تنميط المرأة الأردنية في خطاب المنظمات الدولية وشركائها



صالح أبو طويلة
2018 / 10 / 11

ينزع الخطاب النسوي الذي تطرحه المنظمات الدولية وشركاؤها المحليون العاملون في الأردن؛ إلى قولبة المرأة ضمن سلسلة من الإجراءات والإكراهات النفسية والجسدية القاسية التي تشمل؛ ( سلوكات رتيبة قاتلة، أنماطا ادارية تميل الى الجمود والحرفية، أنماطا فكرية مغلقة وجامدة بلباس حداثوي في الظاهر، قيما أنانية فردية للغاية، تحلل من القيم المحلية المعبرة عن الهوية والثقافة الوطنية والعربية، تعزيز الخضوع المستمر للنزعة الذكورية بطرق غير مباشرة، تقديم رؤية مختزلة لمفاهيم التمكين، ولذا فإن ذلك الخطاب يشترط تطورا من نوع محدد ومخطط له مسبقا ومشحون بنزعات السيطرة والاستغلال وتحريف المفاهيم الحداثية.
الأدبيات النسوية التي تحملها المنظمات الدولية لا تحمل قيم الحداثة والتحديث والتطوير كما يعتقد البعض، بل تنزع الى حشر المرأة في سجون محددة تدعى (سجونا تنموية) وهي سجون بائسة لا يمكنها تحقيق التمكين الاقتصادي أو السياسي أو الحقوقي للمرأة، وهذه السجون تفرض على المرأة شروطا معينة كأن تختزل تمكين المرأة في تلقي بعض المهارات والسلوكات والحرف الرديئة، وترسم للمرأة مسارات تدعي أنها ستقود المرأة نحو التطور والتمكين والتحرر، وتلعب النزعات السلطوية دورا في التركيز على إنتاج تلك الأنماط نحو مزيد من السيطرة والتحكم والاستغلال.
تنبثق تلك الأدبيات من واقع رؤية المنظمات الدولية وشركائها نحو المجتمعات العربية وقطاع المرأة بالذات، وهي رؤية ينبثق عنها برامج وأنشطة وفعاليات وحقائب تدريبية تهدف إلى إنتاج نماذج نسوية مقولبة تماما، وتجري عمليات قسرية لتطبيق هذه النماذج المنبثقة عن تلك الادبيات مثل (نموذج المرأة الساعية للتمكين والتحرر) وهو نموذج معاق تماما يسعى الى تنميط افكار المرأة وقتل ابداعاتها وادخالها الى حلبة من الصراعات الوهمية تحت مسميات التمكين والتحديث وهذا التحديث المزور لا يجري الا ضمن شروط تحددها تلك المنظمات وشركاؤها المحليون الذين يبحثون عن الربح المادي والاستغلال وتقييد حركة المرأة في المجتمع وتقييد مساراتها السياسية، ولا يمكن لهذا النموذج ان ينتج تنظيمات نسوية قادرة على بناء مشروعاتها الاقتصادية والسياسية كما ينبغي.
كثير من النساء الأردنيات المثقفات غادرن ذلك الخطاب بعد تجارب مريرة خرجن منها بقناعات راسخة بأن تلك المنظمات ليست سوى أدوات قمعية جديدة لا تتوفر بها أية شروط ضامنة لتطور قطاع المرأة في مختلف المجالات، كما تحولت طائفة من القيادات النسائية اللاتي اندمجن بتلك الشروط الى زمر ديكتاتورية تؤشر الى القهر والفساد وتعزيز ذكورية المجتمع وترسيخ عملية استغلال المرأة فكريا ونفسيا وجسديا وفق الرؤية الرأسمالية.
لذا فإن خطاب المنظمات الدولية وشركائه المحليين يشترط تقديم المنح لمن يسير ضمن تلك الشروط، فتفقد كثير من النساء فرصهن في التمكين والتحرر، لأن تلك الفرص مشروطة سلفا بالتبعية والسيطرة والاستغلال.
وفي سياق فرض شروط الاستغلال تعمل المنظمات الدولية وشركاؤها على استقطاب نساء يقبلن بتلك الشروط المجحفة ويتحولن إلى ادوات سلطوية جديدة لكنها أدوات أنثوية وليست ذكورية، تلك الأدوات تمارس عملية تزييف الوعي وترسيخ خطاب الانهزامية والدونية لدى المرأة، وترتبط تلك الزمر بالمنظمات الدولية والمؤسسات السلطوية وتعمل على احتكار الخطاب النسوي وفق تلك الصيغ المحددة سلفا والتي تضمن مزيدا من السيطرة على المرأة فكرا وروحا وجسدا.
تشير العديد من المثقفات إلى أن شروط المنظمات الدولية عملت على تقييد التطور الطبيعي للمرأة الأردنية والذي بدأ يسير بفعل العولمة الرقمية والتحولات الاجتماعية والثقافية المحلية؛ نحو التطور وتشكيل ذاته والتعبير عنها من خلال أنساق نسوية قادرة على التعبير عن طموحات وأحلام وآمال القطاعات النسائية في مختلف المجتمعات المحلية، فالمرأة الأردنية تحتاج إلى جملة من الشروط والظروف التي ستسهم في تحسين أوضاعها العامة ومنها؛ تحقيق التمكين الاقتصادي وفق رؤية شمولية تعمل على تملك رؤوس الأموال وخوض غمار الاستثمار وتشكيل التعاونيات النسوية في مختلف القطاعات، تحقيق التمكين السياسي من خلال الصعود نحو مراكز صنع القرار لكن بدون أية شروط محددة سلفا، تحقيق التمكين الحقوقي من خلال إعادة النظر بالتشريعات المعوقة لتطور المرأة في المجتمع، التمكين في مجال بناء التنظيمات المدنية الحرة المتحللة من سطوة المنظمات الدولية أو التدخل الحكومي، تملك شروط تشكيل الشبكات الرقمية التفاعلية النسوية التي تعزز علاقات النساء ببعضهن وتعزز من قيام تحالفات ما بين التنظيمات النسوية المدنية وتشكيل جماعات الضغط لتحقيق الحقوق.