عائق فكري واجتماعي: تأصل النظرة الدونية للمرأة



نبيل عودة
2016 / 2 / 2

عائق فكري واجتماعي: تأصل النظرة الدونية للمرأة

*يجب أن نتحرر مرة والى الأبد من التقسيمات الجنسوية في السياسة والمجتمع والثقافة* لنبدأ بتحرير ثقافتنا أولاً من العقلية الثقافية التي تفرز للنساء نطاقا ثقافياً خارج ثقافة المجتمع*

نبيل عودة

كثيرا ما تتردد في ندواتنا الثقافية اصطلاحات مثل "الأدب النسائي" وكأن الحديث عن ظاهرة او حالة تحتاج الى عناية خاصة، لأنها تخص الضلع الاجتماعي "القاصر" في مفاهيمنا الاجتماعية والفكرية.
شرقنا ما زال يفرز بين الذكورة والأنثوية بشكل مهين، وارثاً ومحافظاً على فكر طبع عقليته التربوية، محدداً مكانة دونية للمرأة، وهذا مثبت في ثقافتنا وتصرفاتنا وميولنا الفكرية، حتى بوجود، لسعادتنا الكبيرة، رجالا يدافعون عن حقوق المرأة، ويطرحون مواقف نيرة متحررة، يسارية وثورية، وما عدا الطرح، كل التصرفات والخطوات العملية تتناقض مع الشعارات التي أوجعوا رأسنا بها، اذ أن ترسبات نظرة المجتمع والأفراد الدونية للمرأة، تبقى متأصلة وحاضرة، بمعرفة أو بدون معرفة... لا فرق!!
وأنا أميل إلى رؤية، إن تفكيرهم الذي يقبل منطق المساواة، منفصل عن تصرفاتهم الملموسة والعملية بكل ما يتعلق بحقوق المرأة ومساواتها العملية وليس اللفظية فقط .
حتى حين تقر هيئة، أو تنظيم حزبي، تخصيص ثلث الأماكن التمثيلية للنساء (ما يعرف بالكوتا النسائية) نجد أن الثلث يبدأ من أول الأماكن غير المضمونة... حتى أحزاب تبنت فكرا ثوريا لم تقم بأي خطوة لإنصاف المرأة بتعميق دورها القيادي والتمثيلي، ما زال دورها مثلا إعداد القهوة والزغردة في حال أنجز رجال حزبها كسبا انتخابيا مثلا!!
السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا لا يكون النصف لنصف المجتمع بشكل واضح في جميع المجالات وبدون "كوتات" واصطلاحات تميز بين الجنسين في الحياة الاجتماعية او السياسية او الثقافية؟!
بعض التنظيمات الحزبية أقرت الثلث للنساء، هل النساء ثلث المجتمع فقط؟! ولماذا يبدأ الثلث من آخر مكان شبه مضمون؟!
اطرح هذا الموضوع مجدداً ضمن رؤيتي، إننا ما زلنا مجتمعاً ذكورياً، يغلف نفسه بمواقف شكلية، لتغطية شوفينيته.
من ناحية كلنا من أجل مساواة المرأة ، من أجل حقوقها المساوية للرجل، ولا نتردد في اعلان ذلك على العلن. ولكن الحرية ممنوع ان تتجاوز نطاقنا البيتي.كل الحرية للنساء خارج حدودنا الخاصة. خارح ملكيتنا. الحرية للمرأة نحن من أجلها على الا تشمل نسائنا. هنا الحد الفاصل !!
دونية المرأة هي دونية المجتمع
لا أتهم أشخاصاً متنفذين، بل أتهم أخلاقيات من الصعب الفكاك منها دون إرادة صلبة، وفهم أن الموضوع لا يتعلق بشكليات وعروض، إنما بجوهر فكري واجتماعي وأخلاقي، الاستهتار به لن يخدم أي فكرة سياسية أو وطنية ندرجها على أجندتنا، ولن يساعد على أحداث نقلة نوعية في تربيتنا، خاصة بما يتعلق بالأجيال الناشئة، التي تنشأ على نفس النهج الماضوي الذي لا يتنازل عن دونية المرأة، بل وأدعي أننا نواجه تراجعاً معيباً، نحو المزيد من تثبيت الرؤية الدونية للمرأة، وهذا تعمق أساساً مع اتساع ظاهرة التدين في العقود الثلاث الأخيرة.
هناك مجتمعات متحررة نسبياً من النظرة الدونية، وهذا التحرر النسبي، أعطى للمرأة أدواراً هامة في مختلف مجالات الحياة، من العلوم إلى الاقتصاد إلى الثقافة، إلى المبنى الاجتماعي، والمبنى التربوي.... والظن أن المجتمعات "المحافظة" ( أي مجتمعات دونية المراة بشكل فظ ) هي أكثر تماسكاً وأكثر أخلاقية، تثبت كل الأبحاث التي أجريت في السنوات الأخيرة، إنها تتناقض تماماً مع الواقع، تتناقض مع الرقي الحضاري للمجتمع، في جميع المجالات التي تعتبر مقياساً لتطور المجتمع.
من هنا لي رؤية سلبية من كل محاولة فصل المرأة وتخصيصها ببعض "الهبات الكريمة" من مجتمع ذكوري ، أو إعطاء نشاطها صفات مستقلة عن مجمل النشاط الاجتماعي والثقافي ، أرى بذلك، تثبيتاً للنظرة الدونية للمرأة، بما في ذلك ما يعرف بالحصة النسائية، أو الكوتا النسائية، التي تجيء لإنصاف المرأة.... ولكنها تؤكد بنفس الوقت وبتصميم،دونيتها.
صحيح إننا نشهد ما يمكن اعتباره "تمرداً" نسائياً. خاصة في المجال الثقافي والإبداعي الذي يمكن تأويله بأشكال عدة ... ولكني أراه رد فعل تلقائي ضد النفي العملي السائد في مجتمعاتنا ،بكل ما يتعلق بحقوق المرأة، وتعمق الفكر الماضوي في فكرنا الاجتماعي والثقافي.
اصطلاح الأدب النسائي استمرار للنظرة الدونية

