الرموز المرتبطة بالمرأة لدى قبائل أيت يافلمان بالجنوب الشرقي

لحسن ايت الفقيه
aitelfakih_lahcen@yahoo.com
2012 / 1 / 26

تقدر قبائل الجنوب الشرقي عاليا التراث الثقافي الرمزي، ذا الصلة بما وراء الطبيعة، حق التقدير، وهو تراث ساهم في صنعه، كونفدرالية أيت إدراسن القبلية، من قبل، والكونفدراليتين أيت ياف المان وأيت عطا من بعد. وضمن هذا التراث بصمات الأقليات العرقية، ومساهمات ديانات التوحيد الثلاث. ويمكن التمثيل من أجل تقديم الرموز المرتبطة بالمرأة في هذا المداخلة، بقبائل أيت ياف المان، مع التركيز على بعض الشعائر كالخضاب بالحناء في الأعراس، والسحر المرتبط بالنبات لغاية إقامة شعوذة الأسرة، وطقوس الإملاك ذات الارتباط بالدم والشعر (بفتح الشين)، وفصول أخرى ذات علاقة بالمرأة يستحضرها السياق. وقد يفيد هنا الاستشهاد ببقايا التراث الديني القديم، الذي حفرت فيه القبائل، وراجعته وميزته، وانتقدته، وطهرته من كل الشوائب، بمساعدة الفقهاء المتصوفة الطرقيين.
وأود أن أشكر الأستاذ لكبير أوحجو الذي فتح لي المجال، لإلقاء هذه المداخلة في ندوة عنوانها «واحات درعة وتافيلالت: الثقافة، التاريخ والتنمية، أي استراتيجية جهوية مندمجة؟».

أولا- مجال الممارسة ومجال الملاءمة

سنرصد في هذه الدراسة أسلوب الملاءمة، ملاءمة الطقوس والشعائر وديانات التوحيد. ولقد ظهرت الملاءمة كأسلوب للتكييف الثقافي مع انتشار ديانات التوحيد الواسع في الأوساط الأمازيغية. وحيث إن لهذه الديانات أبعادا عقائدية وعملية ولها استراتيجية الانتشار، فإنها لا تفتأ تصطدم بالمدافعين عن بعض القيم الثقافية المكتسبة، والتي ليس لها محل ضمن القيم التي حملتها تلك الديانات، لأنها –الديانات- تستهدف القيم بالتمييز والنقد. هنالك تبينت ضرورة تكييف بعض العادات، وممارسة البعض الآخر في الخفاء، وفي جنح الظلام، عملا بالتقية. ولما انتشر التصوف الطرقي، تنفست الأوساط القبلية الصعداء، لاتساع نطاق الاجتهاد، ومجال الفتوى، ومجال الإسلام السلوكي المتعايش والأعراف. ولأن معظم الفتاوى شفاهية، فإن الملاءمة الثقافية ممارسة شفاهية أيضا، لذلك صعُب الوقوف عند تعليلها، أو بالأحرى، ملامسة منهجها. وتعد الزاوية مؤسسة دينية لممارسة الملاءمة الثقافية بالدرجة الأولى، إن بإصلاح ذات البين بين القبائل وفق العرف والتقليد، أو إطعام الطعام وفق طقوس التوبة والغفران، وتعليم العلم لتأسيس الاجتهاد في الاستدلال. وقد عملت على تكييف التراث الثقافي الأمازيغي عامة وتعديله لتُبعده عن النحلة، وتكييف مضامين النصوص الدينية الإسلامية لتجعلها في متناول أوساط الثقافة غير العالمة، وكذلك فعلت، بلا شك، اليهودية من قبل وأختها المسيحية، فإن الوقوف عند أدوات التكييف ووسائله قد يعرج المقال إلى تناول ما يسمى (تيكورما) الأمازيغية، وذلك ما لا يسعه المجال المخصص للمداخلة، ولا يطيقه مقامها. لكن الإشارة إلى أن التكييف الديني لبعض الطقوس، وإن كان واضحا، ومتفوقا - إلى حد ماـ في تحصين الهوية الثقافية للكثير من قبائل المنطقة، فإن هذا المراد لم يتحقق في بعض المجالات، حيث ظلت الكثير من الشعائر والرموز المرتبطة بالمرأة، على سبيل المثال، محافظة على وجهها القديم. وتنبغي الإشارة إلى أن معظم فقهاء الزوايا – رغم اختلافها- يدركون أن هناك ثلاثة مجالات يستغرقها التعود. وبالتالي، يجب مراعاتها في النوازل الكتابية: مجال لا يجوز التدخل فيه، وهو مجال النظم القبلية وضمنها تنظيم الأعمال الجماعية الزراعية، أو الدفاع الذاتي، ومجال تجوز مراجعته بالتدريج، وهو مجال الأحوال الشخصية، الزواج، والطلاق، والإرث، ومجال يستوجب التغيير التدريجي، أو التكييف المستمر في أسوأ الأحوال، ويتعلق بالشعائر والطقوس والاحتفالات. وإنه من الصعب تتبع مسار التكييف عبر الزمان، دون أدواته ووسائله، لغياب الوثائق التي تناولت شأن الثقافة العالمة، وغير العالمة، فوق أن مجال هذه الدراسة يقتصر في الغالب على الشفاهية، فإن الاعتناء بالجانب السانكروني، والاكتفاء بتمييز فصول التكييف ومجالاته وتصنيفها– رغم ترابطها- من خلال رصد الطقوس، كما هي في الحال، أو كما هي بالأمس القريب، كالزواج ورموزه، والحناء ودلالته الرمزية، والشعر (بفتح الشين)، والدم، سيحققان جزءا من المراد.
ولأن موطن قبائل أيت ياف المان بجبال الأطلس الكبير الشرقي وواحات تافيلالت، يشكل ملتقى ثقافيا أمازيغيا لتبادل الأفكار، وإلقاء الأشعار، وتنظيم المواسم، وسرد النوادر من القصص وأحسنها، من حيث المعنى والمبنى، والقيمة، والرمز، وترويج كل ما له علاقة بالذاكرة، في فضاءات الفرجة بالقرى الزراعية المحصنة، على شكل عروض ثقافية، مسرحية وفولكلورية وخطابية، فإن وقع الملاءمة بين في كل المجالات الثقافية التي نبدي بعضها ضمن متن الموضوع المراد معالجته، وهو موضوع مرتبط، في الغالب، بمجالات أخرى، تستدعي مواقفها التوسع، كالقرابة القائمة على المرأة الدم، والتي تستغرق أيضا تلك القرابة بين الإنسان والأرض، والتحالفات القبلية، القائمة على قرابة اللبن (تاظا) ذي الصلة بالمرأة. ومن خلال ثقافة الدم كذلك يتضح مدى نزوع القبيلة نحو السلطان (تامنوكالت)، والانفتاح الثقافي، أو الالتزام بالدفاع الذاتي والنزوع نحو الانغلاق. ومن خلال الشعائر القائمة على دم المرأة وشعرها (بفتح الشين)، ينطلق الرمز ليمتد إلى الأزياء. وستخلص المداخلة إلى إبراز المرأة، في النسق الثقافي، محور الهوية (الهويات) الثقافية، بالجنوب المغربي.
ويتباين وقع الملاءمة حسب قرب الوسط أو بعده من مجال الفتوى.
ثانيا- الإملاك والرموز المرتبطة بالمرأة بينالعقود والقيود
الزواج مؤسسة تقوم على الدم، والدم أسلوب من أساليب التعاقد، إن لم يكن هو أصل كل تعاقد أو رابطة. وحسب علمنا فالتحالف القبلي لا يصمد أمام الزمان إذا لم يتأسس على الدم، وعلى سبيل المثال، يأخذ الخاتم قوته وقدسيته من الختان، وهي سنة تعود إلى النبي إبراهيم عليه السلام، وقد ورد ذلك في التوراة في النص القائل:«وقال الله لإبراهيم: أما أنت فتحفظ عهدي بيني وبينكم، يختتن كل منكم كل ذكر، فتختتنون في لحم غرلتكم، فيكون علامة عهدي بيني وبينكم، فيكون عهدي في لحمكم عهدا أبيا»(1) وللإشارة فقط، فالزواج عند المغاربة اليهود يتأسس على ثلاثة أركان: التقديس، كتابة عقد الزواج، صلاة البركة. ويقضي التقديس أن يعطي الرجل المرأة «بمحضر شاهدين خاتما»(2). ولقد احتل الخاتم مكانة في الخطوبة لدى المغاربة المسلمين في وقت يصعب تحديده. ويمكن القول، إنه وافق ظهور العقود المكتوبة، بجبال الأطلس الكبير الشرقي، طلوع فجر التصوف الطرقي الجمعي المؤسس والمنتظم في الزوايا. ومعلوم أن الزاوية تعتمد كثيرا على النص، أو بالأحرى، الثقافة العالمة في معاملاتها، وتحرص أشد الحرص على التعاقد المكتوب، لكنها لا تبعد التعامل الشفاهي في كثير من المواضع. ولا عجب فمعظم النقط العمرانية القديمة لا تزال تختزن وثائق تنظم العلاقات بين القبائل والسلطة المركزية، أو تحوي حدود المجال الوظيفي للعشائر، وحقوقها في الاستغلال والتنقل، أو تتعلق بالإراثة أو ما يسمى القسمة. ومعلوم أن الزاوية بما هي مؤسسة طرقية تعتمد كثيرا على النص، أو بالأحرى، الثقافة العالمة في معاملاتها، وتحرص أشد الحرص على التعاقد المكتوب، فإنها تزيغ أحيانا لما تغض الطرف على التعامل الشفاهي، والرمزي، في كثير من المواضع. فطالما تنازلت لتزكي بعض الطقوس الشفاهية، إذ لم يحدث، في أوساط نستشهد بها من أجل تيسير الفهم، أن شملت العقود النساء، لأنهن ملك العشيرة، سواء كانت تلك العشيرة، تؤمن بالزواج العشائري (Endogamie)، أو غير العشائري (Exogamie). ومع دخول المستعمر الفرنسي وثقت معظم أعراف الجنوب الشرقي المغربي، وظهرت المحاكم العرفية التي كان ينظمها ظهير16 ماي 1930، وأضحت الأحوال الشخصية كلها تحت إشراف لجنة قضائية تضم مستشاري القبائل. وحيث إن الظهير المذكور يشترط اعتماد العرف في حل نزاعات الأحوال الشخصية، فإن الكثير من القبائل تعاملت مع المحاكم العرفية واستحسنتها، وظل بعضها محافظا على الشفاهية إلى بداية الاستقلال. والغريب أن الشفاهية صمدت بالأطلس الكبير الشرقي والأوسط حتى منتصف التسعينات من القرن الماضي(3). ولا تزال بعض العشائر تعتبر الإشهاد العدلي الموثق لعلاقة الزواج، إذن بالزواج، فقط، وليس عقدا شرعيا، لأن للشرعية طقوسها الثقافية والرمزية. لذلك لا تفتأ تنظم شعيرة خطبة النكاح الشفوية ذات الغلاف الديني العرفي، لأنها تعطي المضمون القبلي والسوسيولوجي للقِران لاشتراطها في المشاركة التمثيل العشائري لكلا الزوجين.
