا يعني أنّ المرأة لم تؤمر فيه بإسبال الخمار أو الجلباب على شعرها، لا سيّما أنّ الخمار لغة هو "غطاء الرّأس". صحيح أنّ القرآن لا يأمر النّساء بوضع خمار على رؤوسهنّ، بل يأمرهنّ بأن يغطّين صدورهنّ بخمرهنّ، ولكنّ ذلك يعود إلى أنّ الخمار لباس تقليديّ لم يستنبطه الإسلام، بل أمر بإسداله على النّحور حتّى يغطّيها بدل إسداله خلف الرّأس. ثمّ إنّ القرآن يأمر النّساء على أيّة حال بحجب أجسادهنّ، وينهى عن التّبرّج، ويأمر زوجات المؤمنين بإسدال الجلباب على الخمار، ويأمر زوجات النّبيّ بالقرار في بيوتهنّ. فما العمل إزاء هذه الأوامر؟ إنّ التّأويل المقصديّ الذي لا يرى في القرآن مجموعة من الوصفات الجاهزة في الملبس وفي الحياة الخاصّة والعامّة، بل يرى فيه رسالة أخلاقيّة عامّة مستساغ، ولكنّه لا يتسنّى إلاّ بعد أن يتمّ تنزيل آيات الأحكام في سياقها التّاريخيّ، وبعد الإقرار بنسبيّتها وعدم ملاءمتها لعصرنا. إنّ ما يقوم به الأستاذ محمّد الطّالبيّ قرار تأويليّ مسقط على النّصوص لا يحلّ المشاكل المنجرّة عن التّشبّث بهذه الأحكام لأنّه ينبني على إنكار لا مبرّر له، وعلى نوع من الهروب إلى الأمام : إن كان بعضهم يدعو إلى حجاب المرأة، وإن كان حجاب المرأة غير متلائم مع العصر، فلنقل ببساطة إنّ القرآن ليس شأنه شعر المرأة وثيابها، وهكذا نضرب عصفورين بحجر : نجد حلاّ للإشكال الأخلاقيّ والتّشريعيّ المتعلّق بالحجاب، وننقذ النّصّ القرآنيّ ممّا يبصمه بالتّاريخيّة والمحدوديّة.
وما نراه هو أنّ أصحاب هذا الموقف لا يضربون أيّ عصفور، ولا يصيبون أيّ هدف، لأنّ  الإنكار، إنكار السّياق التّاريخيّ أو إنكار مقرّرات النّصّ القرآنيّ لا يمكن في رأينا أن يؤسّس فكرا دينيّا جديدا وعلاقة جديدة بالدّين، بل ربّما زاد في تأجيج الأوهام، أوهام خلود أحكام الشّريعة ولاتاريخيّتها، وربّما فاقم سوء الفهم بين دعاة الحجاب ومناهضيه. إنّنا نفضّل الموقف التّأويليّ الذي لا يخفي الحقيقة عن النّاس، أي لا يخفي ما في النّصّ المقدّس من أحكام نسبيّة تاريخيّة ترتبط بوضعيّات تنبني على التّمايز الطّبقيّ والجنسيّ، وهي وضعيّات كانت مقبولة وفق المعياريّة الإسلاميّة وغير الإسلاميّة القديمة، وأصبحت اليوم إشكاليّة، أصبحت اليوم تتعارض مع طموح الأفراد والجماعات إلى المزيد من المساواة والكرامة والحرّيّة.
إنّ الانطلاق من واقع النّسبيّة التّاريخيّة، ومن تنزيل الحجاب في نسيجه العلائقيّ الاجتماعيّ القديم، يجعلنا نقرّ بأنّ الحجاب بنوعيه الفضائيّ والجسديّ، وبتضاعف الجسديّ منه إلى خمار وجلباب فوق الخمار، مقوّم أساسيّ من مقوّمات الوضعيّة الدّونيّة للمرأة، التي عليها أن تلزم الفضاء الخاصّ وأن يكون جسدها ملكا خالصا لمالكها، وأن تكون فقط وسيلة لحفظ النّسل والأسرة، وحفظ عرض الزّوج والعشيرة. إنّ المرأة في مجتمع الحجاب ليست ذات كرامة، أي ليست غاية في حدّ ذاتها، بل هي وسيلة لتنمية رأسمال الرّجال المادّيّ والرّمزيّ. لقد اعتبر قاسم أمين سجن المرأة في البيت نوعا من "الاستعباد"[xv]، ولكنّ ما ذكره عن دلالة الحجاب الفضائيّ على ملكيّة الرّجل للمرأة ينطبق حسب رأينا على الحجابين الفضائيّ والجسديّ : "الحجاب هو عنوان لذلك الملك القديم وأثر من آثار تلك الأخلاق المتوحّشة التي عاشت بها الإنسانيّة أجيالا قبل أن تهتدي إلى إدراك أنّ الذّات البشريّة لا يجوز أن تكون محلاّ للتّملّك لمجرّد أنّها أنثى."[xvi][xvii]
ولذلك يمكن أن نطرح الأسئلة التّالية : كيف يتعارض الحجاب مع حرّيّة النّساء، وهل قاومته  النّساء لذلك، ثمّ كيف نقاوم ثقافته اليوم، وكيف ننظر إليه من منظور حقوق الإنسان؟ وسنرى أنّ هذه الأسئلة يمكن أن تمهّد الطّريق إلى إشكاليّة المعياريّة الجديدة التي اعتبرناها من مهامّ هذا البحث.
rajabenslama@yahoo.fr
 


