ماالحجاب ؟



عبد اللطيف بن سالم
2017 / 9 / 20

الحــجاب
"في علاقته بالمسار التربوي"
كنت بالأمس القريب أجوب شوارع المدينة وأنتقل بين أحيائها للارتياض قليلا والاطلاع على أحوالها "أليس كلنا راعيا وكلنا مسؤولا عن رعيته؟" لكن ما كنت أستمع في الغالب إلا إلى تلك الموسيقى الشعبية الغربية المتشابهة الإيقاع المعروفة"بالبوب ميزيك" والرٌاب والراي الموترة للأعصاب والمشنجة لها واليوم وبعد انتهاء الثورة الشعبية في تونس في مرحلتها الأولى قد صرت أجوب الشوارع وأطوف بالأحياء فلا أستمع في الغالب إلا إلى "تلاوة مباركة من الذكر الحكيم" تلك التلاوة المعروفة بتهدئتها للأعصاب أو كما يرى البعض المخدرة لها فهل سنكون في حاجة إلى البحث عن حالة وسطى نحفظ فيها لأنفسنا التوازن ونضمن لها البقاء؟
إن من مقولات الإسلام المتداولة دائما بيننا أن "الأمر كله لله" وليس بأيدينا أن نفعل شيئا أبدا " وما تشاؤون إلا أن يشاء الله ذلك أقرب للتقوى" " وإنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء". ومن جهة أخرى فإن العلوم الإنسانية لتؤكد على أنك لا تستطيع أبدا أن تحول أحدا عن معتقده - على صواب كان أو على خطإ– لأنه به معتقد ومن شبّ على شيء شاب عليه وبالتالي فإن أي جدل في الدين معروفة نتائجه سلفا إذ هو مصادرة على المطلوب كما يقال في المنطق أي هو دائما عود على بدء، فالمسألةإذن مرهونة بالمنظومة التربويةأكثر مما هي مرهونة بالفرد ذاته ، إذ هي وحدها المتحكمة في سلوك الناس ومصائرهم العقائدية والأخلاقية إن كان في البدء أو في النهاية.وإن الغصون إذا قومتها اعتدلت ولن تلين إذا قومتها الخُشُبُ.
لهذا فإن ما يجري في حياتنا الاجتماعية في مختلف مجالاتها مرهون في نوعيته وفي مستواه الحضاري بما نقدم لأبنائنا منذ الصغر في البيت ، في العائلة ،في الروضة ، في المدرسة الابتدائية وفي ما بعدها في الثانوي وفي ما بعده في الجامعة، ولهذا فإن المنظومة التربوية والتعليمية بكاملها هي المسؤولة بالأساس على ما نكونُ به لذلك فهي في حاجة مستمرة إلى العناية الدائمة والرقابة الموصولة والانتباه والمراجعة والتصحيح ولما لا حتى الهدم وإعادة البناء في كل من البنية المادية والمعنوية لأن العالم كله كما هو معروف لدى العلماء خاضع دائما إلى مبدأي التغيّر وعدم الثبات في تكونه لذا فأن تلبس المرأةُ الحجاب أولا تلبسه فليست المسؤولية على ذلك كلها على عاتقها هي وحدها بل هي على عاتق المجتمع بأسره معها وبالخصوص على نظامه التربوي والتعليمي. وإن مشكلتنا - نحن العرب- مع الحجاب ليست في شكله بقدر ما هي مشكلتنا معه في مضمونه.