والسؤال الذي يطرح نفسه، كيف يتعامل القضاء مع أحوال الأسرة؟
لا يسمح القضاء بتكييف مدونة الأسرة والمرجعية العرفية للأحوال الشخصية، ولم يسجل أي حالة شطط في تطبيق المدونة، وبالتالي يجدر تعديل السؤال صياغته، ليكون بيانه، كيف تتعامل القبائل مع الزواج والطلاق بعد تفعيل المدونة وقبلها؟
يمكن تصنيف الجبال الأطلسية إلى نطاقين:
- النطاق المدون (بكسر الواو)، والنطاق الشفاهي.
- النطاق المدون تعبره الطرق التجارية وخاصة الطريق التجارية سجلماسة فاس، أو مراكش فاس، وهو النطاق المشبع بالثقافة العالمة، ولو على المستوى السماعي الشفاهي، لمرور الفقهاء في ذلك النطاق أو إقامتهم بعض الوقت. وهو نطاق متأثر بالفتوى الكتابية، لذلك تعدلت فيه بعض الشعائر والطقوس، وجرمت فيه بعض الأفعال كالزنا، وكره فيه منع المرأة من الإرث. وفي هذا النطاق تحضر الولاية في الزواج والإجبار، بمعنى سلطة الولي (الأب أو الجد بالخصوص)، في إلزام موليته (بنته أو حفيدته) بالزواج بمن يقبله لها، من غير اعتبار لإرادتها(4). ويجاور هذا النطاق نطاق متأثر بالزوايا تحضر فيه ازداوجية الشفاهي والكتابي، وتتناقض فيه الفتاوى الكتابية والشفاهية. وفي هذا النطاق انصبت الملاءمة على بعض الشعائر كالاستسقاء مثلا.
- النطاق الغافل عن الفتوى، وهو نطاق تحضر فيه في الغالب الطقوس المرتبطة بالمعتقدات القديمة وتنتشر فيه المزارات الصخرية والمائية والنباتية، وهونطاق الشفاهي فيه يقوم الزواج على الشفاهية والعرف، وتتحكم فيه العشيرة، وهو نطاق خاضع لسلطة القبيلة. ففي هذا النطاق تغيب الولاية، في بعض، الأحيان غيابا جزئيا أو كليا، حيث يحق للفتاة أن تختار زوجها بكل حرية عن طريق (تقرفيت) في بعض الأوساط. ويتحكم في الزواج في هذا النطاق الشفاهي طقوس قديمة يغلفها الرمز، ويضفي عليها نوعا من التقية، إن كانت لهذه الطقوس علاقة بعادات قديمة، كالعادات اليهودية مثلا. ومن العادات، في هذا النطاق، ما يمارس في السر، وفي وقت متأخر من الليل، خشية إظهار وجه من أوجه الفحش القديمة الممقوتة في معظم الملل.
ويعنينا أنه في النطاق الأول يمتثل للمسطرة القضائية بتحرير عقد النكاح، والالتزام بواجب المهر. ومن الأوساط الطرقية التي تعد الإجراء العدلي استئذانا بالعرس فقط، لذلك يعاد الإجراء في حفل خطبة النكاح. ففي الزاوية الوكيلية، على سبيل الاستشهاد، نجد أن للإجراء العدلي طقوسا لا محيد عنها. فبعد المثول أمام العدلين للإشهاد، وتحرير عقد النكاح (عقد الزواج)، ينظم حفل خطبة النكاح، في منتصف نهار اليوم الثاني من العرس الذي يغطي ثلاثة أيام، ليخصص للإجراء العدلي. بيان حفل الخطبة، أن الرجل العروس يقدم على دعوة كل أعيان القصر لإكرامهم في بيته ما بين الضحى والزوال، وبعد صلاة الظهر يتجه هؤلاء إلى منزل المرأة العروس حاملين معهم المهر المقدرة قيمته عينا بسبع كيلوغرامات من السمن، وعشرين مدا(5) من القمح، وخروف، وحمل بغل من الحطب(6). وبعد تناولهم وجبة الغذاء في منزل المرأة العروس، يشرعون في الإجراء العدلي، حيث توكل المرأة العروس أباها، بحضور إمام المسجد الشرعي المعين من لدن القبيلة، وتعبر عن رضاها التام بالزواج وبالزوج، مفصحة عنه باسمه، مرددة العبارة التالية: «إني أرغب في الزواج بفلان بن فلان الذي أعرفه جيدا». ولأب المرأة العروس، أن ينوب عن ابنته، أو يوكل من يشاء من أعيان القبيلة، إن كان لا يقدر على آداء هذه المهمة التي تتطلب الجراءة والفصاحة اللسانية. وبالمقابل، وقبل وصول منزل المرأة العروس، يكون الرجل العروس قد كلف بدوره من ينوب عنه من أقاربه، ولا يوكل أباه بالضرورة، إذ لا ولاية على الرجل في الزواج. نقول، بعد تناول الغذاء في منزل المرأة العروس يقدم للحاضرين إناء من اللبن، ينهل منه قليلا كل الحاضرين في حفل الخطبة لتأكيد القرابة العشائرية والتضامن والتآزر، وعقب ذلك يلتزم الحاضرون جميعهم الصمت، ويفتحون المجال لإمام المسجد بالإشراف على خطبة النكاح، وذلك بالتلاوة، أولا، الآية التالية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾(7). وبعد ذلك يطلب موكل الرجل العروس من موكل المرأة العروس الزواج من البنت المعنية. ويتم الحوار كالتالي:
- موكل الرجل العروس: (أطلب منك فلانة بنت فلان على سنة الله ورسوله، بمهرها وكسائها...وألتزم بضمان أمنها وإعالتها...أطلبها زوجة للسيد فلان بن فلان) (يكرر الطلب ثلاث مرات).
- موكل المرأة العروس:( قبلت طلبك، ورضيت عنك).
ولما يستجيب موكل المرأة العروس من طلب موكل الرجل العروس، يمنح الأول للثاني واجبا نقديا رمزيا لا يتعدى أربعة قروش، (فرناكات، دراهم) حسب العملة المتداولة في العصر. ولا تقام حفلة الحناء في الليلة الموالية، ولا يصح الدخول في نهاية اليوم الثالث، ولا شيء يعدل في حفل الإملاك، ما لم تُجْر شعيرة خطبة النكاح. صحيح أن سكان الزاوية الوكيلية يعيدون هذا الإجراء لعدم اعترافهم بالعقود التي كانت تحررها سلطات الحماية الفرنسية، في عصرها، لكنهم ظلوا يفعلون الفعل ذاته في عهد استقلال المغرب، ويعتبرون الإشهاد العدلي، ما هو إلا الإذن بالزواج. وأما شعيرة خطبة النكاح ذات الغلاف الديني العرفي، فهي التي تعطي المضمون القبلي والسوسيولوجي للقِران لاشتراطها في المشاركة التمثيل العشائري لكلا الزوجين. وإذا حللنا وقائع التعاقد لهذه العشائر نجد أنها تستحضر الطقوس المغربية القديمة، إلى جانب الطقوس ذات المرجعية الإسلامية. ومن الضروري فتح القوس لبيان بعض الملاحظات من خلال طقوس القران:
- سلطة القبيلة أقوى من السلطة الدينية لحضور الأعيان (الجماعات السلالية، أعيان العشائر، شيخ المزرعة) مراسيم خطبة النكاح.
- شرب اللبن للتأكد أن تماسك العشيرة مقدم على كل علاقة زوجية. وهذه العادة تأكيد لشعيرة (تاظا) الأمازيغية القديمة. وبالفعل لا يؤثر الطلاق على العلاقة بين الأسر، والعشائر.
- إعطاء الطابع السوسيولوجي للزواج.
- تأسيس شرعية الزواج على سلطة القبيلة المدعمة بالسلطة الدينية التي يمثلها إمام المسجد الذي يكتسب هو الآخر شرعيته من سلطة القبيلة.
- السماح للمرأة بالتعبير عن موقفها من الزوج. فرفضها – ولو ندر ذلك - يعني فسخ الخطبة (بكسر الخاء).
وأما في النطاق الثاني، فلا تزال الشفاهية طاغية، وبالتالي فنزول مدونة الأسرة في السنوات الماضية، أدى بالسكان، في بعض النقط العمرانية، إلى عدم الامتثال لها، والتزوج بعيدا عن مؤسسة القضاء، وكذلك يفعلون لما يقدمون على تطليق أزواجهم. وبوجيز العبارة، فالجانب الثقافي يضرب في الغالب ما تضمنته المدونة المذكورة من حقوق الزوجة. من ذلك مثلا:
- الحق في عقد الزواج والطلاق (أي إعطاء الطابع الكتابي لهذا الحق).
- الحق في إثبات النسب.
- الحق في الحضانة.
ثالثا– النبات في الشعائر المرتبطة بالنساء
لا تصمد شعائر الزواج أمام مقاومة مسكوت عنها يعبر عنها بالطقوس السحرية. وهي طقوس تستهدف في الغالب الأسرة. ونستشهد هنا بالسحر القائم على استعمال النبات، السحر الفردي والجماعي الذي يتجلى في شكل شعائر. فالطقوس السحرية يمكن أن تمارسها جماعة معينة، الأسرة والعشيرة والقبيلة بأكملها، لاشتراك أفرادها في مستقبل واحد، ومصير واحد وحظ واحد، وهي طقوس تروم تحقيق التحصين، وضمان الانغلاق الثقافي. وفي جميع الأحوال فالسحر الفردي والجماعي، مشروط نجاحه باعتماد النبات كمحلولات، أو كمساحيق أساسية في الخلطات، أو كمادة ضرورية في دخان البخور، ومن الطقوس السحرية الجماعية ما يرتقي إلى شعيرة، تتخللها بعض الصلوات. وقد تشكل النبات مكونا متمما لفعل الكتابات السحرية المغلفة في أحراز، أو مدونة في أوان تمحى بالماء، بعد جفاف مدادها (الصمغ)، فيشرب المحلول، بما هو خليط من الصمغ والماء، وهو خليط ذو تأثير فعال. وفي بعض الأحيان، تعد الخلطات السحرية في شكل شراب مختلف ألوانه ووقعه السحري. وبشكل عام فالطقوس السحرية المرتبطة بالنبات يطبعها البياض في الغالب، ما دام التحصين هو المراد. لكن هناك من يوظف النبات أوراقها بذورها دخانها في سحر أسود، يرجى منه التفريق بين المرء وزوجه، في الأوساط التي تُكرِّه الطلاق. والسحر أسلوب من أساليب المقاومة، يعتمد على المرأة، للحفاظ على نسق ثقافي معين. ولم تكن الشعوذة صناعة فقهاء الزوايا وحدهم، فهناك الشعوذة اليهودية التي لا تتردد في اقتحام مجال السحر، الأسود فتنشئ عقدا سحرية تسبب ضعف الانتشار الجزئي لذكر الرجل، أو الكلي لدى الزوج في ليلة الدخلة. ونسجل أن كل الطقوس الفردية تتخذ الكتابية، (تيرا) بالأمازيغية، مرجعا لها، فتحترم الطلاسم كاملة، ولا تفتأ تعتمد من النباتات سوى ما هو محلي، ولا يستورد منها إلا الريحان والحناء في بعض الأماكن. وفوق ذلك ترتبط هذه الطقوس باليهود الأمازيغ الذين هاجروا المنطقة كلية.
