ممارسة العنف والقتل ضد المرأة في العراق



مصطفى محمد غريب
2013 / 5 / 30

يشهد العراق تصاعداً غير مسبوق في العنف وقتل النساء، وتتناول وسائل الإعلام والتصريحات الرسمية العثور باستمرار على جثث نساءٍ تحت طائلة القتل بمختلف الوسائل، ويندرج العراق في قائمة الدول التي تعتبر مرتفعة في خرق حقوق الإنسان وحقوق المرأة وعدم المساواة، ويعتبر القتل في أكثر الأحيان وكأنه علاج لمرضى العقول المتخلفة التي ترى في المرأة مجرد آلة صماء بكماء ليس لها أي شعور أو أحاسيس كانسان لا يختلف عن الرجل إلا بالجنس ووظائفه ، وتشهد ساحات البلاد يومياً حوادث قتل النساء تحت حجج لا يمكن أن يقبلها العقل المتمدن، وقد تكون هذه الحجج عبارة عن مخرج من العقاب القانوني حيث الادعاء بأنها جرائم الشرف وكأن الشرف مرتبط فقط (وليعذرني القراء ) " بمكان بول المرأة " بينما النظرة الحضارية والإنسانية ترى في الشجاعة والأمانة والصدق وعدم الكذب وقول الحق والإخلاص والتفاني والتضحية والوفاء والإقدام في عمل الخير والدفاع عن حقوق الناس المشروعة..الخ معنى للشرف الحقيقي المبني على القيم الأخلاقية والوطنية، و وبهذا يسد القانون أذنه ولا يكلف من القائمين والمسؤولين أنفسهم بالبحث عن مسببات أخرى، مسببات في مجتمع يغطي عليه الرجل بقوانينه وتقاليده واستخدامه الدين في تنفيذ ما يرغب به وليس ضمن خريطة حقوق المرأة وواجبات الرجل في المجتمع ، ففي مجتمع يُخضع الرجل المرأة لكل رغباته الاجتماعية والسياسية والثقافية والجنسية لأنه رجل فقط لا غير يحلل لنفسه ما يشاء ويحرمها حتى لو كانت حقوق طبيعية للمرأة، ليس بالذكاء الخارق أو الثقافة العالية أو العمل أو الإخلاص والوفاء أو التحصيل العلمي بل لأنه ذكر وله الحق المطلق فيما يفعله من موبقات وخطايا ولا يحاسب عليها، لكن المرأة لمجرد أن تكشف وجهها أو يديها أو شعرها تعاقب بالقتل كزانية أو عاهرة أو ممارسة العنف الجسدي والنفسي بحجة العقاب الدنيوي وعقاب الآخرة، هذا هو القانون الساري في أكثرية المجتمعات العربية والإسلامية التي تدعي أنها تتمثل بالشريعة الإسلامية لكن الذي يحقق في جرائمها يجد أنها لا تُطبق إلا الخلل العقلي الظلامي الذي ليس له ارتباط ليس بالإسلام فحسب بل بجميع الأديان الأخرى، أن النسب الآخذة بالارتفاع لقتل النساء فاقت الكثير من التوقعات وسجلت أرقاماً مخيفة خارقة بذلك إعلان الجمعية العامة للام المتحدة حول حقوق المرأة وبالضد من العنف ولوائح حقوق الإنسان كما سجل العنف والاغتصاب للمرأة أرقاماً أعلى من السابق، وهو مؤشر ودليل على استمرار النظرة الدونية لها