ناقصات عقل ودين - (الخامسة) ... وإن خشيت الإفضاء!



هبة عبده حسن
2015 / 1 / 17

وجب علي أن أنبّه قبل الاسترسال في قراءة هذا الجزء من المقال أنه شديد القسوة على القلب والعقل معاً، وأعترف مسبقاً أنني منذ علمت بمعنى كلمة الإفضاء (وهو نفس الوقت تقريباً الذي علمت فيه معنى كلمة سلقلقية) فقد أصابني سقم ضرب معدتي ورأسي فقضيت أسابيعاً طوال مريضة مهمومة مصدومة. أما عن كلمة سلقلقية (التي تعنى المفضى بها) فهي كلمة درجت عند العرب القدامى وتقال لإهانة المرأة التي تم إفضاؤها، وكانت العرب تستخدم الكلمة للتحقير من شأن الأنثى فيقال "اسكتي يا سلقلقية" مثلاً وروي عن علي بن أبي طالب أنه استخدم هذه العبارة لإسكات بعض النساء (روايات سنية وشيعية). ولمن يريد الاستزادة في هذا الباب فعليه الاستزادة من كتب التراث التي سأشارك بعض مصادرها والموجودة في مصادر موثقة وموثوقة على شبكة الإنترنت.

ذٌكر في كتاب الحاوي الكبير، كتاب الصداق، باب الحكم في الدخول وإغلاق الباب وإرخاء الستر، مسألة القول في إفضاء الزوجة وإن أفضاها فلم تلتئم ، فعليه ديتها ، ولها المهر كاملا ، ولها منعه أن يصيبها حتى تبرأ البرء الذي إن عاد لم ينكأها ولم يزد في جرحها، والقول في ذلك قولها. "الشافعي".

وقال مالك أن الإفضاء جناية تنفك عن الوطء ، فوجب ألا يسقط أرشها باستحقاق الوطء ، كما لو وطئها وقطع يدها ، وذلك أن المهر يجب بغير ما تجب به الدية، لأن المهر عندهم بالخلوة ، وعندنا بتغيب الحشفة ، والإفضاء يكون بما زاد. على ذلك من المبالغة في الإيلاج، فصار الوطء الذي تجب به دية الإفضاء زائدا على الوطء الذي يجب به المهر، فوجب أن يكون لكل واحد منهما حكمه. والاستدلال على ذلك بأنه حادث عن وطء مستحق، فوطء الإفضاء غير مستحق؛ لأن الوطء المستحق ما لم يفض إلى الإفضاء كضرب الزوجة أبيح به ما لم يفض إلى التلف، فإذا أفضى إلى التلف صار غير مباح فضمن، كذلك وطء الإفضاء غير مباح.

وورد في كتاب رياض المسائل في تحقيق الأحكام بالدلائل قول السيد علي بن السيد محمد علي الطباطبائي في تعريف الإفضاء: حين دخل بها فافتضها فإنه قد أفسدها وعطلها على الأزواج. فعلى الإمام أن يغرمه ديتها. وإن أمسكها ولم يطلقها حتى تموت فلا شيء عليه. وقد تم تعريف الإفضاء بأنه صيرورة مسلك البول والحيض واحداً. أو مسلك الحيض والغائط واحداً، وعلى رأي وظاهر مجمع البحرين : أنه جعل مسلك البول والغائط واحداً. ذكر الماوردي أن الإفضاء : هو أن يتخرق الحاجز الذي بين مدخل الذكر ومخرج البول ؛ لأن مدخل الذكر في مخرج الحيض والمني، فأما البول فمخرجه من غيره وبينهما حاجز، فإذا بالغ الواطئ في إيلاجه خرق الحاجز بين المخرجين. فهذا هو الإفضاء.

عودوا رجاءًا إلى قراءة الشروح السابقة لكلمة الإفضاء وستلاحظون أن التفاسير والاستدلالات هي في الأساس تفرق بين أنواع الإفاضة والديات (أو التوابع الفقهية) المستتبعة لها وكأن تمزيق أحشاء الأمة يختلف عن تمزيق أحشاء المرأة أو أحشاء الطفلة الصغيرة أو الزوجة أو الأجنبية أو المستمتع بها لأن الدية تختلف باختلاف المكانة الاجتماعية (والسن) للمرأة المفضى بها.... حسناً... لنأخذ الآن نفساً عميقاً ثم لنسأل أنفسنا بعض الأسئلة التي سوف تدور في فضاء المنطق والإحصاء والطب (ليس الفقه الديني): هل نعرف في عصرنا الحديث إحصاءات لنساء "مكتملات النضج والنمو الجسدي البيولوجي" تمزق الجدار الواصل بين الفرج والدبر لديهن خلال علاقة زوجية عادية؟ هل هذه الإحصاءات موجودة في دولنا الإسلامية العربية أم في الغرب؟ هل الوارد أن يحدث هذا التمزق الذي قد ينجم عن علاقة بين زوجين إذا كانت "المرأة" طفلة غير مكتملة نضج الأعضاء الجنسية (بيولوجياً) أو امرأة ناضجة؟ ما رأي الطب في مسألة النضج البيولوجي للمرأة واستعدادها للزواج؟ ما رأي علم الإحصاء؟ ما رأي المنطق؟ ما رأي الإنسانية؟...