يرى توفيق الحكيم في كتابه "التعادلية" –ولعله بالفعل حكيم- :"أن الواحد يساوي صفرا" ولعله يقصد بذلك أن الواحد لوحده لا يساوي شيئا أبدا، وإلا فماذا يساوي الرجل لو كان في هذه الحياة وحده أو كانت المرأة محجوبة عنه؟ إنه لا يساوي حتى نفسه لأن الواحد ما لم يتعدٌد أو يتضاعف لا يتميز و لا يُدرك "أفليس بضدها تتميز الأشياء ؟". وما الحجاب هذا الا عادة قديمة قدم البشرية عندما اكتسبت في الحياة وعيها بذاتها وبدأت في تحضرها فقد ظهر هذا الحجاب لدى المرأة العربية في الجاهلية ولدى المرأة اليونانية في عصر ما قبل المسيحية وحتى في العصر الروماني وكان منه تعبيرا عن الحياء والعفة وإبداء الامتناع عن الذكر ربما من أجل إغرائه لا من أجل التخلي عنه أو التغرير به كما يحدث الآن مع بعض المحجبات بالنقاب الكامل، فإذا ما كان الحجاب فقط من أجل الحياء والعفة فهو خير ما يكون لدى المرأة من عادة أما إذا كان الحجاب كما يدعو له بعض المنظرين في الدين دون تدبٌر من أجل أن تحتجب المرأة تماما عن الرجل أو تحتجب عنه كما يراد لها في المنزل أو لتحجب بذلك عقلها أيضا عن الحياة العملية وما فيها من تربية وعلم وثقافة اجتماعية وتحضر فهذا لعمري موقف متخلف في منتهى الجهل والغباوة ويكون التمسك بهذا الرأي موقفا سياسيا وليس موقفا دينيا أبدا بدليل أن المحجبات يعتبرن أنفسهن متدينات وهذا اتهام لغير المحجبات بعدم التدين وهو غير صحيح دائما كما أن المحجبات اليوم يمثلن خروجا عن المألوف في مجتمعاتنا الحالية وهذا ما يزرع الفتنة في صفوف الأمة ولا يخدم إلا مصالح الامبريالية وهو ما هو حادث الآن بالفعل في كثير من الشعوب العربية وحتى الغربية أيضا الأمر الذي جعل فرنسا مثلا تتحرٌج كثيرا من انتشار ظاهرة الحجاب هذه في بلادها إلى درجة التفكير في تشريع قانون لمنعه في المؤسسات وفي المعاهد، أو ليس هذا من باب إثارة الفتنة أيضا في المجتمع الأوروبي الذي نزحنا إليه نطلب رزقا فصرنا نطلب له تغييرا في ثقافته وتحريكا لأعماقه، أليس هذا تدخلا في شؤونه التربوية والحضارية ؟لكن الأوروبيين إذا ما قبلوا منا ذلك عن مضض فلكي يكفٌروا فقط عن ذنوبهم التي ارتكبوها عند استعمارهم لنا في السٌابق وإذا لم يردٌوا على هذه المظاهر بعنف أكثر فلأنهم يعلمون جيٌدا بأنهم شركاء في جهلنا وتخلٌفنا الذ ين يروننا بهما معهم وهاهم قد صاروا يمنعوننا الآن من الهجرة إليهم. أليس ذلك رد فعل على ما جلبناه لهم من مظاهر الجهل والتخلف التي عكرت أجواءهم وأحدثت فيها كثيرا من الشغب ؟
لقد ذُكر الحجاب في التوراة وفي الإنجيل أيضا ويعرفه الغربيون كما نعرفه نحن في العالم العربي ولكنٌ ذكره في اليهودية وفي المسيحية ليس من أجل الدعوة إلى التحجب عن الرجل وإنما هو فقط –دعوة للحياء والتعفف وكذلك هو الأمر في الدين الإسلامي وليس الحجاب فرضا كما يعتقد بعض المفسرين للآيات الواردة في هذا الشأن لأن "الأمر" في اللغة العربية لا يفيد –دائما- الطلب والإجبار،إذ قد يفيد أيضا الالتماس أو الرجاء أو الاختيار للأفضل والأحسن.. كما في قوله تعالى " واضربوا بخموركن على صدوركن.. الآية فإن المقصود منها هو الدعوة الى التحلي بالحياء والعفة لأن ذلك أفضل لهن من التبرُج ... وهل في قوله تعالى " ولا تصّعر خدٌك للناس ولا تمش في الأرض مرحا" الآية نهيُ مطلق؟ لا، إنما هو فقط دعوة إلى أن يكون الإنسان في هذه الحياة متواضعا، أم ترى أن الله سيرمي بالإنسان في النار لمجرد أنه سعٌر خده للناس أو مشى في الأرض مرحا؟ إنه لكذلك إذا ما اعتبرنا النهي قاطعا, وإذا كان الأمر كذلك حقا فبماذا إذن سيجازي الله من منّا يغني ويرقص أبجهنم أخرى أشد وأعظم أم بماذا ؟
