المفهوم الاشتراكي لقضية المرأة



النهج الديمقراطي
2003 / 3 / 8


إن قراءة لأشغال ونتائج مؤتمر بيكين انطلاقا من الظرفية السياسية العالمية التي مر فيها والمتميزة باختلال موازين القوى بشكل كبير لصالح الإمبريالية وضعف الحركة الاشتراكية تؤكد ارتباط القضية النسائية ارتباطا وثيقا بالصراع السياسي بشكل عام، مما يقضي بنا سواء كيسار يتبنى الماركسية كأداة للتغيير،ويصبو إلى خلق شروط النضال  من أجل مجتمع اشتراكي، أو كمناضلات هذا اليسار، بشكل خاص إلى طرح مهمة أساسية في نضالها هي النضال على المستوى الأيديولوجي والفكري لمناهضة الفكر الوحيد والدفاع عن الاشتراكية.

إن التوجه الذي أخذته الحركة النسائية في العديد من بقاع العالم وتوظيفها لعولمة قيم الليبرالية، ومحو تاريخ نضال النساء من أجل الاشتراكية لا تستثنى منه الحركة النسائية المغربية التي كادت أن تلتهمها المنظمات الدولية غير الحكومية والتي في غالبها منظمات تهيمن عليها البورجوازية وتحاول عبرها تقويض الحركة النسائية المناضلة غبر العالم لتصبح أداة توجهها بشكل غير مباشر من خلال تمويلاتها المشروطة وتوجيهاتها وإغراقها بذلك في منطق اقتصاد السوق الذي هيمن على مؤتمر بيكين بشكل واضح.

إن مهمة مناهضة هذا الهجوم يستوجب استحضار تاريخ الحركة النسائية الاشتراكية في العالم ودورها في الصراع الطبقي. وليس التناقض بين حركة نسائية بورجوازية وحركة نسائية تعتبر نفسها جزءا لا يتجزأ من الحركة العمالية وليد مؤتمر بيكين بل هو صراع بدأ منذ بداية الحركة الاشتراكية نفسها فقد قالت الكسندرا كولونتاي :

" إن قضية النساء ليس لها من وجود مستقل، فهذا العنف المميز للمجتمع البورجوازي والمضطهد للمرأة إنما هو ناشئ جزئيا عن التناقض الاجتماعي بين الرأسمال و العمل.

وقد أدى التعارض بين مساهمة المرأة في العمل وبين افتقارها العام للحقوق إلى بروز ظاهرة كانت مجهولة تماما حتى الآن : ولادة الحركة النسائية، وقد انقسمت هذه الحركة منذ انطلاقتها بين تيارين متعارضين تماما : تيار نظم نفسه تحت حركة نسوية بورجوازية، وآخر اعتبر نفسه لا يتجرأ من الحركة العمالية."

لقد ولدت الحركة النسائية في نفس المرحلة التي ولدت فيها الحركة العمالية في منتصف القرن 19 نتيجة التغيرات التي جاءت بها الرأسمالية في علاقات الإنتاج وإعادة الإنتاج وهما ركائز كل المجتمعات البشرية. فالاختلالات التي أدخلتها علاقات الإنتاج الرأسمالي على عيش النساء هي التي أسرعت بولادة الحركة النسائية وخاصة فيها خروج المرأة للعمل، وتعتبر هذه الفترة هي الفترة التي وعت فيها النساء لأول مرة ليس اضطهادهن فحسب ولكن كذلك إمكانية تغيير واقعهن.

ولم ينته التناقض بين الحركتان النسائيتان العمالية والبورجوازية بانتصار الاشتراكية في بداية القرن 20 ولا بهزيمتها في الحرب الباردة من خلال التجارب المطبقة، إنما يتأثر بموازين القوى التي تطرح على النساء الاشتراكيات العمل على الواجهة الأيديولوجية كما على الواجهة السياسية للمساهمة في تعزيز موقع الطرح الاشتراكي لقضية المرأة.

