امرأة الصين الحديدية



عبدالله المدني
2005 / 11 / 7

على عكس المألوف في العديد من أقطار جنوب و شرق آسيا من تبوء النساء لمواقع صنع القرار العليا بما في ذلك رئاسة الدولة أو الحكومة، فان المرأة الصينية لا تزال متخلفة على هذا الصعيد بأشواط. هذه الظاهرة بطبيعة الحال لا تستقيم مع طبيعة النظام الشيوعي القائم في الصين و الذي يفترض انه نظام تقدمي ينتصر للمرأة و لا يمارس التمييز ضدها، ولا مع الدور القوي للمنظمات النسوية الرسمية في المجتمع. كما أنها من جهة أخرى لا تتناسب مع ما حققته النساء الصينيات من تفوق علمي في كافة الحقول وبروز عملي على مختلف الأصعدة المهنية.

صحيح أن الصين كانت الأولى آسيويا لجهة دخول النساء في المعترك السياسي و ذلك حينما مرر المجلس التشريعي لمقاطعة كوانغتونغ في عام 1911 قانونا بهذا الصدد. وصحيح أن نسبة تمثيلهن حاليا في مجلس الشعب الصيني (البرلمان) عالية نسبيا وتصل إلى 21 بالمئة، أي أعلى من المعدل العالمي بخمس درجات. إلا أن الصحيح أيضا أن المرأة الصينية لم تبرز حتى الآن في مواقع صنع القرار الأولى التي كانت و لا تزال من نصيب الرجل وحده، مكتفية في الغالب الأعم بالحلول خلفه كنائبة لحكام المدن و المقاطعات أو لأمناء سر فروع الحزب الحاكم أو لوزراء الحكومة. وفي الحالات القليلة التي أسندت إليها مناصب وزارية فان الحقائب التي تولتها انحصرت في التعليم والصحة و التخطيط الأسري و ما شابه تلك من وزارات خدمية غير سيادية مع استثناءات معدودة جدا كما سنرى لاحقا.

وهكذا فانه خلال العقود الخمسة من الحكم الشيوعي و حتى وقت قريب جدا لم يسمع العالم الخارجي عن سيدات نافذات داخل اطر السلطة العليا في الصين، فيما عدا اثنتان هما جيانغ كينغ (الزوجة الثانية للزعيم المؤسس ماو تسي تونغ و التي عرفت بقيادتها لما سمي بعصابة الأربعة) و دينغ يينغ تشاو (زوجة رئيس الوزراء الأسبق تشو إن لاي) اللتان حصلتا على عضوية المكتب السياسي للحزب الحاكم. وفي هاتين الحالتين كما في الحالات القليلة الأخرى التي وصلت فيها المرأة إلى مناصب سياسية و حزبية شبه رفيعة، كان سبب البروز و الصعود هو صلة القرابة برموز ذكورية في مواقع المسئولية الأولى. فعلى سبيل المثال فان "كاي ييو" التي حظيت بعضوية اللجنة المركزية للحزب الحاكم في عام 1969 هي زوجة عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي آنذاك "كانغ شينغ"، و "دينغ نان" التي تولت نيابة رئاسة مفوضية الدولة للعلوم و التكنولوجيا هي ابنة الزعيم الإصلاحي "دينغ هسياو بينغ".

و تقول دراسة أكاديمية قيمة من عمل "جود هويل" أن أوضاع المرأة الصينية منذ قيام الثورة التي أتت بالشيوعيين إلى السلطة في عام 1949 لا شك أنها تحسنت كثيرا على كافة الأصعدة بما في ذلك صعودها إلى مواقع وظيفية متقدمة و دخولها المعترك السياسي، كنتيجة لسياسات رسمية كانت تدفع بهذا الاتجاه. إلا انه في موازاة هذه السياسة كانت هناك على الدوام توجهات أخرى مناقضة - بتأثير من الأعراف الاجتماعية أو المتغيرات الاقتصادية - في صورة قيود للحد من انطلاقها إما خوفا عليها أو خوفا منها.

و من هنا وجد الكثيرون في إسناد منصب نائب رئيس الحكومة قبل سنتين إلى "وو يي" (65 عاما) تطورا مثيرا. بل ذهب البعض إلى القول بأنها تمثل مشروعا للزعامة، بمعنى أنها ربما تدخل التاريخ في وقت غير بعيد كأول امرأة تقود الصين. هذا على الرغم من تحفظ البعض الآخر على مثل هذا الاستنتاج لاعتبارات تتعلق بتقدم المذكورة في السن ليس إلا.

