نظام الكوتا النسائية آسيويا



عبدالله المدني
2005 / 3 / 29

غني عن القول أن حجم تمثيل النساء في البرلمانات و مواقع صنع القرار العليا في جميع الدول ، بما فيها الديمقراطيات العريقة، لا يتناسب مع حقيقة أنهن يشكلن نصف أي مجتمع و يضاهين الرجال علما و كفاءة و قدرات. حيث تبلغ نسبتهن إلى إجمالي عدد البرلمانيين في العالم 15 بالمئة فقط ، وهي نسبة جد متدنية و تعكس حالة صارخة من الظلم و عدم المساواة.

وعند تفكيك الصورة نجد بطبيعة الحال تفاوتا رقميا من بلد إلى آخر، تقف على احد طرفيه دولة مثل السويد التي استطاعت نسائها الاقتراب كثيرا من كسر حاجز نسبة الخمسين بالمئة بحصولهن على 45.3 بالمئة من مقاعد البرلمان في انتخابات عام 2002 ، بينما تقف على الطرف الآخر دولة مثل البحرين التي لا يضم برلمانها المنتخب أية امرأة.

وإذا كان سبب تدني التمثيل النسوي في الدول المتقدمة يعود أساسا إلى المرأة نفسها بسبب لا اكتراثها بالعمل السياسي بصفة عامة طالما أن جنس النائب أو المشرع في تلك المجتمعات لا يعني الكثير ، فانه في المجتمعات العالمثالثية يعزى إلى وجود سطوة ذكورية و حواجز اجتماعية وثقافية و دينية لا يمكن للمرأة تخطيها بسهولة. وهذا يعني ببساطة اختلال الموازين بصورة مؤكدة لصالح الرجل في أية انتخابات ، مما يستدعي البحث عن آليات قانونية تضمن للنساء مقاعد تمثيلية و بالتالي المشاركة في التشريع وان بنسب غير متطابقة مع نسبتهن إلى إجمالي عدد السكان. ويفرض الموضوع نفسه من زاوية أخرى هي أن للنساء في هذه المجتمعات استحقاقات و أوضاع لا يتوقع من النواب الذكور حمل لوائها، و بالتالي فهن أدرى بها و بما يلائمها من تشريعات.

ومن هنا برزت فكرة نظام الكوتا النسائية الذي يعني ببساطة تخصيص نسبة مئوية من المقاعد البرلمانية للنساء. و بطبيعة الحال قوبلت هذه الفكرة ولا تزال بالرفض من قبل البعض ، وذلك من منطلق انه إذا كنا نتحدث عن العدالة و الديمقراطية فان على المرأة أن تنتزع مقعدها البرلماني عن طريق إقناع الناخبين بشخصها و برنامجها في معركة مفتوحة و ليس عن طريق قرارات فوقية يعطيها ميزة على الرجل.

على انه رغم هذه الاعتراضات ، يلاحظ أن الفكرة تلقى قبولا وشيوعا متزايدا في العالم الثالث ولا سيما في آسيا حيث تمنح غالبية ديمقراطياتها حصة للنساء سواء عبر نص دستوري أو عبر تضمين الأمر في القوانين الانتخابية. ويوجد حاليا 80 دولة في العالم تطبق النظام أو في طريقها إلى الأخذ به.

وتتعدد تطبيقات فكرة الكوتا ما بين تخصيص عدد من مقاعد البرلمان ليتنافس عليها النساء مباشرة أو لتشغل بأسماء نسائية ينتخبها الأعضاء الفائزون في الانتخابات ، وفرض شروط على الأحزاب السياسية المشاركة في الانتخابات بأن يكون ضمن مرشحيها نسبة معينة من النساء. و بعض الدول لا تكتفي بالخيار الأخير فقط وإنما تفرض أيضا على الأحزاب وضع النساء في مقدمة قوائمها الانتخابية كي يضمن الفوز ولا يتعرضن للتهميش الانتخابي. و يسمى هذا بالكوتا المزدوجة ونجد ابرز تطبيقاتها في الأرجنتين.