 

الجوانب الأساسية للطرح الاشتراكي لقضية المرأة
I -حق العمل :

يقول ماركس في أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة أن : مساهمة المرأة في العمل المأجور هو نقطة انطلاق وشرط التحرر السياسي والقانوني والجنسي للمرأة "

كما قالت الكسندرا كولونتاي في محاضرات حول تحرر النساء عن دور المرأة العاملة في الصراع الطبقي :

" في عصر الشيوعية البدائية كانت القبيلة تكن الاحترام للنساء لأنهن كن من جهة أولى يؤدين دورا إنتاجيا أساسيا، وينجبن من جهة ثانية الأطفال فيضمن البقاء للقبيلة. لكن عندما أضحى الرجال يقومون بكامل الأعمال الإنتاجية، ما عاد المجتمع يرى من مبرر لاعتبار المرأة متساوية للرجل وان كانت قد بقيت تنجب الأولاد، فكي يكون المجتمع على استعداد لإعارة أهمية خاصة لوظيفة المرأة الاجتماعية كأم وكمربية، ويخصها بمساعدة وحماية تناسب وهذه الوظيفة فلا بد أن تؤدي المرأة عملا اجتماعيا مفيدا أسوة بالرجل تماما".

لهذا كان شعار الحركة النسائية العمالية الحق في العمل حيث ناضلت النساء العاملات من أجل الحق في الانتساب إلى النقابات والمساواة في الأجور، وحماية العمل النسوي، ورعاية الأمومة.

ولم تكن هذه المطالب دون صعوبات فقد عرفت الطبقة العاملة عدة صراعات داخلية وصلت حد مطالبة العمال بمنع اشتغال النساء غير المؤهلات لكي لا يتعرضوا لتدني الأجور، كما منعت بعض النقابات انتساب النساء لهن. وتقول الكسندرا كولونتاي أن " ما من طبقة حديثة العهد تستطيع أن تحدد بسرعة أين تكمن مصلحتها الفعلية".

وقد قال طوني كليف :" لا يؤدي الاضطهاد بحد ذاته وبالضرورة إلى النضال من أجل التحرر فاضطهاد النساء، اذ يغرقهن ويحبسهن بين جدران البيت الأربعة يدفع بهن في غالب الأحيان إلى الخضوع وقلة الحيلة، وفقط حين تملك النساء قوة جماعية بوضعهن عاملات تكتسين الثقة في النضال ضد الرأسمالية، وحينئذ يصبحن قادرات أيضا على مقاومة اضطهادهن بوصفهن نساء" أي أن نضال العمال ضد الاستغلال هو مفتاح نجاح نضالهم ضد جميع أشكال الاضطهاد، لذلك فإن أول خطوة تخطوها نساء الطبقة العاملة لدخول ساحة النضال من أجل تحريرهن كنساء في نبذ عزلة البيت ودخول المجال الاجتماعي المتمثل في الإنتاج".

 

II – ثورات النساء جزء من ثورات الشعوب

لقد اعتمدت العديد من ثورات الشعوب على النساء، كما انصهرت مطالب النساء في التحرر والانعتاق في مطالب الشرائح المضطهدة في العديد من البلدان، وقد انخرطت النساء بشكل مثير في أغلب مراحلها بما فيها أرقاها وهي الكفاح المسلح وارتبطت آمال هذه الشعوب في التحرر بآمال نسائه في مغادرة الغبن والحيف والاضطهاد والتمييز.

ومن بين ما تم ملاحظته كذلك هو تراجع نضال النساء بمجرد فشل أو انحراف هذه الثورات حيث كانت أول أكباش الفداء.

1- ففي الثورة البورجوازية الفرنسية، وبينما ركزت النساء البورجوازيات على المطالب السياسية عبر كراسات الثورة ومطالبات بتحسين قوانين الزواج وكذلك تحسين تعليم الفتيات، وقدمن بذلك إعلان حقوق النساء للملكة على غرار إعلان حقوق الإنسان فان نساء الطبقات البورجوازية، وهن لم يعارضن هذه المطالب البورجوازية ولكنهن ربطن حقوقهن بحقوق الشعب والشغيلة منه أساسا، حيث كانت مشكلات التضخم والجوع والبطالة تجثم عليهن. وكانت أكبر مظاهرات الخبز من تنظيم النساء وبالأخص " مسيرة 5 أكتوبر لقصر فرساي، حيث طالبن بالخبز ونزعن السلاح للحرس وسلمنه لرجالهن الذين كانوا يتبعونهن ".

وساهمت النساء في النضال السياسي كذلك وفي العصيان المدني وفي الحرب الثورية إلى أن أزعجن التيار اليميني في الثورة وعمل على توقيف هذا المد النضالي النسائي، بعد أن استغله إلى أبعد حد، وحتى التيار الأكثر ديمقراطية في الثورة اعتبر " ان استمرار الحركة النسائية الثورية هو تهديد للحرية ".