01- النباتات والطقوس السحرية الفردية
معظم الطقوس السحرية الفردية المرتبطة بالنباتات تمارس في الغالب في المساء، أوفي ليلة سقوط القمر في بداية الشهر أو نهايته. ويمكن أن تمارس في الصباح الباكر قبل طلوع الشمس بقليل. وأما الطقوس السحرية الجماعية المرتبطة بالخصوبة بما فيها الأعراس، فموعدها في منتصف الشهر القمري. ومن بين الطقوس المرتبطة بالنباتات نسجل ما يلي:
- الزهور الحمراء: توظف في استرجاع المحبوب مثل زهرة شقائق النعمان (بنعمان)، والورود. ومن الزهور الحمراء التي تشكل مادة أساسية في تحنيط الجثث (momification) كالورد على سبيل المثال لعلاقة التحنيط بالحفاظ على الفقيد أملا في عودته إلى الحياة ثانية.
- اللفت: خضرة اللفت والبيض من المواد المكونة للسحر الأسود الذي يفرق بين الأحباء وينشر الكراهية بينهم. توظف اللفت كسطح لكتابة الطلاسم قبل أن تقدم ضمن مواد غذائية في طبق سحري يقدم للمسحور له. وأما البيضة فتدفن في الغالب في مفترق ثلاث طرق. ويؤثر البيض في السحر على توقف الانتشار أو بطئه، أثناء الجماع.
- الريحان: يقوي الريحان المقاومة الجسدية وصمود الذات لذلك يشكل مكونا رئيسيا في تحنيط الجثث.
- السدر: يعالج مرض المعدة والحمى بطبخ أوراقه لاستخلاص شراب للغاية، كما يساعد على تثبت عقد السحر.
- الصلاع: توظف النبتة، اسمها بالأمازيغية (أكنود)، في إزالة السحر، وذلك بتظهير النبتة من التراب وطبخها لاستخلاص شراب يساعد المسحور على إخراج المادة الغذائية السحرية من بطنه بالقيء أو عن طريق التبرز. وتوظف النبتة في شعيرة خاصة في يوم عيد الأضحى، حيث يحضر السكان أمام منزل الإمام للمشاركة في مراسيم النحر الجماعي للأضحية، وهي شعيرة يتخللها شوط من المراجمة بحبات نبتة الصلاع، وعقبها تلطخ هذه الحبات بدماء أضحية إمام المسجد، وتخزن في البيوت أملا في التبرك.
- النعناع: يعتقد سكان الأطلس الكبير الشرقي أن النعناع نبت في أرض أفرغ فيه كرش كبش النبي إبراهيم عليه السلام، الذي كان فدية لابنه النبي إسماعيل، لذلك تفيح منه رائحة من روائح الفردوس. ولأن للنعناع علاقة بالكبش، ولهذا الحيوان علاقة بالخصوبة لدى الأمازيغ عامة، فإن هذه النبتة توظف في كل الطقوس السحرية التي تدعم النشاط الجنسي لدى الرجل. لكن لقبيلة أيت يزدك اعتقاد مخالف، في السنوات الأخيرة، حيث ذاع لديها ما يفيد أن النعناع يسبب البرود الجنسي.
ونسجل أن كل الطقوس الفردية تتخذ الكتابية، (تيرا) بالأمازيغية، مرجعا لها فتحترم الطلاسم كاملة، ولا تفتأ تعتمد من النباتات سوى ما هو محلي، ولا يستورد من النبات إلا الريحان والحناء. وفوق ذلك ترتبط هذه الطقوس باليهود الأمازيغ الذين هاجروا المنطقة كلية.
- الحناء ودلالته الرمزية: الحناء نبتة الجنوب الشرقي المغربي، تكاد تحضر – ولو في الحسبان– في كل طقوس الفرح والقرح بالمنطقة، فضلا عن استعمالها في علاج الجروح. يتحنأ سكان الأوساط القبلية المذكورة تحنؤا كاملا في مناسبة الأعراس وحفلات الختان، والعقيقة، والأعياد. وتعد خلطة الحناء، فضلا عن ذلك، لخضب نساء الضيوف، تكريما لهن وتعقيم أجسادهن من الأرواح الشريرة، جريا على التقاليد الأمازيغية. وفي الكثير من التقاليد الشفاهية التي يحضر فيها الحناء نلمس ما يرتبط بالفقه الإسلامي، وسنورد نصوصا متداولة لكنها أدمجت في الشفاهي. «وحاصل أقوال الفقهاء في الخضاب بالنسبة للنساء على ثلاثة أضرب: جائز للتي لا زوج لها، وليست في عدة، ومستحب للتي لها زوج، والمستحب منه إلى موضع الأساور فقط، وحرام في العدة»(8). ولقد بالغت بعض عشائر الجنوب الشرقي في تحريم الحناء، فلم يعد يقتصر على المرأة التي في العدة بل على نساء العشيرة، التي فقدت أحد أقاربها. وقد يدوم التحريم سنة قمرية كاملة تعبيرا عن الحزن. ويفيد ذلك أن التخضب بالحناء تعبير عن الفرح. ولإن كان من الجائز فقهيا على الرجال خضب اللحى(9) ، فإن هذه العادة اختفت في بعض الأوساط، أو لم يعمل بها بالمرة. وأما الجانب المرتبط بالثقافة غير ذات مرجعية دينية، فيقوم على الاقتداء من التراث الثقافي الأمازيغي. لذلك تود بعض الأوساط أن تخضب أطفالهم بالحناء في مناسبات الفرح لا القرح. والحناء لغة التواصل مع الماورائي عبر شعائر متنوعة ذات بعد رمزي ويختلف شكل التخضب لدى الإناث من الأطفال عن الذكور في مناسبات الأعياد. فهو شامل لدى البنات، لشموله الأطراف العليا والسفلى، وجزئي لدى البنين لاقتصاره على اليدين فقط. وفي حفلات الأعراس والختان، فإن التخضب يكون شاملا للمعنيين بالمناسبة الرجل العروس أو الطفل الذي ستجرى عليه عملية الختان. والحناء لغة التواصل مع الماورائي عبر شعائر متنوعة ذات بعد رمزي. لذلك يختلف يختلف شكل التخضب لدى الإناث من الأطفال عن الذكور في مناسبات الأعياد، ويختلف من وسط إلى آخر. فهو شامل لدى البنات، لشموله الأطراف العليا والسفلى، وجزئي لدى البنين لاقتصاره على اليدين فقط. وفي حفلات الأعراس والختان، فإن التخضب يكون شاملا للمعنيين بالمناسبة الرجل العروس أو الطفل الذي ستجرى عليه عملية الختان.
ويعد ميدان تخضيب العرائس ميدانا سحريا بامتياز، حيث ينتر فيه الحرمل والملح، لإطفاء مواقع الجن. ويتخذ التخضب الجزئي لدى الأطفال أشكالا رمزية ذات أصول ثقافية قديمة. فالكف الخضيب لدى البنين منتظمة في رسمين اثنين، رسم يرمز إلى الشمس (تفويت) في الكف اليمنى، وهو رمز أمازيغي مقدر، ورسوم متنوعة في الكف اليسرى يطلق عليها (أيور) أي القمر بالأمازيغية. فأما رسم الشمس فهو قرص من الحناء، يكاد يغطي راحة الكف، وأما رسوم القمر فيمكن أن تتخذ أشكالا متعددة، أو نقطا متناثرة، أو خطوطا منعرجة، أو مربعات، أو رسوم طيور وحيوانات...، لأن الهلال شكل من بين الأشكال المعتاد رسمها بالحناء بالكف اليسرى. ومن أشكال الهلال، الدائرة التي ترمز لدى الأمازيغ إلى المطلق، والدوامة أو الإهليليج رمز الماء والقمر والخصوبة، والعنصر الأنثوي. وهناك المربع المشير إلى القمر، والصليب (+) علامة النجوم الزاهرة كالشعرى، والدبران، ومكنب الجوزاء.
والغريب أن من السكان من يحب أن تخضب حيواناتهم بالحناء كالبقر، والغنم، والقطط، والكلاب، مما يبين أن الحناء لا يقتصر على التكريم، بل هو خلطة سحرية يجب الوقوف عند مكوناتها وأهدافها. ويشترط في خلطة الحناء الملح والحرمل لأنهما يطفئان مواقع الجن. ومن القبائل التي تضيف مكونات أخرى لهذه الخلطة. وفي حفلة الحناء التي تدرج في برامج الأعراس في الليلة الثانية من الحفل، تقام طقوس مقوية للحناء بما هي خلطة سحرية محضة. ويعد سكان الزاوية الوكيلية بجبال الأطلس الكبير الشرقي ضمن العشائر التي تنفرد بإقامة طقوس مقوية للحناء بما هي خلطة سحرية محضة، بتلاوة الآيات القرآنية التي يزعمون أنها تبعد كيد كل ساحر - أو ساحرة- يقدم على إقامة عقد سحرية ليصيب الرجل العروس بالعنة المرحلية أو المزمنة. فمن الآيات التي تقوي خلطة الحناء وتعطيها طابعا سحريا مضادا للسحر، كل ما ضمن في قصة موسى عليه السلام، في صراعه مع سحرة فرعون. ولإن ذكرت هذه القصة في الكثير من السور، فإن سكان الزاوية الوكيلية يفضلون تلاة سورة طه كاملة لطمأنة الوسط أن الساحر لا يفلح ﴿حيث أتى﴾ (10). وتنبغي الإشارة إلى أن سكان الزاوية لا يغفلون دور الحناء في تكريم الرجل العروس، فهم يكرمونه بممارسة طقوس الانتصار التي تعزز بتلاوة بعض الآيات بعد الانتهاء من سورة طه، يحصنونه بتلاوة آيات أخرى ضد العين الشريرة مثل ﴿والله يعصمك من الناس﴾(11) ، والآية ﴿وينصرك الله نصرا عزيزا﴾(12). وتنفرد الزاوية الوكيلية، وحدها بجبال الأطلس الكبير الشرقي، بالمبالغة في ممارسة طقوس الانتصار في حفلة الحناء. فلما يجلس الرجل العروس في ميدان الحفلة مستقبلا القبلة، لابسا البرنس الأبيض(13) تقف خلفه فتاة ذات رداء أحمر ناصع (لون التحدي)، ورجلان يمثلان حارسين للرجل العروس، كلاهما يحمل سيفا حادا. ولما يشرع القراء في تلاوة سورة طه، تبدأ الفتاة في نفض وردة طاقية البرنس الذي ارتداه الرجل العروس، ويشرع الحارسان في نقر السيفين أحدهما على الآخر، لإسماع صليلهما، كأنهما يتدربان على العراك، أو يحاربان في ساحة الوغى، أو كأنهما أمام باب حاكم روماني في العصر التاريخي القديم. وكل هذه التشبيهات تنقل الصورة الكاملة للمشهد. فالحفلة تكون لممارسة طقوس الانتصار والتحصين معا. وأما حفلة تحنؤ المرأة العروس فتجري بعد الانتهاء من تحنؤ الرجل العروس بقليل، وهي حفلة النساء وحدهن، تتلى فيها بعض الصلوات الصوفية، إلى جانب أهازيج أمازيغية.