في آسيا تمثل أوزبكستان ، التي قررت بموجب تعديل دستوري في العام الماضي ألا تقل نسبة النساء بين المترشحين للبرلمان عن 30 بالمئة ، و بما أفضي إلى وجود 21 سيدة في برلمانها المنتخب في 2004 من اصل 120 نائبا (أي بنسبة 17.0 بالمئة) ، ظاهرة جديدة بسبب ما يدور فيها راهنا من مناقشات و حوارات هدفها سن تشريعات جديدة من اجل تخصيص دوائر انتخابية بأكملها للنساء دون الرجال.

وبالمثل فان بنغلاديش تعتبر حالة متميزة لسبب آخر هو أخذها بنظام الكوتا المحددة زمنيا، بمعنى تطبيق الفكرة مؤقتا ريثما تتلاشى الحواجز و الظروف التي تعمل ضد المرأة. ومن قراءة التطورات التي حدثت في هذا البلد ، نجد أن تلك الحواجز لا تزال قائمة بدليل تجديد العمل بفكرة الكوتا المؤقتة مرة بعد مرة. فطبقا لدستور عام 1972 أعطيت النساء 15 مقعدا من اصل 315 لمدة عشر سنوات ، ثم اجري تعديل في عام 1978 ارتفعت بموجبه الحصة إلى 30 مقعدا من اصل 330 لمدة 15 سنة ابتداء من 1972. وفي عام 1990 تجدد العمل بهذا النظام لمدة عشر سنوات أخرى. وبانقضاء الفترة في عام 2001 جرت مداولات طويلة أثمرت عن تعديل دستوري ارتفع بموجبه عدد مقاعد البرلمان إلى 345 مع تخصيص نسبة 13 بالمئة منها أو 45 مقعدا للنساء، على أن ينتخبن - كما كان الحال دائما- بطريقة غير مباشرة أي عن طريق ممثلي الأمة المنتخبين. وتناضل البنغلاديشيات اليوم من اجل رفع هذه الحصة وانتهاج أسلوب الانتخاب المباشر.

ويتميز برلمان تيمور الشرقية بوجود اكبر نسبة من النساء فيه على مستوى آسيا. حيث أدت انتخاباتها التشريعية الأولى في عام 2001 إلى احتلال النساء لثلاثة وعشرين مقعدا في البرلمان المكون من 88 مقعدا أي بنسبة 26.1 بالمئة. هذا على الرغم من عدم الأخذ بنظام الكوتا الذي دارت حوله مناقشات طويلة أثناء خضوع البلاد لإدارة الأمم المتحدة ما بين عامي 1999 -2001. و المثير في حالة تيمور الشرقية أن برلمانياتها بعدما حققن النصر المشار إليه آنفا صوتن ضد مشروع قانون بفرض نظام الكوتا المزدوجة على الأحزاب السياسية.

أما الهند ، كبرى ديمقراطيات العالم، فإنها لا تطبق نظام الكوتا بالنسبة لمجلسي النواب و الشيوخ ، لكنها تفرضه بنسبة 33 بالمئة على المجالس التشريعية المحلية وذلك بموجب تعديلات دستورية حديثة نسبيا. وقد حاولت حكومة جبهة الأحزاب المتحدة في عام 1996 دون نجاح أن تمرر تشريعا يفرض بموجبه نظام الكوتا في انتخابات البرلمان المركزي (لوك سابها). وبالمثل سقط في عام 2003 مشروع قانون يقضي بتحويل 181 مقعدا من مقاعد مجلس النواب إلى مقاعد تتنافس عليها امرأة مقابل كل رجل ، وذلك في محاولة لتحرير بعض المقاعد من هيمنة الرجل الطويلة و المتكررة عليها. وهكذا فان سيطرة الهنديات راهنا على 45 مقعدا من اصل 541 في مجلس النواب (8.3 بالمئة) وعلى 22 مقعدا من اصل 242 في مجلس الشيوخ (9.1 بالمئة) تمت بجهود نسائية ذاتية.