وحين انزلقت الثورة نحو اليمين انطلقت حملة ضد نضال النساء وضد حقوقهن بشتى المبررات بل تم تهديدهن بالإعدام وأعدمت العديد منهن فعلا ومنهن حتى بعض البورجوازيات.

وقد كان ضرب الحركة النسائية تمهيدا لضرب يسار الثورة المتمثل في الجمعيات الشعبية وحركة الأذرع العارية التي كانت حركة شعبية ثورية متعاطفة مع الشغيلة.

وبدأت سلسلة من التراجعات عن إنجازات الثورة وانتصار يمينها بعد ان خدمه اليسار بضرب حلفائه من النساء والشغيلة.

2-اما نساء كومونة باريس : فقد كتب عنهن أحد الرجعيين " إن أولئك الهاربات من شغل البيت كن يتقمصن جان دارك بكل جدية، ولم يكن ليترددن في مقارنة أنفسهن بها...      وخلال الأيام الأخيرة صمدت تلك السليطات المولعات بالقتال أطول مما فعل الرجال خلف المتاريس".

كما لعبت النساء دورا رائدا في تجنيد الجنود واستقطابهم إلى صفوف الثورة، وكانت النساء منظمات في الفرع النسائي للأممية الأولى الذي تأسس في أبريل 1871 . وقد أعطى الكومونة صورة عما يمكن ان تشكله حقوق النساء ومدى ارتباطها بحقوق العمال وقد تبين بعد سقوط الحكومة الشعبية الحقد الذي كنته نساء البورجوازية لنساء الكومونة والنصيب الذي نالته النساء من الاعدامات بعد ذلك السقوط.

3- وقد ارتبطت الحركة النسائية الأمريكية في القرن 19 بولادة الحركة المنادية بإلغاء العبودية حيث تعلمن في إطارها أساليب التنظيم والنضال وقال أحد المفكرين " إن حركة النساء وحركة العبيد بقيت لمدة  ربع قرن من الزمن تتغذى إحداهما من الأخرى " وتأثرت الحركة النسائية بالمشاكل التي عرفها اليسار والتذبذب السائد وسط الاشتراكيين مما دفع بالنساء العاملات إلى الابتعاد عن هذه الحركية ودفع بعموم النساء إلى خيار.

" وحدة الحبس " حسب تقييم طوني كليف ( نقد النسوانية ) أي المفهوم البورجوازي لقضية المرأة.

 

III – دور النساء في نضالهن الخاص

إن الرؤيا الاشتراكية لقضية المرأة تنظر إلى نضالها كجنس مضطهد يجب أن تقوم به المرأة نفسها إن هذه الرؤيا هي التي جعلت الحركة الاشتراكية والمفكرين الاشتراكيين يطرحون ضرورة تنظيم النساء ونضالهن من أجل تحقيق مكاسب جزئية تساهم في انخراط أوسع للنساء في النضال التحرري للطبقة العاملة فقد قالت اليانور ابنة ماركس : " على الطبقات الرازحة تحت الاضطهاد وعلى النساء وعلى منتجي الخيرات أن يفهموا أن انعتاقهم لن يتأتى إلا من جهودهم بالذات، وسوف تجد النساء حلفاء لهن من بين ذوي القدر والشأن من الرجال مثلما ستجد الشغيلة حلفاء لها في شخص الفلاسفة والفنانين والشعراء فليس للنساء أن يأملن شيئا من الرجال كفئة كما ليس للعمال ان يأملوا شيئا من الطبقة المتوسطة كطبقة..".

ورغم الصراع الذي عرفته التيارات المكونة لحركة تحرير المرأة في الدول الغربية بين النسوانية البورجوازية والتيارات الثورية والتي حاولت الأولى خلاله أن تزيح عن المناضلات الشيوعيات دورهن في النضال النسائي وتعبر عن قناعتهن بخصوصية أوضاع النساء معتبرة إياهن عميلات للرجال في أحزابهن.