لن يخفى على قاريء التفاسير السابقة المكانة الحقيرة التي تضع المرأة بها، وكأنها شيء يتم التلهي به فإن عطب فلك أن تبقيه أو تتخلى عنه بمقابل مادي. فإن لك – أيها الرجل – أن تطء (وإن كانت صغيرة شريطة أن تكون سمينة فتحتمل الوطء) وإن حدثت إفاضة فعليك بتطبيب الوطيئة، وصح لك أن تتركها حيث أنها قد أصبحت معطوبة تالفة غير صالحة للاستمتاع بها (إذ تداخلت فتحات الإخراج منها بحيث أصبحت شيئاً غير مشتهى) ولكن انتبه فعليك أن تدفع دية الوطء... أما إذا كنت سمحاً كبير القلب وقررت أن تمسكها وتبقيها (فلا تطلقها) فليس عليك مع هكذا قرار دية. هكذا...

في جزء سابق من هذه السلسلة (بعنوان فإن عندها الذي عندها) أتيت على ذكر حديث (المرأة تأتي على صورة شيطان... إلخ) الذي يأتي بمنطوقه ومعناه في كثير من الروايات، وهو حديث صحيح، وفيه أن النبي محمد دخل على زوجته زينب فقضى حاجته ثم خرج. إن الإشارة للعملية الجنسية على إنها "قضاء الرجل حاجته" يجعل المرأة (بإعمال مبدأ الارتباط الشرطي) تساوي المرحاض، فالبشر يقضون حاجاتهم في المراحيض، أليس كذلك؟

وبصرف النظر عن حوادث الاغتصاب في عصرنا الحالي (والبيدوفيليا كذلك) والتي جرّمتها القوانين الوضعية بشدة، فلا تبرير هناك لاغتصاب امرأة أو طفلة أو طفل، فأنا أعرف كذلك أن التاريخ الإنساني مليء بفواجع مشابهة لما سردته في الفقرات السابقة... كما أعرف أيضاً أنه (أي التاريخ) في المجمل غير منصف للمرأة (لأسباب اقتصادية وسياسية في الأساس)ز وعلى ذلك فأنا أود التوضيح بأن هدفي هنا ليس اصطياد أخطاء ماض بعينه أو مجموعة بشرية بحد ذاتها. إن هدفي ببساطة هو تسليط الضوء على التراث الإسلامي فيما يتعلق بقضايا المرأة بعرضه على الحاضر الذي نعيشه والذي هو بدون أدنى شك أفضل علماً ومعلومات وأكثر إنسانية في المجمل من الماضي كله بغرض إقرار المساواة لجميع البشر في الحقوق والواجبات. إن بعض الأسباب القوية التي تدعوني للكتابة في هذا الشأن هو أن طقس تزويج الصغيرات لا زال معمولاً به في كل الدول الإسلامية وخاصة الفقيرة اقتصادياً منها (كمصر وأليمن والباكستان والمغرب وغيرها)... دعاوى السلفيين من أمثال حزب النور المصري لإطلاق سن زواج الفتيات هي سبب آخر، ولي هنا وقفة.. فأحد دعاة هذا الأمر هو ياسر برهامي ووظيفته التي يتربح منها (كما أفترض) هي كونه طبيب بشري ويقال انه طبيب أطفال، وعليه فأنا أخشى أن اعتناق البعض لأيديولوجية قد تأتي على حساب ضميره المهني، والأنكى هو أن تأتي على حساب ضميره الإنساني.

لقد شاركت ذات مرّة في حوار حول غياب الشعر العربي القديم (على حد علمي) من أي إشارة للأمومة أو "المرأة الأم" واستغرقتني الفكرة فعلاً... الأثر الباقي الوحيد من فترة الجاهلية والإسلام بعصوره ودوله المختلفة شعراً ونثراً يخلو – أو يكاد – من الإشارة للأمومة، ما يعزز الفكرة الراسخة بأن المرأة عند العرب هي مجرد موضع للوطء ولا عزاء لذوات النهى.