النسوية وثورات مناطقنا: كيف تحولت النسوية إلى وصم؟



مها جويني
2019 / 12 / 25

حين ثرنا في شتاء ديسمبر 2010، تسببت مظاهراتنا في كسر حاجز الصمت لدى العديد من الفئات، وأجبرت حكومة بن علي على تعليق الدروس في الجامعات وقطع الانترنت وتنظيم حملات أمنية لملاحقة المتظاهرين بتهمة إثارة الشغب والتآمر على أمن البلاد. عندها، تساءل العديد من المتابعين للشأن التونسي على القنوات العربية والغربية عن الدوافع التي تجعل من شباب دولة أطلق عليها بن علي وإعلامها الوطني لقب "تونس بلد الفرح الدائم" يقدمون على الانتحار والتضامن مع محمد البوعزيزي.1


حينها كانت الإجابات تختلف بين البلاتوهات التلفزية التّي كانت تجلب محللين وخبراء دوليين، يدلون بدلوهم في شؤون البلاد ويطلقون أسماء مختلفة على الثورة. وكان للإعلام الفرنسي تأثيره حين أطلق عليها اسم "ثورة الياسمين"، بعد أن مدّت الحكومة الفرنسية وزارة الداخلية التونسية بعتاد أمني لقمع الثورة ومسارها في أوائل شهر يناير 2011.

ولكننا نحن القابعات والقابعون في الشوارع، كانت لكل منا أسبابه ودوافعه في البقاء في الشارع. لقد كنا شبابا فقد الأمل في المؤسسات الجامعية التي ومنذ 2007 تبنت نظام الـ"ل.م.د."2 التعليمي الذي لم يستوعبه الأساتذة ولم نفهمه نحن كطلبة. كانت الجامعات حينها تشهد الكثير من المظاهرات ضد النتائج الدراسية وضبابية الاختصاصات مثلا. كانت هناك الاجازة التطبيقية في اللغة الفرنسية وهي شهادة لمدة ثلاث سنوات لا تجعل منك أستاذا ولا تمكنك من استكمال الماجستير.

علاوة على تردي الأوضاع في السكن الجامعي وفي وسائل النقل، كنت أواجه التحرش وأنا في طريقي للمعهد. كنت أقطن في منطقة باردو حذو المعهد العالي للعلوم الإنسانية حيث كنت أدرس في قسم الفرنسية. وكنت أواجه المرارات يوميا لأنني اضطر للذهاب على رجلي للمعهد لغياب إمكانية الركوب في الحافلات العمومية لأنها تمر من أمامي وهي مكتظة جدا.

ظروف الذهاب للدراسة يوميا جعلت من طلب العلم كابوسا بالنسبة لي: تحرش في النقل العمومي وتحرش إذا ما مشيت على رجلي وتحرش إذا ما توجهت للأمن الجامعي، والوسائط إذا ما أردت النجاح والتميز. فكل الجامعات والمؤسسات كانت تحكمها لجان الشبابية للتجمع الدستوري الديمقراطي التي كانت تقصي كل من ليس على هوى النظام وجماعته.

وأنا ذات الأصول الأمازيغية القادمة من شمال غرب تونس، أجد نفسي غريبة عن واقعي ومقاييسه. لي شعر مجعد ووجه أسمر وقصائد عن المقاومة وجبال البلاد وتاريخها المغيب عن المناهج الدراسية. كان النظام حينها يتبنى منهج التعريب وربط الأواصر مع العروبة وتمجيد لفكرة الأصول العربية التي غدت تمثل أصالة البلاد وعراقة لكل عائلة. فكل من أراد التفاخر، إدعى بأنه قادم من الحجاز ويسكن بالعاصمة وله بطاقة إنخراط بالتجمع الدستوري الديمقراطي.

الدكتاتورية والفساد واستغلال النفوذ شمل جميع المجالات، بما فيها الاقتصاد والسياسة والتعليم والفن والتاريخ والجغرافيا أيضا. وهي سياسات جعلت من الساحل التونسي مركزا لأهم المشاريع الوطنية من مستشفيات وجامعات ومرفقات ترفيهية وجعلت من الشمال الغربي والجنوب والوسط مناطق مهمشة يغيب فيها الحد الأدنى من مرفقات الحياة.