ولحقوقها المشروعة، ومقابل هذا العنف بأنواعه المنزلي وخارج المنزل فان الحماية القانونية المطلوبة من قبل أجهزة الدولة الأمنية أو من قبل المسؤولين فيها تكاد أن تكون اقل بكثير من المستوى المطلوب، لا بل على العكس فقد توسعت عمليات القتل بحجج كثيرة في مقدمتها ما يسمى ويعرف بغسل العار لمجرد الشبهة والظن في كثير من الأحيان، والعقاب القانوني لهذا النوع عبارة عن التغاضي وغلق السمع أو أحكاماً بالسجن تكاد أن تكون شبه براءة للقاتل لا بل عبارة عن مكافأة له على ما قام به من جريمة نكراء، أما القتل الذي تتبناه قوى الإرهاب والمليشيات المسلحة السرية بحجة الزنا فحدث فلا حرج، فهناك حالات لا تحصى شهدتها المحافظات والعاصمة بغداد لقتل النساء وبخاصة في الفترات الأخيرة، بدون البحث وإيجاد حلول لهذه الحالات غير الإنسانية المنافية لأبسط حقوق الإنسان، وفي الكثير من هذه الحالات مثلما أشرنا مبنية على الظن والشكوك لطالما فندتها التحقيقات القضائية والقانونية النزيهة والفحوصات والمختبرات الطبية فيعلن عن براءة القتيلة التي ظلمت وفقدت حياتها بسبب عقلية التخلف دون أي ذنب ارتكبته ، آو قضايا عادية لا ترتبط بمفهوم الزنا أو الدعارة، الجرائم التي ترتكب بالضد من المرأة ليست مقتصرة على القتل فحسب بل تتعداه على الحقوق الطبيعية والمشروعة لها، فهي معرضة للاستغلال والإهمال من قبل أناس غير أسوياء لا دينياً ولا أخلاقياً ولا فكرياً، ففي الجانب المنزلي نرى العنف ظاهرة تكاد ان تكون شاملة تقريباً وتشكل نسبة واسعة وعالية في الأسر العراقية، فضلاً عن وجود حالات الاتجار المخالف للقوانين والمضاد للقيم الإنسانية، وهن معرضات للابتزاز والاستغلال الجنسي ، ولهذا أن الانتهاكات التي تتعرض لها المرأة العراقية ليست فقط في المنزل أو محيط العائلة بل تتعداها إلى الشارع من خلال التحرش الجنسي وإهانتها بطرق سوقية مبتذلة، وهي تخشى في الكثير من الأحيان من تعرضها للعنف والتحرش العنفي واللغة السوقية اللااخلاقية التي تخدش حيائها وشرفها وتجعلها ذليلة خائفة لا تستطيع الدفاع عن نفسها أمام أوغاد التحرش لجنسي، كما أن الانتهاكات تلاحق حقوقها في العمل أو الوظيفة وكأنها تعامل ليس كانسان له مشاعره الإنسانية التي لا تختلف عن مشاعر الرجل بل مجرد " امرأة ناقصة عقل ودين " وان لم يُعلن على اللسان لكن العيون تشيع هذا القول والعقول العفنة تتبناه وتكرره على المسامع في كل مكان متى تسنى لها الوقت والظرف الزماني، وهنا لا ينفصل الاضطهاد الرجولي في الخاص المحدد زمنياً في بيت الأهل أو الزوجية والعام في العمل والوظيفة والشارع.