فإن العديد من الكتابات توضح أن الماركسيات طرحن أهمية النضال النسائي في وقت مبكر والخلاف الحقيقي حاصل في المنظور إلى هذا النضال، منطلقاته، وسائله وأهدافه فالحركة النسائية والبرجوازية تبرئ الرأسمالية من كل مسؤولية في الأوضاع التي تعيشها النساء ويعتبرن المجتمع البطريركي مسؤولا وحيدا على ذلك، وأن تنظيم النساء يجب أن يتم بشكل مستقل عن أي نضال سياسي، بينما تقدم شيلا رويتهام صاحبة كتاب " الثورة وتحرر المرأة " تحليلا لعلاقة وعي ونضال النساء بالوعي وبالنضال الطبقيين حيث تقول: " ان تكون للنساء حركتهن الخاصة بهن شيء وأن يقطعن جميع صلاتهن السياسية بسائر الحركات القائمة شيء آخر ولعل هذا الشكل الأخير من الانعزالية النسوية يغري ببساطته فهو يبدو وكأنه يتيح إمكانية تركيز جهودهن على معركتهن الخاصة، وهذه في الحق نظرة طوباوية في غاية السخاء والكرم فالتقدم يعتبر هنا مسيرة طويلة وأحادية الخط نحو هدف بعينه، ومثل هذه النظرة تستبعد فكرة حركة حية فاعلة في التاريخ إنها تنسى أن يقظة الوعي لدى بعض الفئات المحددة من جمهرة المضطهدين تكون جزئية ليس إلا. صحيح أن يقظة الوعي تلك يجب أن تتم وأن تتجلى في داخل الحركة لكن لا يمكن تسييسها بالمعنى الثوري إذا لم تسع إلى عقد الاتصال مع تجارب فئات مضطهدة أخرى.

إنها تجازف بحبس نفسها بخصوصيتها وانعزاليتها وهذه القاعدة تسري على النساء سريانها على السود أو على الشغيلة".

إن خصوصية الوضع، وخصوصية النضال أدى الى طرح المسألة التنظيمية. وقد عملت المناضلات الشيوعيات على خلق أشكال خاصة لتنظيم النساء. اذ طرحت مسألة نوادي النساء في روسيا في خضم النضال الحامي للحركة الثورية في أواخر القرن 19 عشر من أجل انعتاق المرأة، حيث الفكرة القائلة أن تحرر النساء من المظاهر الأساسية من الحركة الثورية. فعملت هذه الأخيرة على انضمام العديد من النساء لها بل طرحت المناضلات الشابات أن هذه النوادي يجب أن لا تكون مختلطة حتى تتعود النساء على طرح آرائهن بشجاعة.

كما عرفت النساء الثوريات أشكالا أخرى للتنظيم كحلقات النقاش التي كانت تنشر مواضيعها في الصحافة. أو البيوت المشاعية التي كانت تقطنها المناضلات اللواتي يقطعن الصلة بأهاليهن وأزواجهن.

إن هذه الأشكال التنظيمية لا يمكن فصلها عن المنظور العام الذي كان سائدا حول التنظيم السياسي والذي كانت تحكمه النظرة اللينينية المرتكزة على الاحتراف السياسي وهي التي انعكست على أشكال تنظيم النساء والمرتكزة على التحرر الشخصي  بل كان شرطا مسبقا للتعبئة النسائية وكانت تسميه كلارازيتكين قوة الإرادة.

وقد أتاحت أشكال التنظيم هاته والتربية السياسية التي تتلقاها النساء إمكانية إسماع صوتهن في النقابات العمالية والمداولات العامة واجتماعات الحزب.

وفي الفيتنام تأسس " اتحاد النساء لتحرير فيتنام الجنوبية " تجاوزت النضال الخاص بالمرأة إذ تولت النساء المنضويات فيه تحرير القرى بأنفسهن كما عمل على مساعدة النساء على امتلاك الثقة بأنفسهن وكذلك اللواتي يعشن معيقات مادية ولا موارد لهن.

وعلى مستوى التنظيم الخاص بالنساء فقد ساهم بيبل وانجلز بصفة شخصية في تطوير حركة اشتراكية نسائية في ألمانيا كانت تقوم بإصدار نشرتها الخاصة لتمويل منظماتها الخاصة بنفسها.

 IV – تحرر النساء هي حركة انعتاق طويلة الأمد :

تعاني النساء حتى في المنظمات الاشتراكية والثورية من وضع دوني هو نفسه الذي يعيشنه في المجتمع وقد جاء في كتاب الثورة وتحرر المرأة أن العديد من الثوريين يعجزون حتى بعد ان يصيروا اشتراكيين عن التخلص من ازدارئهم للنساء ". وكانت تلك المعضلات الكبيرة التي لم يتوفر لها حل.