إن تسارعنا في رؤية أن هذا التمرد كتشكيل لتيار ثقافي يطلق عليه اسم "الأدب النسائي" أو أسماء مشابهة، هو تسارع لم يأخذ بالاعتبار ظروف تشكل هذا الدافع الثقافي، بكونه رد فعل انتفاضي على واقع اضطهادي .
أستهجن أن العديد من الأديبات اندمجن بهذا التعبير، وأنا على ثقة أن انتشار هذا التعبير لا يتعلق بفهم كامل لمضمونه الدوني للمرأة. أيضاً في بعض الآداب العالمية ولكن بشكل يتلاشى باضطراد.
الأدب النسائي هو نوع من "الكوتة النسائية في الأدب".التي تبرزها أساساً الثقافة الذكورية.
إذا كنا نرفض هذه الكوتة المهينة، والتي يتصرف فيها الذكور، ويحددون مدى مشاركة المرأة في قرارات تتعلق بمستقبل مجتمعاتنا ، فلماذا نقبلها في الساحة الأدبية؟!
هل نقيم كوتات نسائية في الفيزياء مثلا او في الرياضيات، او في الطب ، او انواع الطعام؟
يجب أن نتحرر مرة والى الأبد من التقسيمات الجنسوية في السياسة والمجتمع والثقافة وأن نبدأ بتشكيل اتجاهات فكرية لبناء علاقة مختلفة، علاقة تتخلص من النظرة الدونية للمرأة.
هذا ليس سهلاً ولا يتعلق بقرار ذكوري، إنما بدور نسائي متنامي مدعوم من الأوساط الأكثر انفتاحاً وتقدماً في مجتمعاتنا.
المرأة تملك أدوات مؤثرة يجب أن تعرف كيف تجعلها آليات تخدم التغيير. وهو تغيير ليس لمصلحة النساء بالتحديد، بل لمصلحة تقدم مجتمعنا بكل تركيبته وبكل مجالات حياته.
والموضوع ليس رفقاً "بجنس لطيف" بل رؤية حضارية للمجتمع الذي نريده، ذكوراً وإناثا، عادلاً، متطوراً، يفاخر المجتمعات بإنجازاته الحضارية. تصوروا مثلاً مقاطعة النساء لكل قائمة انتخابية لا تعطي للمرأة ثلثاً مضموناً (ولا أريد أن أقول النصف) في أي تركيبة انتخابية ، مع دعم أوساط اجتماعية غير نسوية لهذه الخطوة، بالطبع الاقتراح يبدو خيالياً، ولكن بوجود منظمات نسائية نشطة لا شيء مستحيل.
يجب أن يرقى مجتمعنا نحو تغيير الكثير من الرواسب المعيقة على تطوره، ولنبدأ بتحرير ثقافتنا أولاً من العقلية الثقافية التي تفرز للنساء نطاقا ثقافياً خارج ثقافة المجتمع- "كوتا ثقافية باسم "الأدب النسائي" هو نظرة دونية مهينة لكل مفكر متنور وليس للنساء فقط!!
التغيير لن ينجز بدون المراة
ان حلمنا بمساواة كاملة هو حلمنا بمجتمع حضاري متنور منطلق في رحاب التطور والتقدم العلمي والإقتصادي، لا اقول هذا توددا للنساء ، انما اعترافا بالدور المميز للمرأة في دعم مسيرة التغيير المجتمعية واحداث انطلاقة تنويرية ، بصفة المرأة الحاضنة الأساسية للجيل الجديد.. وملهمتهم في اجتياز اهم مراحل الحياة نحو البلوغ .
هل يظن بعض أصحاب النظرات الرجعية انه يمكن تربية جيل جديد باحضان امهات جاهلات مقموعات، بلا احترام مكانتهم كمواطنات وجزء من البشر ومساويات في الحقوق للرجل؟
يجب تشريع الحقوق النسائية بالقانون بوضوح، اصلا لا حرية للرجل بدون حرية للمرأة وقمع المرأة هو الوجه الآخر لقمع الرجل.

nabiloudeh@gmail.com