وفي اندونيسيا ، كبرى الديمقراطيات الإسلامية، يضم برلمانها الحالي المكون من 550 نائبا 61 سيدة أي بنسبة 11.1 بالمئة. وهذا يعزى إلى تشريع دستوري حديث تم تبنيه في عام 2004 وطبق في انتخابات العام ذاته. و بموجب هذا التشريع الذي ينطبق فقط على الانتخابات العامة دون المحلية يجب أن يكون ضمن مرشحي الأحزاب السياسية في كل إقليم انتخابي نسبة من السيدات لا تقل عن 30 بالمئة.

وعلى العكس من تايلاند التي لا تأخذ بنظام الحصص و يوجد بالرغم من ذلك في برلمانها الحالي المكون من 500 مقعدا 46 سيدة أي بنسبة 9.2 بالمئة ، نجد أن الفليبين تطبق نظام الكوتا في انتخابات مجلسي النواب و الشيوخ عن طريق إدخال المرأة ضمن الفئات المهمشة و الأقليات التي خصص لها 20 بالمئة من المقاعد. كما أنها تطبق نظام الكوتا على مستوى المجالس المحلية و البلدية و بحيث توجد امرأة واحدة على الأقل بين كل 3 أعضاء.

وما بين عامي 1998 و 2000 ضغطت منظمات ناشطة في سريلانكا باتجاه الأخذ بنظام الكوتا النسائية ، واستطاعت أن تضمن مسودة الدستور الجديد مادة حول تخصيص 25 بالمئة من مقاعد المجالس المحلية للنساء ، إلا أن المادة ألغيت حين التصويت علي الدستور المقترح في عام 2000 . ولعبت الأحزاب الممثلة للمسلمين و الأقلية التاميلية دورا في ذلك بحجة صعوبة العثور على مرشحات في مناطق نفوذهم الأقل نموا و تعليما. وفي عام 2002 حاولت حكومة اتحاد الشعب أن تمرر قانونا يمنح النساء نسبة 25 بالمئة من مقاعد كل المجالس التشريعية و المحلية و القروية ، إلا أنها سقطت قبل إنجاز المهمة. وهكذا ظلت نسبة النساء الممثلات في البرلمان السريلانكي تتراوح ما بين 4-5 بالمئة أو ما معدله عشر سيدات من بين 225 عضوا.

وترتفع أعداد النساء في مجلسي البرلمان الباكستاني مقارنة بغيرها من برلمانات الدول الآسيوية. حيث توجد حاليا 72 سيدة في الجمعية الوطنية المكونة من 342 عضوا (21.1 بالمئة) و 17 سيدة في مجلس الشيوخ المكون من 100 عضو (17 بالمئة). ويعزى هذا إلى التوسع في تطبيق نظام الكوتا ليس إلا. فقد تضمن كل الدساتير الباكستانية المتعاقبة منذ عام 1954 موادا تفرض تخصيص نسبة من مقاعد البرلمان المركزي والمجالس التشريعية الإقليمية للنساء كوسيلة لاختراق هيمنة الذكورة على الحياة السياسية. و بموجب آخر دستور اقر في عام 2002 ، تم تخصيص 60 مقعدا من مقاعد الجمعية الوطنية للنساء أي بزيادة 200 بالمئة عما خصصه الدستور السابق. وعادة ما تشغل هذه المقاعد عن طريق الاختيار من القوائم التي تقدمها الأحزاب السياسية الممثلة في البرلمان قبيل الانتخابات ووفقا لنسب تمثيلها.

أما آخر الدول الآسيوية التي أخذت بنظام الكوتا فهي أفغانستان ، التي ضمنت دستورها الجديد الصادر في العام الماضي موادا تنص على تخصيص ربع مقاعد برلمانها للنساء.

د.عبدالله المدني
*باحث أكاديمي وخبير في الشئون الآسيوية
تاريخ المادة : 24 مارس 2005
البريد الالكتروني: elmadani@batelco.com.bh