02- المنظور القبلي والعشائري للطقوس السحرية المرتبطة بالنبات
لا تزال الذاكرة الجماعية لسكان الأطلس الكبير الشرقي تحافظ على الطقوس السحرية الجماعية، والشعائر المرتبطة بالنباتات. فمنها ما لا يزال قائما، ومنها ما اختفى بفعل التحولات القروية. ونميز في الميدان الشعائر والطقوس التالية:
أ – جماعة الحطابين (إنزدامن)
اشتهرت جماعة الحطابين في جبال الأطلس الكبير الشرقي، وفي منطقة الأوراس بالجزائر، لكنها اختفت، الآن، تحت المراقبة المستمرة والمنظمة لحراس الغابة، ابتداء من الثمانينات من القرن الماضي. فأثناء الإعلان عن موعد الأعراس الجماعية، في شهر شتنبر بعيد الاعتدال الخريفي، يتطوع أفراد العشيرة التي ينتمي إليها الرجل العروس، ليحتطبون استعداد للعرس، وذلك بجلب الأعواد اليابسة، بالمحيط المجاور، تكفي للتدفئة وطهي الطعام طيلة أيام العرس، التي كانت تستغرق في الغالب ثلاثة أيام. ينقسم المنخرطون في الحطب الجماعي إلى فرق يناسب عددها عدد الأسر المحتضنة للأعراس. وأما النساء فينقطعن لترديد الأشعار والصلوات طيلة المدة التي يقضيها الحطابون في المحطب المجاور. وفي المساء تستقبل النساء جماعة (إنزدامن) بالغناء والزغاريد. وتعد شعيرة (إنزدامن) واحدة من شعائر التضامن المرتبطة بالنباتات بجبال الأطلس الكبير الشرقي.
ب – حفلة يناير الأمازيغية حفلة نباتية بامتياز
يحتفل بحفلة يناير الأمازيغية السكان المستقرون عامة، وهي حفلة تعرف ب(حاكوز). تهيء النساء لهذه الحفلة طبق من طعام الكسكس أو العصيد، أساسه سبعة أنواع من الخضر الجافة، يتم انتقاؤها حسب المتوافر من الخضر التالية، العدس، الفول، الذرة، القمح، الفاصوليا، الحمض، اللفت، الجزر، الجوز، اللوز، الخوخ الجاف، نواة التمر،...الخ. وأما الأسر الميسورة فلا تتردد في نحر الديك احتفالا بالمناسبة، ويعد الديك ذبيحة محببة في مناسبة ولادة مولودة(14). يعرض الطبق في وجبة العشاء التي يحضرها كل أفراد الأسرة. ومن العشائر التي تحتفظ بنصيب الغائبين في أكياس خاصة الفتيات المتزوجات، السجناء من أفراد الأسرة.
ج- حفلة فاتح غشت
يحتفل الرحل بحفلة فاتح غشت، بالتقويم الأمازيغي الذي يوافق التقويم الجولياني، وهي حفلة تشبه إلى حد بعيد حفلة (حاكوز) المستقرين. وتختلف حفلة الرحل في كون الطبق المخصص لها يحوي كل النباتات التي يتغذى منها الإنسان والحيوان أيضا (ألزاز، الشيح، أزير...)، لكن بكميات قليلة، ويضاف لهذا الطبق قليل من روث الحيوان (تبروكت)، ونواة التمر. وكل من عثر على النواة في الطبق يعد ذا حظ سعيد (أزوهري). تمارس في هذه المناسبة عملية التنجيم الزراعي للتنبؤ بمصير السنة الرعوية التي تبدأ من فاتح غشت. بيان العملية أن الرحل يضعون كمية من الصوف في سطح الخيمة مدة ليلة فاتح غشت. وفي الصباح الباكر يحضرون لتمييزها فإن كانت مبللة بالندى فالسنة الرعوية المقبلة رطبة، وإن لمسوا بها الجفاف، فعليهم بالاستعداد للترحال بحثا عن مواطن الكلأ التي تحتوي على غذاء ينقد الماشية.
د- شعيرة (تفسوت - تيفسا)
تصادف شعيرة تفسوت، وقد سبقت الإشارة إليها، الاعتدال الربيع 10 مارس بالتقويم الفلاحي. وهناك عشائر تفضل أن تحتفل يوم 07 مارس. تعد للمناسبة رغائف من الخبز تحوي سبع ثقب، يناسب عددها عدد أفراد أسر الجيران. وتتكلف النساء بتبادل هذه الرغائف لضمان التعاضد والتآزر. وتعد كذلك حريرة مطعمة بنواة الخوخ والفصة تعبيرا عن دخول موسم الاخضرار،. تأثرت شعيرة تيفسا كثيرا بالفصح اليهودي.
هـ – حفلة العنصرة
تاريخ الاحتفال بالعنصرة الأمازيغية (la pentecôte) متأخر بأكثر من شهر عن العنصرة المسيحية، حيث تصادف يوم 24 يونيو بالتقويم الأمازيغي (الجولياني). وأما موعدها فثلاثة. فالرحل يفضلون الاحتفال بالمناسبة ليلا، وأما المستقرون فمنهم من يبتغي الاحتفال بها قبيل طلوع الشمس ومنهم من يود وقت العصر. ويبدو أن أفضل المواعد وخيرها عصر يوم 23 يونيو بالتقويم الأمازيغي. ذلك أن اليوم القمري يبدأ مع مغرب الشمس، وينطلق اليوم المدني مع الساعة الثانية عشرة ليلا، وأما اليوم الأمازيغي فيبدأ مع العصر الذي كان يحدد، قبل ظهور الساعة الميكانيكية بقياس طول ظل قامة الإنسان، فإن كان طوله مساويا سبعة أقدام فوقت العصر قد حل.
تصادف العنصرة الأمازيغية مناسبة ميلاد النبي يحيى المعروف بيوحنا المعمدان أو يحيى المعمداني (John Babtiste) أو النبي يحيى بن زكريا عليه السلام. ويحمل يوحنا المذكور مع الأم قيمة المحبة، لذلك تطلق بعض العشائر على الأم (يو) وبعضها تفضل (حنا)، وطائفة أخرى تطلق على الأم (يوحنا).
كان سكان جبال الأطلس الكبير الشرقي يحتفلون بالعنصرة بإيقاد نار قوية كبير لهبها، فيشرعون في القفز على اللهب، وبعد ذلك يتجهون نحو النهر لممارسة السباحة (أي التعميد). ومن العشائر المستقرة التي تعلن العنصرة موعدا للأطفال لممارسة السباحة بالأودية زيز، غريس.
تشكل العنصرة مناسبة لممارسة شعيرة سحرية مشهورة تقوم على البخور بالنباتات المتواجدة في الميدان. فالرحل يقدمون على حرق كميات قليلة من كل أنواع الغطاء النباتي الذي تتغذى به الماشية والنحل، الحرمل، «إزري، ألزاز، إزيكنو»، الرطم «ألكو» Rotama retam، أليلي laurier rose ، لشم دخان العنصرة من لدن البشر والحيوان، ومن العشائر التي تحرق سبع أنواع من النبات دون إغفال اختيار الحرمل والدفلى. ويرى الرحل من قبيلة ايت مرغاد وأيت سغروشن أن دخان العنصرة يقوي الشهية لدى الماعز والغنم. وبمعنى آخر، فكل نبتة لم تشم الماشية دخانها يوم العنصرة، تعزفعن تناولها في المرعى طيلة السنة. وأما المستقرون فيقتصرون على تطعيم موقد العنصرة في الصباح الباكر، بالرطم والحرمل والدفلى، ومنهم من يضيف أغصان الزيتون، و«فلييو، وتيمرصاد». والهدف من دخان العنصرة تخفيض أعداد الذباب بالمنازل. وللحرمل مدلولات رمزية أخرى سنبينها في الفقرات الآتية. وباختصار تختلف مكونات دخان العنصرة حسب المواقع، لكن الغاية واحدة فبالدخان يتم الاتصال بالعالم الماورائي، وبالدخان يعلن عن موسم حصاد القمح وجني المشمش، وفتح خلايا النحل لاستخلاص العسل.
03- النباتات والطقوس الجنائزية
تحنيط الجثث شعيرة أمازيغية مرتبطة، في الغالب، بالنباتات، تتم بخلطة تعد للغاية. تتكون خلطة التحنيط من مسحوق المواد النباتية التالية، الورد، والريحان، و40 حبة من القرنفل (النوار)، والجاوي، والمسكة الحرة، والخزامة، والزعفران. تمزج الخلطة بماء الزهور فيخطب بها 11 قطعة من الصوف إن كانت الجثة امرأة و10 قطع إن كانت ذكرا. توضع قطع الصوف المخضبة بخلطة التحنيط في فجوات جسم الإنسان، الفرج، المخرج، الفم، العينين، الأذنين، الإبطين. وبعد ذلك، تكفن الجثة لتنقل بواسطة النعش إلى القبر. ومن العشائر التي تتلو بعض الصلوات أثناء إعداد مساحيق خلطة التحنيط. وإذا استثنينا الورد والخزامة فإن كل المواد النباتية مستوردة من خارج المنطقة.
04- نماذج من النباتات الرائدة في السحر وشعوذة الأسرة.
سنقتصر هنا على ثلاث نماذج، الحرمل، والصفصاف، والحلفاء.
