بضعة كلمات بمناسبة اليوم العالمي للعنف ضد النساء



نادية محمود
2018 / 11 / 26

تحتفل المنظمات النسوية في يوم الخامس والعشرين من تشرين الثاني - نوفمبر من كل عام وفي كل ارجاء العالم تقريبا باليوم العالمي ضد العنف ضد النساء. مؤكد انه امر جيد ان ترفع كل الاصوات لايقاف وانهاء كل انواع العنف ضد النساء. هنا، وبهذه المناسبة، من الضروري مشاركة النساء والرجال في كل انحاء المعمورة للدلو بكيف يمكن الاسهام بايقاف وانهاء العنف ضد المرأة.
اولا لا بد من ان نذكر ان العنف ضد النساء مرهون بوجود قوانين الغاب والقوانين البربرية تحكم العلاقات البشرية، حيث القوي يتسلط على الضعيف، والاقوى على الاضعف. انه مستمد ومستند الى عنف اكبر في المجتمع. عنف الذين يملكون ويريدون حماية مصالحهم بوجه اولئك الذين لا يملكون ويريدون التنعم بنعم الحياة. عنف مستمد ومستند من اولئك الذين بيدهم المال والقانون والسلاح ضد العّزل والذين لا يملكون غير قوة عملهم. انه ينزل كالاواني المستطرقة الى كل زاوية. عنف الرجل ضد المرأة. عنف المرأة والرجل ضد الاطفال.. وهكذا.. في سلسلة لا نهاية لها.
العنف نعنيه هنا هو ليس العنف الجسدي فقط بل المعنوي، الاقتصادي، الحرمان من الحصول على فرصة للعمل وللدخل، او السيطرة على دخل المرأة وراتبها الشهري. العنف اللفظي والتقليل او حتى تحقير شكل المرأة او سلوكها. العنف الجنسي والاغتصاب او ممارسة الجنس بدون رغبة وارادة المرأة. تزويج البنات تحت سن الرشد هو عنف. حيث الاطفال من الاناث لا قرار لهم في رسم مصيرهم. انها قرارات كبار السن. القوانين الاسلامية التي تتيح للطفلة الزواج دون سن الرشد هو عنف مقنون ومقدم باطار ديني. سلب قدرة المرأة على التحكم بالانجاب باية حجج هو عنف. من قبيل تحميق النساء وجعلهن يقبلن امر عدم التحكم بالحمل، بحجة انه شريعة دينية، وان على الزوجة ان لا تحرم زوجها ان اراد اطفالا. ان فرض ولادة اطفال على المرأة دون ارادتها هو عنف. كل فعل يهدف الى سلب ارادة المرأة او تشويه ارادتها هو عمل عنفي يجب ايقافه.
ثانيا ان الوقوف ضد العنف ضد المرأة والتصدي له يجب ان يجري على مستويين وفي ان واحد: من فوق ومن الاسفل. من الاعلى وهو التصدي ورفع شعار ومطلب فصل الدين عن الدولة وقوانين الاحوال الشخصية كمطلب يحتل اولوية قصوى. ورفض كل القوانين التي تتيح فرصة لممارسة الارغام على ارادة المرأة. فحيث قوانين البلد المدنية تستند الى الشريعة، والشريعة التي كتبت قبل 14 قرنا، تعتبر في القرن الحادي والعشرين نصوصا صريحة للعنف. الكتاب الذي ينص على ضرب النساء او هجرهن في المضاجع، هو نص صريح على ضرب وارغام المرأة للقيام على ما لا تريد القيام به. من هنا، فصل الدين عن الدولة وقوانين الاحوال الشخصية يصبح ضرورة وشرط اولي للدفع بقضية ايقاف العنف ضد المرأة.
