حكايات من شنكال 30



مراد سليمان علو
2012 / 1 / 13

حكايات من شنكال ( 30 )
(30) خطف البراءة .
مراد سليمان علو muradallo@yahoo.com

خطفَ بمعنى أنقضّ وانتزع بسرعة ، وعادة ما يكون الخطف هو أخذ شخص معين قسرا واحتجازه في مكان ما لفترة معينة والموضوع لا يتعلق بخطف الإرهابيين للأبرياء بل خطف فارس الفرسان العاشق الولهان لعروسه كما أيام زمان ولسان حاله يردد قول الشاعر ... سلام عليها ما أحبت سلامنا ... فإن كرهته فالسلام على أخرى ... فهو ينتقل بين الدعجاوات إلى أن تقع إحداهن في حبائله وتقتنع أخيرا بالهروب معه وبالتأكيد لا ينوي احتجازها بل سترافقه إلى بيت صديق أو قريب خارج المكان الذي يسكناه فمن العار أن يستهين بعائلة المخطوفة .
والمخطوفة قد تكون ابنتك أو أختك أو ابنة أخيك أو ربما بنت الجيران هذا إذا كنت تسكن حوض جبل شنكال فلا تزال هذه العادة متأصلة في المجتمع الشنكالي دون غيره رغم بعض الصيحات هنا وهناك ولكنها لا تعدو أن تكون أصوات ضعيفة ترتد وكأنها صدى أصوات راعي معيز جبلي فقد السيطرة على قطيعه فأخذ يصيح عليها حتى بح صوته .
الخطف والنهب فعلان مترادفان لبعضهما ويرجع الناس الخطف أو النهب إلى الفتى والفتاة في نفس الوقت مما يعني وقوع المسؤولية على كلاهما فيقال في اللغة الكورمانجية ( يه ك ئو دوو ره فاندن ) أي أحدهما خطف الثاني وهي عبارة تنم عن ذكاء لتحميلهما المسؤولية الأخلاقية والقانونية معا والعملية بصورة عامة هي توافق بين الطرفين على الأقل قبل الزواج والمجتمع الشنكالي يحترم قرارهما إذا كانا قد بلغا سن الرشد ولله في خلقه شؤون أما ما يحدث من مفارقات ومشاكل بعد الزواج فحدّث ولا حرج .
كلما تقدم الفتى خطوة نحو فتاته تزيد هي بدورها من غنجها ومن شروطها كبيت مستقل مرورا بالمصوغات الذهبية وربما حتى قضاء شهر العسل في إحدى المصايف على أقل تقدير كما في المسلسلات التركية وليلى تعلم إنها لن تحصل على نصف ما وعد به قيس ولكنها كمن تطلب اللبن الرائب لتحصل على المخيض ثم تتنازل يوما بعد آخر على مضض عن شروطها قبل الزواج وربما أخذها زوجها إلى دهوك أو أربيل إذا مرضت ثم يذكرها حينئذ ساخرا وهو يقول : قلت لك سآخذك للشمال بعد الزواج ثم يقهقه أما هي فلاشك ستندب حظها العاثر .
غالبا ما يعالج خطأ النهب بخطأ آخر أشنع منه وهو قاسي جدا في سحق المشاعر دون وجه حق فقد يكون الخاطفان في وئام وبينهما نوع التفاهم وإلا ما أقدما على هذا الفعل إلا أن ما يثير الاستغراب هو طلب أهل العروس من أهل العريس فتاة بدلا من ابنتهم وكأنها سلعة للمقايضة ولا يختلف الأمر هنا عن الزواج بالتبادل الذي ينتج عنه مشاكل كثيرة كما لا يخفى .
تطفو مشاكل هذه الظاهرة وتبدأ بالظهور في الساعات الأولى من وقوعها عندما يحاول القوم حلّ المشكلة بالطرق التقليدية وهي الرضوخ لأول شرط ظالم وغير متحضر بل متعمق في جذور تفكير الإنسان البدائي وهو تقديم فتاة كقربان لحلّ مشكلة روميو وجوليت وغالبا ما توجد فتيات كاعبات في كل بيت ولا يهم إن كانت طالبة لأنها ستترك الدراسة ولا يهم إن كان عمرها لم يتجاوز الخامسة عشر المهم أن تكون طويلة وكاعب ويتم إقناعها بشتى الطرق أول الأمر وإن لم توافق سيوزع حلوانها وربما زغردت أمها وكأنها تبلع السم ويتم إعلان فرح آخر ولم لا فلتكن الفرحة فرحتان .
والفتاة المكرودة تكون عادة بديلة لأخيها أو حتى عمها وأحيانا تفلت بعضهن من هذا المصير المرسوم بإمضاء المجتمع المتخلف فتقع في خطأ آخر وكأنها دوامة أو دائرة تبدأ من حيث تنتهي وتنتهي من حيث تبدأ فتتحضر على عجل وترافق شاب في مغامرة العمر وغالبا ما تندم بعد انتهاء شهر البصل وهي كمن استجارت بالرمضاء من النار .
أهم شيء في الظاهرة الاجتماعية نتائجها المختلفة على المجتمع الايجابية منها والسلبية ولا يخفى إن أضرار ظاهرة الخطف هي أكثر من فوائدها . نعم ، كان لها بعض الفوائد لبعض الناس في السنوات العجاف عندما كان الفقير يعجز عن دفع المهر ولا يقدر على تلبية مطالب العروس وأهلها عندما يخطب فيضطر إلى اللجوء للحل الأسهل إلا وهو الخطف ليخفف عن كاهله بعض من تلك الشروط التعجيزية ولكن كان ذلك في تسعينيات القرن الماضي .
اليوم اختلفت الأمور وتبدل الزمان ولكن لم تتبدل نظرتنا لتلك الظاهرة ـ المشكلة والتي تعاني منها كل أسرة أيزيدية في حوض جبل شنكال وكل عروس تكون معرضة لسكب بعض الكاز الأبيض على نفسها في يوم ما وفي مرحلة ما من حياتها التي دخلته دون تخطيط ومشورة وتردد مع نفسها أنا التي استأهل الحرق حيا لفعلتي الشنعاء ... لنفكر مرة أخرى إذا ما شبّ النار من سيطفئه .!