أ‌- الحرمل
الحرمل، نبتة جبال الأطلس الكبير الشرقي، التي لا تنمو إلا في البيئات المتدهورة بفعل تدخل الإنسان. والمقصود بها، هنا، تلك الأوساط التي كانت من قبل موضع الدور والقصور والخيام أو الأسواق والمزارع المهجورة. تفسير ذلك، أن كل رحاب يخضع للاستغلال غير الزراعي، يجرد من الغطاء النباتي الطبيعي، وقد يغطى ويجرد من عوامل الإنبات كالتربة والتشميس والتهوية والرطوبة مثل مواضع الدور والخيام والقصور. وبمعنى آخر، فالمجال المعمر متدهور بيئيا، قد يتغير بالتدريج حين تندرس العمارة وتزال الخيام ويهجر بساط التسويق لسبب ما فيصبح المجال المستغل معرضا للتهوية والتشميس والأمطار فتغزوه بعض الأعشاب الطبيعية يتقدمها الحرمل. ولإن كان الحرمل أول الغزاة، لوسط انتزع بالأمس من المحيط البيئي، فإنه لا يفرض الصراع على الأعشاب، بل يوفر لها بيئة للبقاء والنمو والتكاثر. وباختصار شديد، يخضر الحرمل في أول الربيع أمام الكهوف والمغاور وفي أنقاض القرى القديمة ، والأماكن المهجورة التي كانت من قبل موضعا لانتصاب الخيام (أمازير) أو مأوى قطعان الماشية. ويمكن القول، إن الحرمل دليل المواقع الآثارية، أو على الأقل حيثما يوجد الحرمل توجد بقايا الإنسان. ولما كانت هذه النبتة تتقفى دوما آثار الإنسان في النطاق البيومناخي الجاف فقد تحولت إلى رمز التبرك ذي الدلالة الخاصة المرتبطة بالثقافة الزراعية، ولها دورها في السحر والشعوذة. وبعيدا عن المعتقدات فالحرمل يخلق وسطا بيئيا أخضر ويدمل جرح بيئة متدهورة بفعل تدخل الإنسان. وقبل ذلك، فحقوله ملاذ النحل ومادة غذائية له، وقد تتحول إلى محمية غير محروسة للديدان والفئران والخنافيس والزواحف والأرانب والذئاب والحجل. إنه وسط حي، وإن شئت وحدة متجانسة في وسط متدهور بفعل تدخل الإنسان.
وتعد زهرة الحرمل مادة غذائية للنحل لأنها تحوي رحيقا متميزا. ولما كان العسل الذي يخرج من بطون النحل يحافظ على خصوصيات الزهور المهيمنة في المنتجع فإن لعسل الحرمل ميزة خاصة. فمن جهة، يعد شفافا كالماء أو الزيت أو الزجاج، ومن جهة ثانية يعالج الكثير من الأمراض. يكثر عسل الحرمل في الموسم الرطب، ويندر كلما ساد الجفاف وانخفضت نسبة التساقطات، وتلك مفارقة تسترعي الانتباه، وتستدعي التوضيح: ففي الموسم الرطب ينتج النحل ثلاثة منتوجات:
- منتوج نبتة (أزيزر) (Romarin) ويتوفر في الخلايا ابتداء من أواخر شهر أبريل. ومعلوم أن نبتة (أزير) تشرع في الإزهار مع حلول شهر فيراير، إن تلقت السفوح الجنوبية الشرقية لجبال الأطلس الكبير الشرقي المشمسة، كمية هامة من التساقطات خلال شهري دجنبر ويناير، حيث تشرع النحل في التردد، في وقت مبكر، من الفصل الساخن، لتملأ بطونها بالرحيق الذي تحوله إلى شراب أصفر، يدعى عسل (أزير)، وهو عسل يجمد في القارورات والأواني وكأنه يتخثر كالدم.
- منتوج مختلط يتكون من رحيق زهور مختلفة كزهور الأشجار والأعشاب ويتوفرفي الخلايا مع حلول منزلة العنصرة المذكورة.
- منتوج الحرمل وهو المنتوج الأخير الذي يملأ الخلايا في فصل الصيف.
وفي حال ندرة المطر وضعف ميزانية التساقطات يندر الزهر فينتج النحل منتوجا واحد، في أحسن الأحول، مكونا من مختلف أنواع الزهر، وبالتالي فزهور الحرمل تشكل مكونا أساسيا من المكونات الزهرية التي يحويها منتوج العسل، في الموسم الجاف. وبعبارة أخرى، إن كان الحرمل لا يتأثر بالجفاف، فإن تأخر إزهاره يجعل منه غذاء مضمونا أساسيا، أو داعما النحل في دفعه شبح الانقراض أو الهجرة القسرية. وما أكثر اللحظات التي لعب فيه الحرمل دورا غير منكور في إنقاذ الخلايا بالأطلس الكبير الشرقي.
وإلى جانب دور عسل الحرمل في التطبيب وفي وصفات الطب الشعبي فإن للنبتة حضورا لدى الساحر والمشعوذ. ولقد قيل عنه إنه يعالج جميع الأمراض الروماتيزمية التي تسبب أوجاع الظهر والركبتين والساقين، كما يعالج السعال الناتج عن نزوات البرد القارس المفاجئة. ويروى أنه يعالج كذلك أمراض العقم لدى النساء كما يعالج توقف الحيض. وتقضي الوصفة إعداد خلطة من الحرمل والعسل وتناولها في الصباح قبل الفطور. ولا غرو، فنبتة الحرمل مطلوبة بإلحاح في الأسواق المحلية.
وهناك معتقدات مرتبطة بالحرمل قائمة على أساس أن الحرمل يتقفى دوما آثار الإنسان، كالجن، وينمو بجوار المنازل وفي كل مكان وطئته أقدام البشر. وأنه ينمو في موعد محدد كيفما كانت طبيعة الموسم الزراعي، وتلك خاصية قل وجودها في النباتات المعمرة بالسهب. ومن جانب آخر، فالحرمل من النباتات التي تعرف البيات في الفصل البارد، ولها أسلوب خاص في ذلك، إذ لا تبيت بإسقاط الأوراق كما هو حال النفضيات (caduc) ولا تبيت بتجميد النمو والحفاظ على الاخضرار، كما هو شأن الفصة والأعشاب الأخرى، إنها تبيت بإسقاط الورق والجدع والفروع، أي أن هيكلها الخارجي يصفر ويموت ويختفي. ومما لا شك فيه، أن هذه الخاصيات هي التي رسخت اعتقاد يفيد أن النبتة – يسكنها الجن- نبتة سحرية بصريح العبارة، بل إنها تطفئ مواقع الجن كما تشير بعض الكتب القديمة. وتعالج نبتة الحرمل مرض الحمى حسب الاعتقاد المحلي، إذ يكفي أن يتردد المريض على شجيرة الحرمل، قرب أحد الأضرحة، ليغتسل فوقها في الصباح الباكر، ثم يعود إلى مرقده، ولما يحس بالشفاء يقوم بجزاء الشجيرة بسقيها بقربة (أقليل) من الماء. ونسجل أن الجنة حاضرة في اعتقاد الإنسان الذي يعيش في بيئة الحرمل، لأنها بيئة متدهورة ومهمشة ومنسية بالإطلاق. ولا غرو، فحين تغيب التنمية يسود التخلف وتتعشش الميتافيزيقا والميتولوجيا في الأدهان، ويتسع مجال الرمز والمقدس ويندر الملموس المدنس. إنها خاصية مجتمعات الحرمل المهمشة. وللحرمل موسمه الذي لم يهتد إلى إحيائه الجهات الرسمية، أو على الأقل يفتقر إلى ملكات الجمال كما هو شأن التفاح والورود، وحب الملوك. ففي يوم 24 يونيو بالتقويم الأمازيغي، يستقبل الكانون والمجمر نبتة الحرمل فيغمر دخانها كل البيوت والخيام والإسطبلات، كم تعلق النبتة في اعتاب المنازل وفي سقوف الدور، ومن لم يفعل ذلك فهو مجنون. واللافت للانتباه أن سكان الأطلس الكبير الشرقي لا يفتأون ينعتون كل من يرتكب الأخطاء ويركن للعبت أنه (لم يعنصر)، وكأن الاحتفال بالعنصرة تجديد الرجول والرشد والصواب والرزانة، وعدم الاحتفال بها فقدان الصواب والزيغ والانحراف. وفي السياق ذاته توضع نبتة الحرمل على محصول الحبوب بعد عزله عن التبن لإضفاء التبرك عليه. ويروج في اعتقاد سكان جبال الأطلس الكبير الشرقي أن للجنة نصيبها في مخزون الحبوب وركازات الذهب والفضة، وأن نبتة الحرمل تستطيع إطفاء مواقعها وتبعدها بالمرة عن أماكن الخزن والادخار. لأجل ذلك، يلجأ الفلاحون إلى وضع الحرمل في جميع الفجوات والثقوب التي مكن أن تتسرب منها الجنة إلى المنازل. وباختصار، فالنبتة حاضرة في وصفات المشعوذ، إلى جانب طلاسم الساحر وفي التمائم والبخور، التي ترهب الجن وتحمي الإنس، وهي وسيلة الاتصال بعالم الغيب الذي تغمره الشياطين والجنة.
ب‌- الصفصاف
الصفصاف شجرة مقدرة لدى الناس أجمعين في كل زمان ومكان. تنمو قرب مناهل الماء وفي جنبات المجاري السطحية كالخطارات والوديان والسواقي وتتكاثر بالترقيد أو الافتسال.
دخل الصفصاف عالم الطب منذ عهد الإغريق حيث استعمله الطبيب أبقراط في تخفيف آلام الوضع لدى النساء. وفي الزاوية الوكيلية، تعد أعشاش الصفصاف ميدانا لممارسة الشعوذة. ذلك أن أشجار الصفصاف الأبيض تحتوي في جذوعها على مغارات أو أوعية تملأ عادة بسائل أسود تصمغه الشجرة، يوظف في الكتابات السحرية. يجفف السائل الأسود في الأماكن المشمسة فيملأ محابر الفقهاء الممارسين للسحر حبرا أسود. ولأن الصفصاف يحتوي على مادة الأسبيرين كما أثبت العالم الألماني (فيليكس هوفمانFelix hoffmann )، فإن الشراب المستخلص من الكتابات السحرية بصمغ الشجرة مسكن لا مثيل له. فالساحر يكتب الطلاسم في إناء خزفي طاهر، وفي بعض الأحيان آيات الشفاء(47)، ثم يأمر المريض أن يمحو تلك الكتابة بالماء النقي فيشرب ذلك الخليط ليحس بالهدوء والسكينة.
ج- الحلفاء
الحلفاء من فصيلة الشوكيات تنتشر في الميدان على شكل غابات. إنها مادة غذائية لجميع الثدييات العاشبة التي تربى في الاسطبلات أو ترعى في المراعي، وهي مادة حطبية كذلك، كانت تستعمل في الإنارة قبل عصر البترول، ومادة أولية لصناعة الحصائر وأوعية عصر الزيتون بالمعاصر.
