أمي... قرة عيني



فوزي بن يونس بن حديد
2013 / 3 / 24

الأم ... قرة عيني
فوزي بن يونس بن حديد
abuadam-ajim4135@hotmail.com
ما أعظم هذه الكلمة حينما ترنّ في أذني، ما أجمل أن أظلّ بجوار أمي، ما أحلى أيام عمري وهي تنتظرني بفارغ الصبر عندما أخرج من البيت، وما أعظم قلب الأم المشفقة الرحيمة على فلذات أكبادها، يعاف الغمض جفناها ولا تشعر براحة إلا بعدما تراني وتطمئن على حالي، إن تألمتُ تألمت، وإن ظُلمت دافعت، وإن جعتُ سارعت لإطعامي، وإن شعرتُ ببرد دثّرتني، وإن شعرت أنني أتوجع حاولت تخفيف مصابي، هذه هي الأم التي عانت آلام الحمل والمخاض والولادة والسهر في الليل من أجل راحتي.
الأم كلمة عظيمة، ترفرف في قلبي، تذكّرني بتعبها وشقائها، تذكّرني أنها لا يهدأ لها بال إلا بعد أن تجدني سعيدا، تبتسم في وجهي كلما رأتني، تسألني عندما تجدني في حيرة من أمري، تمسح عني كل تعب وشقاء، تعلّمني كيف أحترمها وأقدرها وأقبّل رأسها وأنحني لها إجلالا، وأخفض لها جناحي برّا بها كما أمر ربي، علمتني أن الحياة بدونها ظلام، وأن حزنها أو غضبها علي حرام، وأن رضاها هو المبتغى التمام.
كيف لا أطأطئ الرأس لها احتراما وتقديرا، وهي التي عانت طوال عمري حتى ربّتني وصيّرتني رجلا أفقه معنى الحياة، خدمتني طوال عمري فكيف لا أخدمها ما تبقى من عمرها، آثرتني على نفسها في مأكل أو ملبس أو مشرب فكيف أكون أنانيا ولا أحميها، تحمّلت كل أنواع الأذى من أجل أن أصبح عضوا فاعلا في المجتمع حتى إذا اشتد عودي أرميها، كيف أفعل ذلك وهي الحضن الدافئ والحنان الدافق والعطف اللامحدود؟ هي تحتفل بي كل يوم وأكبر في عينيها وتبتسم في وجهي وتفتخر بي وأنا أخصّص لها يوما لأتذكرها هل يستوي ذلك أيها العقلاء؟
أمّي هي ركني الركين وهي الأساس المتين وهي الأصل الدفين، مهما فعلت ومهما قدمت فلن أستطيع أن أردّ لها الجميل، جعل الله عز وجل رضاها شرطا لرضا رب العالمين، ولن تفتح أمامك أبواب الخير إلا برضاها، واحذر غضبها فإن غضب الأمّ يورث النار والعياذ بالله لأن الجنة تحت قدميها، هذه هي وصية رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم الذي حث الأبناء على برّ أمهاتهم وطاعتهن فلا طاعة لله إلا بطاعة الوالدين ولا طاعة للوالدين في معصية الخالق.
ما يجري اليوم في بلادنا، أحوال وأحوال، انظر إلى الأمهات يصرخن وينتحبن لأن أولادهن رموهن في عيادات للمسنين، وبعضهم آثر زوجته على أمّه فأصبحت الأم تندب حظها وتكتم غيظها وتدعو ربها أن يهدي ابنها، بل إن بعضهم فعل بأبويه أكثر من ذلك ألا يستحي؟ ألا يظن أولئك أنهم منبوذون وأنهم من أبنائهم سيتضررون؟ فما فعلته في أمّك يفعله فيك ابنك، والحلقة تدور فلا تغرنك الحياة الدنيا ولا تغرنك بالله الغرور، واعلم أنك كما تدين تدان.
الأم هي التي تحمل وتنجب وترضع وتربّي وتسهر وترتعد فرائصها حينما تغيب عنها، تتمنى أن لا تفارقك لأنك جزء منها، وأنت تنساها في لحظة من الزمن، تنساها عندما تكبر ويشتد عودك، وتتزوج وتنجب أبناء، تنساها لأنك مشغول عنها بملذاتك وشهواتك، بعملك ومرحك، تنساها لأنها كبرت ولم تستطع أن تقوى على الحياة بمفردها، تحتاج إلى مساعدة، تنظر يمينا وشمالا فلا تجد أحدا، تسبّح لربها وتذكره، وتتذكر سنين عمرها وهي التي تحملت المعاناة والألم من أجلك، واليوم تجعل لها يوما واحدا تأتي إليها وتقبل رأسها في تمثيلية مبهمة ومخزية إلى حد كبير، إنها أمك، إنها أصلك فهي التي كانت سببا في وجودك وتحملت وزنك في بطنها، هكذا أصبحت الأم عندنا نرميها في ديار المسنين ولا نبالي بحياتها، من يفعل ذلك لا يعرف قيمتها ولا قيمة الحياة بقربها.