استباقا لازمة محتملة حول عرش الأقحوان



عبدالله المدني
2006 / 2 / 20

شهدت السنوات القليلة الماضية نقاشا واسعا في اليابان حول مستقبل العرش الإمبراطوري ، و لا سيما مع تقدم الإمبراطور الحالي أكيهيتو (72 عاما) في السن و معالجته في عام 2002 من الإصابة بسرطان البروستاتا. و رغم أن للإمبراطور وليا للعهد هو الأمير ناروهيتو (45 عاما) وابنا آخر هو الأمير أكيشينو (40 عاما)، فان اليابانيين المعروفين بالدقة في العمل و التخطيط للمستقبل و عدم ترك الأمور للصدف أو اللحظة الأخيرة – أي على عكس ما يحدث في مجتمعاتنا – يشعرون بالقلق من احتمالات أن ينشأ فراغ في العرش في حقبة ما بعد الأميرين، و يفضلون أن يعالج الأمر مبكرا.

و القلق هنا ناجم تحديدا من حقيقة أن العائلة الإمبراطورية لم يلد لها طفل ذكر منذ عام 1965 الذي شهد ميلاد الابن الثاني للإمبراطور أكيهيتو ، و بالتالي عدم وجود من يمكنه خلافة ولي العهد الحالي أو شقيقه بالمواصفات التي يحددها الدستور. هذا الدستور الذي ينص على أن وراثة العرش محصورة في أبناء الإمبراطور و أحفاده من الذكور دون الإناث، الأمر الذي يقطع الطريق على ابنة ولي العهد الحالي الأميرة ايكو (5 أعوام) من الجلوس على العرش خلفا لوالدها.

و كان فشل زوجة ولي العهد الأميرة ماساكو في إنجاب طفل ذكر، و ما تبع ذلك من انتقادات وتدخلات من جانب وسائل الإعلام المحلية في شئونها الخاصة، جعلها تعاني من ضغوط نفسية شديدة لم تتخلص منها إلا مؤخرا. بل أن الموقف استدعى إدلاء ولي العهد لتصريحات غير مسبوقة لمن كان في مقامه، أنحى فيها باللائمة على التقاليد الإمبراطورية المعقدة كسبب في متاعب زوجته.

و الجدير بالذكر أن حصر خلافة الإمبراطور في ذريته من الذكور فقط سن لأول مرة في دستور ميجي لعام 1889 الذي ظل معمولا به حتى هزيمة البلاد في الحرب الكونية الثانية. وحينما وضع الدستور الحالي في 1947 تم التأكيد مجددا على تلك المادة الدستورية، على الرغم من و جود سوابق تاريخية مخالفة. حيث يشير تاريخ الأسرة الإمبراطورية أن من بين 125 شخصية توالت بطريقة شرعية على العرش منذ الإمبراطور الأول جيمو في القرن السادس قبل الميلاد، كانت هناك ثماني نساء، آخرهن الإمبراطورة " غو ساكوراماتشي " التي اعتلت العرش في عام 1762 ثم تنازلت عنه لصالح ابن أختها الإمبراطور " غو موموزونو" في عام 1771 .

وتضيف المادة الدستورية ذاتها أن المنحدرين الشرعيين من صلب الإمبراطور هم فقط من يمكن اعتبارهم من الأسرة و السلالة الحاكمة. ومعنى هذا أن الإمبراطور و كل أعضاء الأسرة بما فيهم الأميرات اللواتي يفقدن صفة العضوية بزواجهن من العامة، ليس بمقدورهم تبني الأطفال. وهذا بدوره يعيق إمكانية لجؤ إمبراطور عاقر أو غير منجنب للذكور إلى تبني طفل ذكر من ضمن الفروع البعيدة للسلالة الحاكمة ليخلفه على العرش. و في هذا السياق، لابد من الإشارة إلى أن الأسرة الإمبراطورية اليابانية تدين في محافظتها الطويلة على توارث الذكور للعرش إلى الزواج خارج الأطر الشرعية، و هو ممارسة لم تتوقف إلا منذ عهد الإمبراطور تايشو الذي حكم ما بين عامي 1912 و 1926 .