تحضر الحلفاء كثيرا في الطقوس الجنائزية، ففي بعض القرى يفضل السكان استعمال النعش المصنوع من الحلفاء على النعش الخشبي في حمل الموتى إلى المقبرة. وللنعش المصنوع من الحلفاء بعض الإيجابيات الرمزية. فمن جهة، لم يرفع الميت فوق رؤوس الأحياء كما هو الحال في النعش الخشبي، وفي ذلك انتصار الحياة على رموز الموت، ومن جهة ثانية يسمح نعش الحلفاء باشتراك عدة حمالة، ثمانية أشخاص مقابل أربعة في النعش الخشبي. ولا شك أن لكثرة الحمالة دلالة خاصة، لا سيما إذا كان بساط القبر بعيدا عن المجال المعمر. ومن جهة ثالثة يسمح نعش الحلفاء بإدراك وضعية الميت، رأسه، يمينه، شماله، ليسهل وضعه في القبر مستقبلا القبلة. وفي النعش الخشبي يحدث الارتباك في الغالب، أو يفتح مجال للتداول على وضع الجثة في القبر. ولزهور الحلفاء (أطاف) دور في إزالة السحر كما يرى المشعوذون المحليون، وله دور فعال في التخفيف من نسبة السكر في الدم.
رابعا: المرأة والأسرة من خلال ثقافة الدم
يعد الدم واحدا« من الرموز الثقافية التي يستعملها الإنسان في التواصل مع أفراد جماعته ومع العالم غير المنظور. والمغاربة أكثر الشعوب تشبثا بثقافة الدم. ولا تزال لغة الدم مستعملة بكثرة لدى قبائل الأطلس الكبير الشرقي»(15) خاصة والجنوب الشرقي المغربي عامة.
«تتغذى الأرواح في اعتقاد سكان الأطلس الكبير الشرقي بالدم. وبالتالي فكل الرحاب التي غمرتها الدماء من قبل – أو ستغمرها من بعد – تستوطنها الجنة، أو على الأقل تتردد عليها بكثرة. والأرواح لا تطيق الاعتداء وبالتالي فالوطء على مكان مسقي بالدماء معناه الهجوم على ميدان الكائنات النورانية عامة والتي لا تفتأ تعتدي بمثل ما اعتدي عليها الإنسان، في أحسن الأحوال، أو ترد الصاع صاعين في أسوئها، فيصاب المعتدي بالشلل النصفي أو الكلي وقد يصاب بالجنون والارتعاش، أو قد يكون ذا حظ تعيس في الحياة فيعاني من الشقاوة والمصائب والويلات.
والدم البشري أكثر جاذبية للأرواح من دم البهائم. ورغم ذلك فدم الذبائح أكثر قدرة على إطفاء مواقع الجن أو بالأحرى إطفاء عطش الكائنات النورانية. ولا غرو، فالأماكن التي كانت من قبل تحتضن المعارك، أو شكلت بساطا لدفن الجثث الملطخة بالدم، تظل دائما مستعمرة الأرواح ومسكن الأشباح التي تظهر ليلا لتفزع وترهب الساهرين. أما الأماكن التي اتخذت مذبحا للبهائم مثل الأضرحة والكهوف والمزارات الصخرية والنباتية فإنها تتحول إلى بساط للسحر والشعوذة ومستشفى للأمراض العقلية»(16).
و«حين تنزل الأرواح الشريرة الأماكن المسقية بالدم لتطفيء عطشها فإنها لا تسيطر على النطاق الملوث وحده بل تسلك قنوات الدم لتصل إلى المورد. ومعنى ذلك أن الأرواح لا تفتأ تدخل جسم الإنسان الذي ينفث الدم. ولدرء خطر الجنة تقدم دماء الذبائح بعد أو قبيل نزول الدم في مناسبة الولادة وفي حفلة الختان أو الزفاف كما تقدم لجنة الأبواب ومواضع البناء وسقوفه.
أ- ذبائح الولادة :
تفقد المرأة الكثير من الدم إبان الولادة مما يجعلها عرضة لهجوم الأرواح التي لا تتورع في استغلال نزيف الدم لمهاجمة الجسد. ويعتقد سكان الأطلس الكبير الشرقي أن دم الدجاج كفيل بدفع شر الأرواح عن المرأة التي تنفث دم النفاس، لذلك يذبحون الدجاجة أو الديك في اليوم الثالث من الولادة. وتنبغي الإشارة إلى أن اختيار جنس الذبيحة مرتبط بطبيعة المولود. فالدجاجة تذبح للذكور والديك يذبح للإناث، لأن الإناث من الأرواح تلهث وراء دم الذكور من البشر والعكس صحيح. ولدفع خطر الأرواح تلجأ أسرة المولود إلى ذبح ما يناسب – من حيث الجنس – الأرواح التي تحضر يوم الولادة. فتقدم لها الديك أو الدجاجة. فالديك رمز الذكور من الأرواح والدجاجة رمز الإناث. وإذا لم تقدم الأسرة القرابين فإن شر الأرواح لن يرفع عن الأسرة، فقد تصيب الزوجة بالشلل أو الجنون وقد تسبب في موت الأبناء ناهيك عن الأمراض الاجتماعية كالفقر والتشرد.
إن طقوس الولادة المؤسسة على ثقافة الدم مؤسسة على ملاحظة دقيقة. فالمرأة طيلة فترة الحمل وأثناء المخاض وبعد الولادة تمر بتقلبات سيكولوجية. ولا غرو، فالإنجاب انقلاب جذري في شخصية المرأة يستصحب معه في الغالب هزات نفسية خطيرة تؤدي أحيانا إلى الجنون. ونسجل أن تقديم القرابين ليس إلا سلوكا عمليا لإرضاء الزوجة، يتوج مجموعة من الإجراءات تهدف كلها إلى الحفاظ على الراحة النفسية للحامل، منها التي ترتبط بثقافة الدم ومنها تتعلق بسلوك الأقليات العرقية التي تلهث وراء كثرة سوادها.
وجملة القول فالتقلبات السيكولوجية للمرأة طيلة فترة التوالد (الحمل، المخاض، التوالد) مفهومة لدى سكان الأطلس الكبير الشرقي. ففي فترة الحمل يطلق على المرأة « تمعذرت » أي صاحبة العذر. وهي، نفسيا، كالطفل الصغير تشتهي كل شيء تدركه عينها (فاكهة، لحم، عسل) وبالتالي لابد من تلبية رغبتها. لذلك يحتاط عامة أفراد العشيرة من عرض وإظهار كل طعام تشتهيه نفس الحامل. وبعد الولادة يطلق على المرأة « تامزورت » وهي كلمة تفيد ضرورة إرضاء المرأة بالزيارة لها ومنحها قليلا من النقود للتبرك بها. وباختصار فثقافة الدم لا تنظم كل إجراءات التعامل مع المرأة طيلة مرحلة التوالد.
ب- ذبائح الختان :
يمكن اعتبار حفلة الختان حفلة دموية من الدرجة الأولى يكثر فيها التعامل بالرمز مع الأرواح. لذا لابد من الذبيحة لرفع الضيم والاعتداء الذي يصدر عن الكائنات التي تنتمي إلى العالم غير المنظور. ويجمع معظم سكان الأطلس الكبير الشرقي على ضرورة الذبح قبل إجراء عملية الختان من أجل إطفاء عطش الأرواح ومواقع الجن التي لن تتردد في مهاجمة الابن الخاضع للعملية. ولقبيلة أيت داود أوموسى رأي خاص في عملية الختان حيث تجرى العملية أولا والذبح ثانيا، ذلك أن إطفاء عطش الأرواح قبل إجراء العملية سلوك شاذ مبالغ فيه، فالمناسبة أسبق منطقيا وزمنيا من القرابين. وبعبارة أخرى فالذبيحة نتيجة لعملية الختان والعكس غير صحيح. فالأرواح حين تشعر بنزول دم العملية تهبط المكان بسرعة فتجد أمامها دم الذبيحة فينجو الابن نجاة حقيقية. أما موعد عملية الختان فمرتبط في الغالب بالأرواح حيث يصادف قبيل غروب الشمس بقليل، أو بالأحرى قبيل خروج الأرواح بقليل، انطلاقا من الاعتقاد السائد أن الليل للجن والنهار للإنس. ولسكان الزاويتين، سيدي حمزة وسيدي بوكيل رأي آخر في موعد عملية الختان، يتجلى في اختيار الضحى. وهو موعد للأضحيات والإعذار بمعنى ما أضحية توحي بمحاولة ذبح إسماعيل بن ابراهيم الخليل والذبيحة فدية. وفوق ذلك فالطفل يأخذ اسمه في الضحى، موعد العقيقة، وينبغي أن يعذر في الضحى كذلك. وهناك تفسير آخر شاذ للغاية يرى أصحابه أن طقوس الختان بيئة لعقد السحر ولإفشال سحر الساحر لابد من إجراء العملية في الضحى لأنه الوقت الذي أفشل فيه النبي موسى سحرة فرعون.
ج- ذبائح الزفاف :
يعد الزفاف حفلة دموية، لأنه يتوقف على افتضاض البكارة من أجل تلطيخ منديل أبيض يهيأ لتلك الغاية لإثبات ما يسمى « وجه المرأة »، « شرف المرأة» وجه يشرف العرس في اعتقاد الثقافة الإقطاعية، العشائرية. وللإشارة فالمنديل الملطخ بالدم رمز العلاقة بين الرجل والمرأة، ومؤشر لبداية الزواج ودليل علمي على انطلاق ممارسة الجنس بشكل طبيعي ومن جانب آخر فليلة الدخلة مناسبة لحضور الأرواح التي لا تفتأ تهاجم العريس والعروس سواء بسواء إن هما لم يتوفرا على ذبيحة تطفيء عطشها. ولا غرو، فالفلكلور الذي يرافق البغلة التي تنقل العروس من بيت أبيها إلى بيت الزوجية وهو فولكلور ملتزم بأداء طقوس الدخلة ينبه الغافلين من أفراد أسرة العريس كي يحضروا الذبيحة. تقول الأغلبية المطالبة بحضور كبش يذبح قبل دخول العروس بيت الزوجية ما يلي :
Ullah ur tterrusex
Ard iddu uhuli
معنى ذلك تقول العروس :
والله لن أنزل حتى يحضر الخروف.
وبالفعل يحضر الخروف وتنزل العروس.
وتعتقد بعض قبائل الأطلس الكبير الشرقي أن حضور الأرواح الشريرة في حفلة الزفاف يؤثر سلبا على مسار الحياة الزوجية إن لم يتخذ أهل العروس مجموعة من الاحتياطات. ذلك أن الأرواح يمكن أن تسخر بواسطة السحر لتضمر سوءا لأهل بيت العريس كأن تسبب عنة لحظية أو مزمنة تصيب العريس وتلك نهاية مأساوية لحفلة الزفاف. وبعبارة أخرى لما كانت النهاية المرغوب فيها هو الحصول على منديل أحمر ملطخ بالدماء يثبت بكارة العروس ويؤكد رجولة العريس وقدرته على مواجهة الحياة فإن ذبيحة الزفاف واجبة.