إن شكل الحجاب هذا لا يضر ولا ينفع. إنه مثل أي رداء تلبسه المرأة .أما المضمون فهو الذي يتقدم بنا أو يتأخر وفي هذا تكمن المشكلة الحقيقية " وإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيٌروا ما بأنفسهم" أو ليس هذا من فضل الله أن جعل الأولوية لنا في تغيير ما بأنفسنا فلم لا نقوم بذلك عسى الله يغيٌر ما بنا فيستقيم حالنا ونتقدم قليلا في ما ينفعنا ويصلح بالنا؟
إنه ليس هناك من أحد حجة على الدين مهما كبر شأنه أو علا مقامه لأنه ليس هناك من أحد معصوما من الخطيء ولهذا السبب يجب اللجوء دائما إلى الحوار والمناقشة لحل المشاكل وذلك بدون مغالاة أو تعصب لأنه لا أحد بيننا يحمل بين يديه الحقيقة كاملة ، إن الحقيقة ذات وجوه وكل ينظر إليها من جهته فلا يرى منها إلا الوجه الذي يليه أو الذي يواتيه وليس من الخلق الكريم أن نسّب الآخرين أو نشتمهم لمجرد مخالفتهم لنا في الرأي في هذا الموضوع أو في غيره من المواضيع لأن مثل هذا السٌب أو هذا الشتم لا يصلح إلا إلى الذين يوجهونه إلى غيرهم.
نحن من حيث كوننا بشرا نتميز عن الحيوانات بالعقل ليس الجنس وحده الذي يجب أن يهمٌنا في هذه الحياة بعد الأكل والشرب والمأكل والملبس أو المفروض أن تكون له الأولوية في اهتماماتنا، وهو ما جعل هذا الحجاب يقوم مشكلا بيننا إنما هناك أمور أخرى عديدة يجب أن تهمنا أكثر وتشغل بها بالنا، لأن الجنس هذا تابع لطبيعتنا الحيوانية وغرائزنا أما هذه الأمور الأخرى فهي تابعة لثقافتنا وأساليب تحضرنا وقد صارت اليوم هي المطلوبة الأكثر في حياتنا إذا صرنا نتطلع إلى مستقبل أفضل لمجتمعاتنا منها العلم والمعرفة والاقتصاد والتصنع والأخذ بأسباب التطور في مختلف مجالاته حتى نرقى بأنفسنا مثل باقي الأمم ونبتعد قدر المستطاع عن التعصب والجهلوت والتطرف لأن الحضارة امرأة ومن واجبنا أن نجعل منها امرأة محبوبة ومحترمة…أما الأخت لمى خاطر(1) الفلسطينية فهي مشكورة جدا على اهتمامها بحال المرأة في بلادنا تونس ولكنها تلومنا شديد اللوم على الإبقاء على قانون الأحوال الشخصية في تونس إلى حد الآن واعتباره مكسبا حضاريا حتى بعد الثورة والانقلاب على النظام السابق فإني أريد فقط أن ألفت انتباهها إلى أنها لو كانت يابانية مثلا لما فكرت هكذا وأنها لو كانت امرأة غربية لما فكرت هكذا وإنما لأنها فلسطينية مسلمة وتحمل في نفسها مشروعا قوميا تحرريا هي تفكر هكذا وهذا ليس بموقف موضوعي البتة وإنما هو موقف سياسي مدعوم بالدين بدليل أنها تستشهد بحركة النهضة "التونسية " التي هي حركة سياسية تستعمل الدين ميثاقا لها لأنه الأقرب إلى مشاعر الناس البسطاء وما أكثرهم اليوم في مجتمعاتنا وذلك للتأثير عليهم وكسب أصواتهم عند الاقتراع .إن الشعب التونسي –سيدتي- لا يقبل أبدا بالعودة إلى الوراء شاء من شاء وأبى من أبى .
)كاتبة فلسطينية: الأنترنت ص.arab Nyheter
عبد اللطيف بن سالم
Bensalem.abdellatif@yahoo.fr