[i]* باحثة من تونس
[ii] -ابن مفلح المقدسيّ : الآداب الشّرعيّة والمنح المرعيّة، د ت، م، د، 3/541.
[iii] -جامع البيان 9/306.
[iv] -المرجع نفسه : 10/332.
[v] -المرجع نفسه، 9/349.
[vi] -الأزرقيّ : أخبار مكّة وما جاء فيها من الآثار، تح رشدي الصّالح ملحسن، بيروت، دار الأندلس، 1969، ط3، 1/110.
[vii] -ابن داود : السّنن، بيروت، دار ابن حزم
[viii]- لعلّنا نجد امتدادا لهذا الطّقس في حفلات الزّواج التي تتزيّن فيها الفتيات، ويتمّ إجلاسهنّ فوق المنصّة (المحضر) التي تجلس عليها العروس حتّى تتأمّلهنّ النّساء اللاّتي يمثّلن حماوات ممكنات.
 
[ix] - Lambin Rosine A : Le Voile des femmes, Bern, Berlin, Frankfurt, New York, Paris, Wien, Peter Lang, 1999, p27.
 
[x] -جامع البيان، 9/349.
وفي تفسير الجلالين : "يا أيّها النّبيّ قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهنّ من جلابيبهنّ : جمع جلباب وهي الملاءة التي تشتمل بها المرأة، أي يرخين بعضها على الوجوه إذا خرجن لحاجتهنّ إلاّ عينا واحدة. ذلك أدنى : أقرب إلى أن يعرفن بأنّهنّ حرائر فلا  يؤذين بالتّعرّض لهنّ بخلاف الإماء، فلا يغطّين وجوههنّ، فكان المنافقون يتعرّضون لهنّ وكان اللّه غفورا لما سلف.
[xi] -جامع البيان، 9/349.
[xii] - الزّمخشريّ : الفائق في غريب الحديث والأثر، ص 400، موقع الورّاق.
[xiii] -جامع البيان، 9/349. وفي تفسير الجلالين أنّ المقصود بالثّياب "الجلباب والرّداء والقناع فوق الخمار." ص 296.
[xiv] -Talbi Mohammed :  “Que dit le Coran?”, L’Intelligent, 7 Mars 2004, www. Lintelligent.com.
[xv] -أمين قاسم : المرأة الجديدة، تقديم زينب محمود الخضيريّ، سينا للنّشر، 1987، 38-39.
 
[xvii] - المرجع نفسه، ص 42.