وكما سبق ذكره فإن الأرواح العطشانة لا تتوقف عند امتصاص الدم النازل من جسم الإنسان بل تسلك قنواته لكي تدخل الجسم وتسيطر عليه أو تلحق به ضررا يظهر في العنة والعقم أو تخلق مشاكل في خلية الأسرة منها على سبيل المثال الفقر، الجوع، الصراع.
ولقبائل أيت سغروشن تصور أكثر تطرفا في طقوس الدخلة. ذلك أن أولياء العروس لا يتعاملون مع ابنتهم إلا بلغة الدم ولا شيء غير ذلك. يستقبلونها بالدم في زيارتها الأولى بعد الزفاف وإذا أنجبت يستقبلون زيارة المولود في بيت جده من أمه بالدم. ويمكن القول إن الأسرة التي لا تتوفر على ذبائح الطوارئ ليست من قبيلة أيت سغروشن. والغريب أن بعض العشائر السغروشنية تستقبل جميع النساء بالدم لإبعاد كل شر محتمل تحمله المرأة التي تعد منهلا ينفث دم الحيض كل شهر، يمكن أن تسلكه الأرواح لتلحق الأذى بالأسرة المستضيفة للمرأة ولو لمدة لا تتعدى ليلة واحدة.
وأما نطاق القرابة فقد اتسع « وأصبح يشمل إلى جانب أفراد العائلة والعشيرة كل القبائل المنضوية في الاتحاد القبائلي المسمى «أيت ياف المان»، ولقد كان من الضروري الارتقاء بالقرابة لتغطي وحدة جغرافية متجانسة أو بالأحرى إقليما جغرافيا واسعا تتحرك فيه القبائل المتحالفة في فترة تاريخية انعدم فيها الأمن وسادت فيها لغة العنف.
ولا غرو، فالدفاع الذاتي Auto défence طبيعة المغاربة أجمعين، تحتم عليهم التحالف والتكتل عند الحاجة. ولما كان التحالف والقرابة متطابقين في الشكل، ومختلفين في الأسس بحيث يقوم التحالف القبلي على حماية المجال الوظيفي، أو على أساس الوظيفة وتقوم القرابة على أساس الدم. ولما كان أساس القرابة أوثق، نظرا لارتباطه، في معظم جوانبه بالميتافيزيقي، فإن إضفاء القدسية بالدم على التحالف القبلي وعلى كل أشكال التحالفات الأخرى أمر واجب. وباختصار تم الارتقاء بمفهوم القرابة الدموية من مستوى العشيرة إلى المستوى السوسيو مجالي. وهكذاك مفصلا كالتالي.
- الدم وتحالف أيت ياف المان :
ولد تحالف «أيت ياف المان» في القرن السادس عشر ويغلب الظن أنه عقد بعد مجاعة 1521-1522 يضم هذا التحالف : أيت حديدو، أيت مرغاد، أيت يزدك، وعرب بني معقل. ويعد هذا التحالف وظيفيا شأنه شأن التحالف الزناتي في القرون الأولى من ميلاد المسيح. صمد التحالف كثيرا أمام الدهر ولم يتشتت عمليا حتى فرضت القوات الفرنسية سيطرتها على كل الأطلس الكبير الشرقي بعد معركة أيت يعقوب سنة 1929. والتحالف وجه آخر من القرابة وبالتالي فتغليفها بالدم أمر وارد.
وللإشارة فالتحالف القائم على طريقة الدم يتم في جمع عام بين زعماء القبائل يختار هؤلاء ذبيحة مشتركة بالمساهمة بين القبائل المتعاقدة. وتذبح في مشهد جماعي ويحتفظ بدمها الذي سال منها أثناء الذبح في قصعة ؛ ثم توضع أيدي الزعماء المتعاقدين الذين اختارتهم قبائلهم لتمثيلها في هذا التعاقد. ونضيف أن هذه الطريقة متأخرة ويغلب على الظن أن تحالف «أيت ياف المان» ؛ آخر من استعملها.
وإذا تمعنا في التحالفات القائمة على أساس الدم، تحالف زناتة، تحالف أيت ياف المان نجدها تعمر طويلا لأنها قائمة بالدرجة الأولى على الوظيفة وبالدرجة الثانية على الدم.
والدم هو الذي جعل العهد مسؤولا لأنه رمز تخشاه كل القبائل. وبمعنى آخر فاستعمال الدم ليس إلا دعوة للأرواح للمشاركة كشهود، وبالتالي فكل زائغ ضال يهلك وكل متضامن محترم لرمز الدم يجد دعما من القوى الغيبية ويكون النجاح حليفه على الدوام.
لقد ساهم الدم في تماسك تحالف «أيت ياف المان» وصموده في مجال جغرافي واسع.
- طلب الحماية بالدم :
كان من المتعذر في القرون الماضية ضمان استقرار الأقليات العنصرية، بين ظهراني الأغلبية بدون حماية. والمقصود بالحماية احتماء الضعفاء من الأشخاص أو الضعفاء من الأسر والعشائر بالقبائل القوية أو بإحدى بطونها أو عشائرها. وتتم الحماية بطريقتين الرضاعة والدم، فالرضاعة، تعني بالأمازيغية أوضوض، طريقة توفر للرضاع «تاظا»؛ حماية، بناء على قرابة الحليب. ولا نعلم علم اليقين كيف يعقد هذا النوع من القرابة؛ ويعني الدم تيغرسي، أو أصحاب الذبيحة وهي كلمة واضحة لا تستدعي التفسير. وللمحميين وضعيات متعددة نذكر منها، على سبيل المثال، ما يلي :
- وضعية التحرك في المجال بكل حرية :
يتمتع أصحاب هذه الوضعية بحق السفر والتنقل في مجال جغرافي ينتمي إلى نطاق قبيلة واحدة أو إلى اتحادات القبائل المتعددة»(18).
- الاستقرار في مجال وظيفي ضيق :
«يفرض في الغالب على الأقليات العرقية المتجانسة أو غير المتجانسة الاستقرار بمجال وظيفي ضيق يشمل موضع البناء وحقولا للاستغلال الزراعي. فوضعها شبيه تماما بوضع الإقامة الجبرية بحيث لا ينبغي لها تجاوز محميتها وإلا ستعرض نفسها للخطر. وفوق ذلك لا يحق لها بناء الأبراج أو دور عالية فهي تسكن في قرى تسمى إحنضار ؛ وتعني الدور البسيطة الحقيرة. ولنستشهد بقرية إحنضار ؛ الكائنة شمال شرق النزالة، جنوب شرق فج تيزي نتلغمت، فهي قرية تضم فسيفساء من الأسر السغروشنية، أيت عبو، أيت بوبكر، أيت بويشو، أيت داود، أيت المرقة، أيت البزبوز، كتب عليها السكن في نطاق جغرافي تسيطر عليه قبائل أيت ازدك ؛ فحرمت من حق الدفاع الذاتي، والتحصين، والمشاركة، في اتخاذ القرار، وبناء الأسوار والأبراج. وللإشارة فوضع كل القرى التي تسمى إحنضار ؛ شبيه إلى حد بعيد بوضع القرى التي تسمى تادارت ؛ أو تيدرين ؛ أو الحارة وجملة القول، فوضع القرى من النوع إحنضار ؛ يعبر عن أدنى درجة التحالف بواسطة الدم.
- الاستقرار في حيز هامشي خارج القرية :
حين تطلب أسرة مشردة، طردتها قبيلتها لسبب من الحماية من قبيلة – أو عشيرة – أخرى فإن استضافتها أو بالأحرى التحالف معا بحسب الدم، يتم وفق شروط محددة تهدف كلها إلى ضمان التجانس. لأجل ذلك تخصص للضيوف الذين طلبوا الحماية بدم الذبائح هوامش القرية المحصنة ؛ وعندما يكثر شملهم يشيدون زقاقا أو دروبا خاصة بهم ؛ وإن تكاثروا أكثر فأكثر فإنهم يبحثون خارج القرية المحصنة عن موضع لائق لتشييد سكن متراص يجمع شملهم يطلق عليه «تيغرمت» ؛ وهي تصغير لـ : «إغرم» ؛ التي ترادف «القصر» بواحة تافيلالت، وقد يطلق عليه الحارت ؛ أي الحارة. وباختصار، فالاندماج لن يتحقق بواسطة دم الذبائح، أي أن الدم سائل لا يذيب العرق ولا يحقق التجانس وإنما يضمن التحالف الوظيفي فقط.
- إصلاح ذات البين بين الأشخاص والقبائل بواسطة الدم :
يعد إصلاح ذات البين بين الأشخاص والقبائل بواسطة وجه آخر من أوجه التحالف. ذلك أن إخماد الفتنة وتوقيف الصراع والتخفيف من حدة التعصب والقضاء على أسباب الثأر معناه خلق جو من التعايش والتحالف والوحدة. وللإشارة فالشخص المؤهل لإصلاح ذات البين بين الأشخاص والقبائل يكون بالضرورة مجردا من أي لباس عصبي مرتديا اللباس الإديولوجي (النسب الشريف – العلم – التصوف). وحينما يبلغ السيل الزبى يتدخل الشخص – أو العشيرة المجردة من العصبية – مستعملا سلاح الدم لإخماد الفتنة. ونذكر أن زاوية سيدي بويعقوب، بأعالي غريس تدخلت مرارا لإصلاح ذات البين بين أيت عطا وأيت مرغاد، وهذا مثال يكفي ليبين مدى تأثير الدم في توقيف النزاعات.
وبشكل عام، فالتحالف الوظيفي ساهم في ارتقاء قيمة القرابة وتطورها لتستجيب لرغبة القبائل في ضمان السلم والتعايش والتعاون والدفاع المشترك عن المجال الوظيفي. والدم رابطة رمزية، لأجل ذلك وظفت كأداة للتواصل داخل الاتحادات القبلية ووسيلة للتواصل مع الأرواح بناء على الاعتقاد بكون العالم غير المنظور محرك العالم المنظور»(19).