ان ممارسة العنف بكل أشكاله ضد المرأة يعتبر همجية متخلفة مرفوضة في جميع الأعراف والقوانين ولهذا بالنسبة لهيئة الأمم المتحدة فقد عرّفته في الإعلان العالمي لمناهضة العنف ضد المرأة بأنه " أي فعل عنيف تدفع إليه عصبية الجنس، ويترتب عليه أو يرجح أن يترتب عليه أذى، أو معاناة للمرأة، سواء من الناحية الجسدية، أو الجنسية، أو النفسية، بما في ذلك التهديد بأفعال من هذا القبيل، أو القسر، أو الحرمان التعسفي من الحرية، سواء حدث ذلك في الحياة العامة أو الخاصة " وقد نشر النص الكامل والنهائي لوثيقة الأمم المتحدة لوقف العنف ضد المرأة مما لاقى تأييداً منقطع النظير من قبل الذين يقفون بالضد من العنف ويطالبون بالحقوق الكاملة للمرأة، وبهذا كشفت الجمعية العامة عن موقفها الرافض واعتبرته خرقاً مرفوضاً لحقوق المرأة، إضافةً أن الإعلان العالمي لمناهضة كل أشكال العنف ضد المرأة الصادر عام 1993 أشار"هذا العنف قد يرتكبه مهاجمون من كلا الجنسين أو أعضاء في الأسرة أو العائلة أو حتى الدولة ذاتها " وترتبط جميع الإعلانات والقرارات الدولية والقطرية بالكثير من ما جاء في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لكل الدول وشعوب المعمورة ولا يفرق الإعلان بسبب اللون أو الجنس وينطلق من احترام الحقوق والحريات في الانتماء والعقيدة والدين ويدرج في التربية والتعليم، فقد نصت المادة ( 1 ) على " يولد جميع الناس أحراراً متساوين في الكرامة والحقوق، وقد وهبوا عقلاً وضميراً وعليهم أن يعامل بعضهم بعضاً بروح الإخاء ". وأكملت المادة رقم ( 2 ) النظرة الإنسانية والقانونية للحقوق وقد جاء فيها " لكل إنسان حق التمتع بكافة الحقوق والحريات الواردة في هذا الإعلان، دون أي تمييز، كالتمييز بسبب العنصر أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي السياسي أو أي رأي آخر، أو الأصل الوطني أو الاجتماعي أو الثروة أو الميلاد أو أي وضع آخر، دون أية تفرقة بين الرجال والنساء " ولم تكتف الجمعية العمة للأمم المتحدة بإعلان أو قرار واحد فهي على امتداد سنين طويلة ومنذ تأسيسها اعتمدت على رفض كل الأشكال وبأي صورة كانت التمييز ضد المرأة ورفضت الممارسات غير المشروعة واعتبرت حقوق المرأة خط احمر لإنسانية أي نظام السياسي أو مؤسسة أو جمعية دينية أو سياسية وحتى الأفراد من الذكور.
ان الممارسات غير الإنسانية في العراق ضد المرأة يجب أن تتوقف بإصدار قوانين صارمة ضد أي تجاوز أو اعتداء عليها وعلى حقوقها المشروعة، كما يجب إيجاد حلول واقعية لحوالي ثلاثة ملايين ما بين امرأة أرملة وفتاة بدون معيل والأكثرية منهن يعشن بمستوى الفقر أو دونه مما جعل البعض من بائعي الضمير استغلال البعض منهن لمآرب غير أخلاقية ولا إنسانية، أما جريمة القتل بحجة الشرف " الرفيع !!" فهي من الجرائم التي تكاد أن تكون تقليداً وفي البعض من الأحيان تباهياً أمام المجتمع بالتخلص من العار كما يسميه دعاة القتل والجريمة ولا يفكر هؤلاء بأن العار هو موقفهم وممارستهم ومنح أنفسهم أحقيقة في العقاب الذي يعتبر في العرف القانوني والإنساني جريمة يجب أن يعاقب من يمارسها.. المرأة أساس المجتمع ومكونه النصفي وبها تستكمل الحياة دورتها، وهي أداة رئيسية للبناء والتقدم والعمران وبدونها لا يمكن أن تبني الدول حضارة إنسانية أو تحقق نوعاً من العدالة الاجتماعية، ومن هذا المنطلق يجب أن تقوم الدولة بحمايتهن ودفع الأذى عنهن وتوفير كل الإمكانيات لرفع وعيهن ومستواهن الأكاديمي والتعليمي والثقافي ومنحهن الحقوق ووفق قوانين تصدرها السلطة التشريعية، لابد أن يفهم متخلفي العقول الرجعية والظلامية أن هناك نساء سجل التاريخ لهن أروع الإنجازات العلمية والثقافية والاجتماعية والمواقف البطولية والتضحيات الجسام من اجل شعوبهن وأوطانهن.