وفي هذا الصدد يقول بيبل :

" ثمة اشتراكيون يعارضون انعتاق المرأة بمثل الشراسة التي تعارض بها الرأسمالية الاشتراكية. ان كل اشتراكي يميز حالة تبعية الشغيل اتجاه الرأسمالي، ولا يفهم كيف للآخرين وبالتحديد الرأسماليين رفض التسليم بذلك. لكن هذا الاشتراكي عينه لا يميز في كثير من الأحيان حالة تبعية المرأة تجاه الرجل لان المسألة تمس عن كثب أناه الصغير الخاص ".

إن هذا الموقف من حقوق النساء يؤكد أن تحرر النساء لن يتحقق بمجرد قيام ثورة كما تقول رويتهام، بل هو سيرورة انعتاق طويلة الأمد، كما قال كاسترو : " في الوقت الذي يتعذر فيه القضاء على الاضطهاد الجنسي والعرقي في إطار الرأسمالية، فإن تشريك وسائل الإنتاج لا يضع له حدا بصورة آلية فعلى الفئات المضطهدة أن تواصل النضال وتحدث ثورة في الثورة ".

إن التجارب المطبقة للاشتراكية، رغم كل الانتقادات التي وجهت لها والانحرافات التي عرفتها فلا يمكن إنكار التطور الذي عرفته حقوق المرأة وتحسن في أوضاعها بفضلها رغم انها لم تكن في مستوى ما كانت تطرحه الكتابات والنظرية الاشتراكية حول هذه المسألة. بل أكثر من هذا فبعد انهيار هذه الأنظمة فإن أول من أدى ثمنها هو النساء بسبب تقلص الاعتمادات التي تخصص عادة للمرافق الاجتماعية، وهي التي لعبت دورا أساسيا في تحرير النساء من براثن الاستغلال المنزلي وسمحت لهن بتقلد العديد من المناصب واكتساح ميادين متعددة وقد كان لغياب التنظيمات المستقلة للنساء كما لغيرها من الفئات الاجتماعية انعكاس على سلبيتها في مواجهة تدهور أوضاعها والتراجع عن مكاسبها وعلى رأسها حق العمل الذي كان أول وأهم مكسب ينزع من النساء مباشرة بعد انخراط دول أوربا الشرقية في اقتصاد السوق والتخلي عن الاقتصاد الموجه.

 

V – الحركة النسوانية المعاصرة :

إن الحديث عن المفهوم الاشتراكي لقضية المرأة يفرض علينا الاطلاع ولو بشكل وجيز على تجربة الحركة النسوانية البورجوازية وآليات عملها ومطالبها.

فقد عرفت العديد من الدول الغربية هذه الحركة وإن اختلفت الأسباب التاريخية التي ساهمت في تشكلها أو استمراريتها وان ما يميز بعض هذه الحركات هو انخراط شرائح مختلفة من النساء وسطها.

وقد ساهم تخلف مواقف بعض أحزاب اليسار من قضايا المرأة إلى لجوء النساء المنتميات للطبقة المستغلة لهذه الحركات وخير مثال على ذلك تعامل اليسار في أمريكا مع حقوق النساء وازدراء مناضليه من تواجدهن في مجالات النضال المختلفة.

إن أهم ما تعرف به هذه الحركات هو تركيزها على مصدر اضطهاد النساء الذي تحدده في المجتمع البطريركي والذي يفضي بها نظرا لهذا التحليل الى الدعوة لخلق حياة للنساء خاصة بهن منعزلة عن الرجال كجواب عن اضطهادهن من طرفهم. وخلافا للنظرة السائدة حول هذه الحركة لكونها حركة نخبوية فقد كانت في العديد من الدول كأمريكا، فرنسا، كندا وألمانيا ذات طبيعة جماهيرية  تعتمد المجابهات المستمرة والمظاهرات الصاخبة والاعتصامات والكتابات الكثيرة واحتلال العاملات منهن للمعامل. وقد عرفن السجون والاضطهاد بسبب آرائهن ".

وقد كان هذا التصور يشكل تيارا من بين تيارات أخرى وسط الحركة النسائية الغربية وكانت تنفرد بآليات عمل خاصة بها.