خامسا، المرأة وثقافة الشعر
وإلى جانب الدم «يعد شعر المرأة أداة رمزية تسهل الاتصال بعالم الغيب لجلب الخير والشر معا، وبالتالي، فهو كلمة السر تساهم في فهم الكثير من الجوانب الثقافية بالجنوب الشرقي المغربي»(20). والشعر فضاء يختزل خصوصيات القبيلة لأنه قابل للتشكيل والتنظيم وملائم لتثبيت الرموز الطوطمية التي تعود إلى الماضي البعيد. ذلك أن «النظرة الخاطفة إلى رأس المرأة تكفي لتدلك على الانتماء القبلي لها (أيت حديدو، أيت مرغاد، أيت سغروشن) وإن كنت شديد الدقة في الملاحظة، وتعرف الوسط جيدا، فإنك تستطيع التمييز بين العشائر والفخذات في القبيلة الواحدة، فالتمييز بين «أيت يعزة» و«أيت ابراهيم» في وسط قبيلة «أيت احديدو» يتم دون تركيز النظر كثيرا في رأس المرأة. وقد تكون العملية معقدة نسبيا في وسط قبيلة «أيت سغروشن». وباختصار فمعظم قبائل الأطلس توافق على تنظيم رأس المرأة، وفي ذلك التنظيم اتفاق واختلاف ؛ الاتفاق يتجلى في كون الكل يلجأ إلى ضفر الشعر ومشطه وتغطيته برداء يتجانس والزي. والكل يستعمل الحناء والزيت ويوظف رماد نبتة الحلفاء في الغسل قبل انتشار منتوجات النظافة والتطهير (الصابون مثلا) ؛ أما الاختلاف فيتعذر حصره بشكل جامع نظرا لصعوبة الملاحظة كما سبقت الإشارة»(21).
ويعد شعر المرأة مصدر الخير والشر إذ «لا يتوقف اختيار شريكة الحياة في الأوساط القبلية المغلقة بالأطلس الكبير الشرقي على الجمال والمال والأصول الاجتماعية فقط، إنه يتوقف بالدرجة الأولى على الشعر، أي أن المرأة تنكح لشعرها أيضا. ولا ينبغي أن يفهم من الاعتماد على الشعر كمعيار لاختيار الزوجة كونه مثلا، طويلا، أسود، رطبا، فالمعيار الجمالي الحاضر في كل الأوساط يفرض نفسه، وفي بعض الأحيان يشكل جاذبية للقبول أو قوة دفع للرفض.
إن الشعر هنا رمز للتبرك، وبالتالي وجب تحديد المفاهم بالأمازيغية. فالشعر المرتبط بالجمال يسمى «أشكوش» أو «أزار»، والشعر المرتبط بالتبرك يسمى «أدلال». وبعبارة أوضح، فكلمة «أدلال» لا تفيد الشعر من حيث كونه خيوطا وبرية تكسو الرأس والجسم إنها تتجاوز المنظور، الظاهر، الملموس والمحسوس لتتوغل في عالم خارج النطاق المدرك بالحواس الخمس. فصاحبة «أدلال» أو «أم دلال» هي العروس التي تدخل بيت زوجها فينقلب الوضع في اتجاه ايجابي فيحل الغنى محل الفقر، وتعم الخصوبة ويزول العقم، ويسود الفرح ويذهب الحزن. وباختصار، يصبح بيت العروس صاحبة «أدلال» بيت المال والرجال. إن شعر المرأة، في اعتقاد سكان الأطلس الكبير الشرقي، يتصل مباشرة بعالم الأرواح فيجلب الخير الذي يتجلى في المال والبنين ووفرة الماشية وازدهار الأسرة، بشرط أن يكون من صنف «أدلال». ويحدث العكس إن كانت المرأة تحمل شعرا آخر مناقض ل «أدلال» ذي علاقة بالأرواح الشريرة، يطلق عليه «أونزا» حيث تدخل بيت زوجها فتأتي الويلات من كل حدب وصوب، كالهلاك والجوع والخوف والمرض وغير ذلك من الآفات التي تهلك النسل وتقلل من سواد العشيرة. وتنبغي الإشارة إلى أن «تاونزا» مؤنث «أونزا» التي تعني «القصة» (شعر مقدمة الرأس)، ترمز إلى ما هو ايجابي»(22).
سادسا، الرموز المرتبطة بالجنح الجنسية
لما كان العلماء يلعبون «دورا هاما داخل المجتمعات الإسلامية، لأنهم يفسرون رسميا نسق القيم التي تخضع لها جماعة المؤمنين»(23) كما يزعم إرنست كلنير، فإن تأثيرهم لا يعدل كثيرا الجنح المرتبط بالجنس، في علاقتها بمسؤولية المرأة. ذلك أن التراث الرمزي الأمازيغي حاول الصمود أمام عنف ديانات التوحيد. إذ هناك قيم صمدت مكرهة أمام تدخل النصوص الدينية كاختيار الزوج (إملشيل) والطلاق الجماعي الإجباري، وعدم الاستفادة من الإرث. وهناك قيم تعتبر من الفواحش في الدين الإسلامي والدين المسيحي لكنها صمدت في الثقافة الأمازيغية، لأنها مرتبطة بالثوابت الدينية الأمازيغية. ولنأخذ من الأمثلة الزنا. فلا وجود لكلمة الزنا (أو الدعارة) في الأمازيغية محليا لأن المفهوم دخل مع المسيحية ثم زكاه، بعد ذلك، الإسلام. أما اليهودية فقد أدخلت الفظ. ورغم ذلك أقحم مفهوم الزنا في أعراف الأوساط القريبة من المحور التجاري سجلماسة/ فاس، حيث تسود الفتوى. لكن جزاء الفعل يختلف من عشيرة إلى أخرى. ف«كل من أفرط في استغلال امراة سيدفع 100 مثقال«(24) المادة 6 من عرف بوذنيب، و«كل من زنا سيدفع 02 دورو، إن بلّغت المرأة أمره « المادة 45 من عرف الطاوس(25(، و» في حال ما إذا تفاهم الرجل و المرأة واستقر رأيهما على ارتكاب الزنا سيدفع كلاهما نفس الغرامة « المادة 46 من عرف الطاووس(26). و»إذا سفه رجل متزوج امرأة سيدفع 2 دورو « المادة 12 من عرف أيت عشا(27)، (ايت يزدك). نلاحظ «أن العبارات الموظفة في المواد العرفية مختلفة في حمولتها من عرف إلى آخر، من قرية إلى أخرى، فمن السب إلى التحرش الجنسي، إلى الزنا إلى الاغتصاب. ومن الأعراف ما يسقط المسؤولية في جرائم الجنس على المرأة، ويحملها للرجل. وفي بعض الأوساط تسقط المسؤولية على الطرفين، المطلقة من النساء والأعزب من الرجال«(28). ويعنينا أن «إسقاط المسؤولية على المرأة يفيد سحب الإرادة من فعلها. ولا معنى لحرية غير ذات علاقة بالإرادة. ومرد ذلك إلى كون المرأة مهيأة لخدمة هدف واضح، علاقة القبيلة بالماورائي»(29).


الهوامش:
01- تكوين: 16-09-13، انظر كذلك سيد محمود القمني، النبي إبراهيم والتاريخ المجهول، الناشر: مكتبة مدبولي الصغير 1995، ص12. وتعني الغرلة جلدة عضو التناسل.
02- عبد الوافي مدفون، مؤسسة الزواج عند المغاربة المسلمين واليهود، مجلة مسالك- العدد الأول ربيع 2004، ص44.
03- ظلت عشيرة آيت بندق إحدى أبطن آيت عبدي معزولة عن المؤسسة بمفهومها الحديث وبعيدة عنها، وفي سنة 1992 حمل التقطيع جيدا يقضي إلحاق آيت بندق بجماعة إملشيل القروية أو بالأحرى إقليم الرشيدية، وللإشارة فقد كانوا من قبل يتخبطون في أهوال العزلة بأقصى شرق إقليم أزيلال.
04- أحمد باكو، الولاية في الزواج، حكمها وحكمتها وضرورتها، المكتبة الجامعية، الدار البيضاء، ص35.
05- المد لدى بعض العشائر يساوي ديكالتر واحد. وأما الصحفة فتساوي عشرين مدا.
06- يفضل في حطب التدفئة حطب العرعار (تاوالت بالأمازيغية)، أو حطب البلوط الأخضر (تاسافت بالأمازيغية).
07- سورة النساء.
08- حسن حافظي علوي، دراسة وتحقيق (لكتاب) الروضة الغناء في منافع الحناء لمحمد بن محمد بن زين العابدين العمري سبط المرصفي، مقال منشور في (الفلاحة والتقنيات الفلاحية في العصر الوسيط)، مؤسسة الملك عبد العزيز آل سعود للدراسات الإسلامية والعلوم الإنسانية، منشورات عكاط، 2011، ص 18.
09- المرجع المذكور.
10- سورة طه.
11- سورة المائدة، الآية 67.
12- سورة الفتح، الآية3.
13- البرنس هو ما يسمى بالسلهام في المغرب (نزهة المشتاق ص-60...... والبرانس السود المراكشية كانت تصنع في تادلا في القرن العاشر الهجري حسب الحسن الوزان (ماسينيون ص88 – 96). وكان اللون الأبيض خاصا بذوي العلم والوجاهة. ويختص السلطان الموحدي بلبس البرنس الأبيض الرفيع لا يلبسه ذو سيف سواه عدا العلماء فإنه لا حرج عليهم في لبسه أما باقي الألوان فلا حرج في لبسها. (ابن فضل الله العمري – الباب الثالث عشر ورقة 110 حرف أ، انظر عبد العزيز بنعبد الله، الموسوعة المغربية للأعلام البشرية والحضرية، الجز الرابع، مطبوعات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، 1401– 1981، مطبعة فضالة المحمدية، المغرب، ص232. )
14- لحسن ايت الفقيه، إملشيل جدلية الانغلاق والانفتاح، الناشر مركز طارق بن زياد للدراسات والأبحاث، التصفيف والإخراج الفني والطبع إمبريال، الرباط، 2001، ص49.
15- المرجع نفسه، ص47.
16- المرجع نفسه، ص48.
17- المرجع نفسه ص49 وما بعدها.
18- المرجع نفسه ص53 وما بعدها.
19- المرجع نفسه ص56 وما بعدها.
20- المرجع نفسه، ص61.
21- المرجع نفسه ص62.
22- المرجع نفسه ص.ص،62-63.
23- إرنست كلنير، السلطة السياسية والوظيفية الدينية في البوادي المغربية، ضمن الانتروبولوجيا والتاريخ حالة المغرب العربي (بنسالم. كلنر. فافر.بيرك.العروي)، ترجمة عبد الأحد السبتي وعبد اللطيف الفلق، دار توبقال للنشر، الطبعة الثانية 2007، ص 44.
24- Nehlil- Azerf de Boudnib- les archives bérbères- edition difusion Alkalam rabatp87
25- Nehlil- Azerf du qsar de Taous- op- cit p.187
26- Ibid
27- Nehlil - Azerf des Ait Acha- op-cit 199
28- لحسن ايت الفقيه، المرأة المقيدة، دراسة في المرأة والأسرة بالأطلس الكبير الشرقي، منشورات شركة أوداد للاتصال، مطبعة فضالة، المحمدية 2002، ص13.
29- المرجع نفسه، ص14.
- المداخلة الملقاة في ندوة عنوانها «واحات درعة وتافيلالت: الثقافة، التاريخ والتنمية، أي استراتيجية جهوية مندمجة؟»، وارزازات يوم 22 يناير 2012.