و هكذا غرق المجتمع الياباني، و لاسيما منذ العام الماضي، في نقاش طويل حول مستقبل العرش بين مؤيدين لإصلاحات دستورية تجعل ولاية العهد محصورة في أبناء الإمبراطور بغض النظر عن جنسهم، وقوى محافظة تعترض على المس بما جرى عليه العرف طويلا و تم تقنينه في دستور أقدم ملكيات العالم. و كانت الكفة مائلة بشدة في معظم الأحوال نحو الفريق الأول طبقا لنتائج استطلاعات الرأي التي أجريت في العام المنصرم و العام الجاري، و أن لوحظ في استطلاعات الآونة الأخيرة تراجع نسبة المؤيدين قليلا بسبب حملات المحافظين القوية، و التي ركزت على المخاوف من احتمال أن يخرج العرش من يد السلالة المالكة في حال تنصيب أنثى وزواج الأخيرة من شخصية من العوام .

وفي يناير 2005 أقدم رئيس الحكومة جونيتشيرو كويزومي - المعروف بأجنداته الإصلاحية ودفاعه المحموم عن حقوق المرأة اليابانية في المساواة بالرجل في مجتمع لا يزال رغم كل ما حققه من نهضة و تقدم و رخاء خاضعا لهيمنة الذكور و ممارسا لتقاليد تمييزية ضد المراة في المناصب و الرواتب – على خطوة جريئة تمثلت في تشكيل لجنة من القضاة و أساتذة الجامعات وكبار رجالات جهاز الخدمة المدنية لدراسة الموضوع و تقديم توصيات بشأنه. ولم يمض أكثر من عشرة اشهر حتى أوصت اللجنة بضرورة تعديل الدستور بشكل يتيح للأميرات من بنات الإمبراطور فرصة الصعود إلى العرش. و قد مثل هذا بطبيعة الحال انتصارا للقوى الإصلاحية وعلى رأسها كويزومي الذي سارع إلى التعهد بتمرير قانون جديد في هذا الشأن بهدف ضمان الاستمرارية وتفادي أي شرخ أو أزمة في عرش الأقحوان مستقبلا، و ذلك قبل انتهاء الدورة التشريعية الحالية في يونيو القادم، و قبل أن يتخلى هو عن رئاسة الحكومة طوعا في سبتمبر من العام الجاري.

غير أن الأسبوعين الماضيين شهدا تراجعا في النقاش حول أزمة الخلافة، بل أن رئيس الحكومة نفسه بدا مفضلا التريث في طرح مشروعه الخاص بتعديل الدستور. و لم يكن هذا إلا بسبب الإعلان المفاجيء الصادر من القصر الإمبراطوري حول توقع الأمير أكيشينو و زوجته الأميرة كيكو لمولود في الخريف المقبل. و بطبيعة الحال فان الوقت لا يزال مبكرا لمعرفة جنس المولود القادم، لكن إذا تبين انه ذكر، فسوف يمثل هذا حلا لموضوع الخلافة، على الأقل على مدى جيل آخر، لأن العرش حينئذ سينتقل بعد رحيل الإمبراطور الحالي من ابنه الأكبر ناروهيتو إلى ابنه الأصغر أكيشينو فالطفل الموعود. و هذا سيؤدي تلقائيا إلى تراجع الحديث عن موضوع تغيير الدستور.

لكن هناك من يرى أن التعديل الدستوري ضروري بغض النظر عن جنس المولود المرتقب في سبتمبر القادم، لأنه سيكون بمثابة صمام أمام في مواجهة أحداث غير متوقعة مثل وفاة المرشح لخلافة الإمبراطور أو من يليه في الترتيب من الذكور في حادث ما أو كنتيجة للإصابة بمرض قاتل. كما انه يضع حدا لمحاولات بعض أعضاء الأسرة المالكة مثل الأمير " توموهيتو " ابن عم الإمبراطور الحالي لتوسيع دائرة العائلة الإمبراطورية بإدخال الأبناء الذكور المولودين لأميرات متزوجات من فروع ملكية بعيدة أو من العامة، أو الأبناء الذكور المولودين لأمراء خارج اطر الزيجات الشرعية، و ذلك كحل لمواجهة النقص الشديد في أعضاء الأسرة من الذكور.

و في هذا السياق خرجت جريدة "جابان تايمز" التي تعتبر من صحف البلاد الرئيسية بافتتاحية في 12 فبراير الجاري، قالت فيها أنها تتمنى ألا يكون طفل الأمير أكيشينو القادم ذكرا، كي يتم تعديل قانون توارث العرش و يحفظ حق الأميرة الصغيرة ايكو في خلافة والدها مباشرة، و بالتالي "نقدم دليلا رمزيا على توجه مجتمعنا نحو التغيير و الإصلاح الاجتماعي و المساواة الجندرية" .

د. عبدالله المدني
*باحث و محاضر أكاديمي في الشئون الآسيوية
تاريخ المادة: 19 فبراير 2006
البريد الالكتروني: elmadani@batelco.com.bh