فالنساء في هذا التيار يعملن ضمن مجموعة أحياء يهدفن إلى القضاء على العقليات التي تختزل النساء في موضوع الجنس والإنجاب وتكرس التقسيم التقليدي للأدوار بين الجنسين وهكذا طالبن بالحق في التحكم في أجسادهن عبر الاعتراف بحق استعمال وسائل منع  الحمل، والحق في الإجهاض والمعاقبة الصارمة على الاغتصاب والاعتراف بالاغتصاب في إطار الزواج وتضمرن عداءا للأحزاب السياسية بما فيها اليسارية إذ تعتبرها أعمدة للنظام الذكوري القائم.

لا تجرأ على وضع موضع المساءلة علاقات الهيمنة التي تربط الرجل بالمرأة مما يضعهن في مواجهة المناضلات اليساريات وخاصة الشيوعيات اللواتي كن يسمين " بتيار الصراع الطبقي " ويتهمن " بالعمالة لصالح الرجال المشرفين على أحزابهن ".

إن هذا التصور للنضال النسائي الذي انحرف إلى الدعوة إلى مقاطعة الرجال معتبرا أن تحرر النساء هو تحرر كل امرأة على حدة كان جد متطرف.

وقد ساهم تطرف هذا التيار في تأجج الصراعات الداخلية لحركة تحرير النساء، خاصة بعد استنفاد هذا الأسلوب لإمكانياته وتحقيق المطالب الأساسية التي طرحها. ولكنه في نفس الوقت ساهم في تليين موقف بعض الأحزاب اليسارية خاصة الحزب الشيوعي الفرنسي اتجاه خصوصية أوضاع النساء، والتي اعتبرها كلود ألزون ْ( كتاب المرأة الخادمة المرأة المجلة أو السلطة البورجوازية والسلطة الذكورية " ماسبيرو " ).

لم تكن تعكس المواقف الصريحة لانجلز وماركس وبيبل حول هذا الموضوع. إن ما ضجرت منه النسوانيات هو موقف لينين المناهض للإباحية الجنسية وكذا التراجع الذي حصل في سياسته اتجاه الأسرة بعد الفوضى التي خلقتها القوانين الثورية التي أعلن عنها والتي لم يكن المجتمع السوفياتي مستعدا لها ".

يجيب الطرح الاشتراكي عن هذا التصور عبر كتاب انجلز " اصل العائلة والملكية الخاصة والدولة " حيث يقول : ان ظهور الملكية الخاصة وانقسام المجتمع إلى طبقات هو الذي أدى إلى إخضاع النساء، وفي ظل الرأسمالية تتم عملية إنتاج ضروريات الحياة من خلال عملية اجتماعية بينما تتم عملية تجديد النوع البشري – تنشئة الأطفال- كعملية خاصة تتم أساسا في محيط الأسرة المغلق وترجع بدور اضطهاد النساء إلى الازدواجية بين الاثنين ولذلك لا يمكن فصل النضال من أجل تحرير النساء عن النضال ضد الرأسمالية.

ويعتبر كذلك الماركسية ان نظام الاسرة مبني على الاستغلال المنزلي للنساء والوضعية الاقتصادية للمرأة إنها المؤسسة التي تعيد إنتاج الاضطهاد الخاص بالنساء كجنس.

 خــلاصـة :

لقد عرف العالم تطورات كبيرة، ويفصلنا عن التجارب الاشتراكية الأولى أزيد من قرن كما تفصلنا عن تجارب الحركة النسوانية الحديثة أزيد من 20 سنة.

إن التحديات التي يواجهها الفكر الاشتراكي تتطلب الأخذ بعين الاعتبار الواقع المتغير باستمرار حيث يطرح على الحركات المناضلة مهمة الاستفادة من هذا التاريخ العريق لنضال الشعوب ومنه كجزء كبير نضال النساء واستحضار المستجدات المتجلية أساسا في ما راكمته الإنسانية من مكاسب وعلى رأسها الترسانة الكبيرة من المواثيق والعهود الدولية لحقوق الإنسان وكذلك هذه الثورة التكنولوجية التي جعلت من المعلومة سلاحا في أيدي من يستولي ويملك وسائل الإعلام، وكذلك تطور الأشكال التنظيمية التي تبنتها الجماهير الشعبية للدفاع عن نفسها وتحصين مكاسبها.

ان المجال النسائي هو الذي تتكثف فيه كل هذه المتغيرات والمستجدات، وتجعل بذلك إطارات اليسار والمناضلات اليساريات بشكل خاص بين خطر التحجر والتعصب والحلقية وخطر الانحراف وراء التيارات الجديدة في الحركة النسائية العالمية والمحلية.