والحقيقة التي لا يمكن إنكارها أن "وو يي" لا ينقصها شيء لتصل إلى موقع القرار الأول. فهي سليلة أسرة مثقفة من مدينة ووهان في إقليم هوباي و منتسبة قديمة للحزب الشيوعي الصيني و خريجة معهد البترول في بكين منذ عام 1962 و حاصلة على درجة جامعية في هندسة مصافي النفط و لها تاريخ مهني مرموق في مؤسسات الدولة المعنية بشئون النفط و البتروكيماويات و الصناعة والتكنولوجيا ما بين عامي 1965 - 1988 . إلى ذلك، فهي تملك خبرة إدارية و سياسية طويلة من تقلدها لمناصب رسمية متنوعة مثل عملها كنائبة لعمدة بكين ما بين عامي 1988-1991 و كنائبة لوزير التجارة و العلاقات الاقتصادية الخارجية بين عامي 1991-1993 فوزيرة للتجارة الخارجية و التعاون الاقتصادي بين عامي 1993-1998 . هذا ناهيك عن اختيارها منذ عام 2002 كعضو في المكتب السياسي للحزب الشيوعي و مجلس الدولة، من بعد عدة سنوات في موقع عضو احتياط.

ويبدو أن حرص "وو يي" الشديد على التحصيل العلمي و التخصص المهني أولا، و من ثم إثبات كفاءتها ميدانيا سرقا منها جل شبابها و جعلاها تمضي بعيدا دونما التفات إلى مسائل الزواج و الإنجاب. و هكذا فعندما سئلت ذات مرة عن سبب عزوبيتها و عزوفها عن تكوين أسرة خاصة بها، ردت قائلة أنها لم تتعمد ذلك و إنما أرادت أولا أن تحقق ذاتها، وانه حينما فرغت من الأمر كان قطار الزواج قد فاتها، إضافة إلى أن صورة الرجل الذي حلمت به في شبابها لم تعد موجودة.

الحدث المفصلي الأهم في حياة "وو يي" ربما كان إسناد حقيبة التجارة الخارجية إليها في عام 1993 من قبل صديقها رئيس الحكومة الأسبق "زو رونغجي". ذلك أن هذا التعيين لئن فتح أمامها أبواب البروز داخليا و أبواب الشهرة خارجيا، فانه أتاح لها أيضا فرصة إظهار مواهبها الحقيقية كشخصية قيادية صلبة و مفاوضة عنيدة و مسؤولة واثقة من إمكانياتها. وقد ظهر هذا جليا في جولات المحادثات الصعبة التي خاضتها مع نظرائها في العالم للتمهيد لدخول الصين في منظمة التجارة العالمية، و مع المسئولين الأمريكيين حول اتفاقيات الاستثمار و التجارة و حقوق الملكية الفكرية، و مع نظرائها الروس حول خمس اتفاقيات تجارية مهمة، ناهيك عن النجاحات التي حققتها في إقناع الشركات الصينية بالانتشار و الاستثمار في الخارج، و في وضع سياسات و خرائط عمل داخلية من اجل الارتقاء بأحوال المرأة و الطفل في الصين في العقد الأول من القرن الحادي و العشرين.

ومن هنا لم يكن غريبا أن يصفها الإعلام بالمرأة الحديدية كناية عن قوة أعصابها وصلابة إرادتها وقتالها الشرس من اجل مصالح بلادها في مواجهة القوى العالمية الأخرى. كما لم يكن غريبا أن تختارها مجلة فوربس الشهيرة ضمن قائمة أقوى النساء في العالم لعامي 2004 و 2005 ، بل و تضعها في المركز الثاني مباشرة خلف وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس. ومن ألقابها الأخرى لقب "الهة الشفافية" الذي أطلقته عليها مجلة تايم الأمريكية بسبب أسلوبها الواضح و الشفاف في إدارة ملف مرض السارس بعيد استلامها لحقيبة الصحة في ابريل 2003 خلفا لزميلها "زهانغ وينكانغ" الذي طرد عقابا له على إخفاء الحقائق عن انتشار الوباء المذكور في البلاد و تقاعسه عن محاربته مبكرا.

د. عبدالله المدني
*باحث و محاضر أكاديمي في الشئون الآسيوية
تاريخ المادة:6 نوفمبر 2005
البريد الالكتروني: elmadani@batelco.com.bh