اما من الاسفل، فهو دعم وتقوية النساء من قبل كل انسان يريد للعنف ضد المرأة ان يتوقف. ان الوضع الذي نراه الان هو انه وتحت ذريعة ان المرأة تتعرض للعنف، من تحرش وما الى ذلك، يقوم حتى المدافعون عن حقوق المرأة والداعين الى ايقاف العنف ضد المرأة، يقومون بالحجر على المرأة، على عزلها، ابعادها من اجل " حمايتها" من العنف. المرأة ليست انسان قاصر. انها انسان، قبل ان تكون امرأة. وانه يجب دعمها، و تقويتها، كما يجري تقوية ودعم اية فئة مستلبة في المجتمع. و ما اكثر الفئات المستلبة. استلاب المرأة يجري على اساس الجندر. كونها جنس انثوي. وكما ان اضعافها هو عمل منظم يقوم به اناس يريدون لهذا القسم من المجتمع ان يكون خانعا، خاضعا، مطيعا، غير معترضا، لانهم يستفادون من خضوع وطاعة هذا القسم من المجتمع. فان تقويتها و الحماية الحقيقية لها تتم عبر زجها وتشجيعها على المواجهة، والتصدي للعنف، لا للانزواء بالنفس والانعزال عن المجتمع بحجة حمايتها.
ليسوا قليلين اولئك الذين يقسمون بالدفاع عن حقوق المرأة، والتصدي للعنف ضدها، الا انهم لا يقومون باي عمل على الاطلاق من اجل دفع هذه الاجندة وهذا العمل الى الامام، لا من الاعلى ولا من الاسفل. لا على صعيد سياسي متدخل بالتغيير على صعيد القوانين( وهو امر اختياري بكل الاحوال)، ولا حتى على صعيد اجتماعي وشخصي، واسري في نطاق العائلة والمحلة ومكان العمل وهو الامر المتاح والذي بوسع كل امرء القيام به اذا ماقرر ذلك. بل باسم وجود عنف ضد المرأة، يتحول حتى المدافعين عن امان وكرامة المرأة، عمليا الى صفوف الفصيل الذي يقوم بعزل المرأة وابعادها عن الحياة الاجتماعية الطبيعية ناهيك عن الانخراط في الحياة السياسية، بحجة حمايتها من عنف الاخرين.
ترى الى هذه الفئة من اليساريين والعلمانيين لازالوا خجلى من كسر القوالب التي هيأت لهم وزجوا فيها، بل لا يقوموا حتى لو بزحزحة بسيطة لتلك التقاليد والقوالب والاعراف، التي اسست وجرى تدعيمها فقط في السنوات الاخيرة فقط لا غير. فالكثير من الممنوعات والممارسات لم تكن موجودة قبل ثلاثة عقود مثلا، لكنها اؤسست، ويراد اشاعة بان تلك الاعراف ابدية. انها ليست ابدية.ان قليلا من المقاومة، قليلا من دفع الحدود الى الامام ولو بخطوات صغيرة ستحدث تغييرات كبيرة في الامور. لننظر معا الى تلك الفئة من الناس التي افتقدت وجود سكن، الذين يطلق عليهم بسكنة العشوائيات. قاموا بعمل بسيط، بتحرك لا غبار عليه. اقتطعوا جزءا من الارض، بقليل من الطابوق، وبخط كهرباء وانبوب ماء، سعوا للاجابة على حاجة من حاجاتهم، الا وهو حق السكن وعملوا لنفسهم منزلا. لطالما سمعنا عن قيام حسني مبارك مثلا عن ارسال الشرطة لهدم العشوائيات..الا انهم في اخر المطاف فشلوا. في كردستان العراق اصحاب العشوائيات دافعوا بالسلاح عن مساكنهم. انه حق. والحق يحتاج الى دفاع والى فعل مقاومة. التصدي للعنف ضد النساء يحتاج الى مقاومة وتصدي. الى ايقاف القوانين التي تسمح بممارسة العنف من الاعلى، والذي يمكن ان يجري عبر الانخراط في الاحزاب العلمانية والشيوعية او منظمات تتصدى للعنف ضد النساء. والى العمل من الاسفل اي في مجريات الحياة المدنية واليومية والى التصدي الى ممارسة اي عمل من اعمال العنف حين تحدث في الدائرة الصغيرة التي يؤمن بها المدافع عن حياة وكرامة المرأة. ان العمل على هذين الصعيدين سيؤمنان امكانية حدوث تغيير حقيقي في امر التصدي لقضية العنف ضد المرأة.