وفي ظل هذه الأوضاع كانت النساء في تونس الفئة الأكثر ضررا، ولاسيما النساء القادمات من خارج المركزية،3 فترى العنف عليهن مضاعفا. روت لي مرة مها عبد الحميد وهي نسوية تونسية سوداء البشرة أنها كانت في حلقة نقاش مع أحد زملائها من الطلبة الباحثين في مجال التاريخ، فقال لها4 "احمدي ربي كنا نبيعو فيكم بالكيلو"، بمعنى توفقي عن التذمر لقد كنتم تباعون بالكيلوغرامات في تونس قديما.

ولم يكن لمها عبد الحميد حينها سوى أن تتخاصم معه وتدافع عن نفسها لوحدها لأن اليسار التونسي الذي كانت تنتمي إليه لم يكن يرى أن العنصرية قضية جوهرية. إذ أنّهم اختزلوا رسالة اليسار الخالدة في نقطتين: الأولى الصراع الطبقي والثانية إنجاز الثورة الوطنية ذات البعد الإشتراكي.

وفي 17 ديسمبر، أضرم محمد البوعزيزي النار في جسده أمام مقر بلدية سيدي بوزيد. وانطلقت شرارة الثورة من أجل التحرر بداية من سيدي بوزيد والقصرين، وشملت صفاقس والاحياء المهمشة في العاصمة التونسية. كانت نقابات إتحاد الشغل والمنظمات الحقوقية والأحزاب السياسية الممنوعة عن العمل في واجهة المظاهرات. وكان نسق الشارع أقوى من النظام وممن حاولوا قيادة الحشود، فكانت ثورة شبابية تونسية لا قائد لها سوى رمزها محمد البوعزيزي وعربته وشهدائها.

فقدت في أحداث الثورة زميلتي في الدراسة مروى بن يمينة التي توفت بطلق ناري في رأسها من أحد القناصة5 الذي رماها بالرصاص وهي جالسة في غرفة صالون بيتهم. كان الخبر مدويا بالنسبة لي. لقد كانت مروى رفيقتي في إتحاد الطلبة، وكانت تعمل في محل والدها البسيط لبيع المأكولات الغذائية بحي الملاسين، أحد أشهر الاحياء الشعبية والفقيرة بتونس العاصمة.


توجهت لمنزل مروى لأودعها. كانت جنازتها غريبة بالنسبة لي. فلأول مرة أرى النساء تمشي في الجنازة وتغني النشيد الوطني بكل عفوية وتتحدث عن الفقر بصوت عال وتلعن النظام والفساد الذي قتل مروى. قررت إدارة المعهد العالي للعلوم الإنسانية أن تقدم لمروى قاعة بإسمها كشهيدة للثورة التونسية. إستشهاد مروى وخروجنا في المظاهرات وصورنا التي باتت تظهر في شتى وسائل الإعلام كانت محل إعجاب من جميع القوى السياسية بتونس بمختلف أطيافهم السياسية.

ولكن حالة الحب لنساء البلاد تلاشت وغادرت منصات الإعلام حين طالبت جمعية النساء الديمقراطيات ورابطة الناخبات التونسيات بتكريس مبدأ التناصف والتناوب واعتماد قانون انتخابي يكرس مبدأ التناصف على رؤساء القوائم الإنتخابية لدعم تمثيل النساء بالمجلس التأسيسي. ذلك بالإضافة لإصرار جمعية النساء الديمقراطيات على طرح قضية المساواة في الإرث وضمان الحقوق الفردية، ولا سيّما أننا أمام أوّل حكومة وطنية ذات بعد ثوري تأتي بعد سقوط نظام دكتاتوري ظالم. مطلب جوابه كسؤال القذافي لثوار ليبيا "من أنتم"؟



1. من نحن؟

نحن لسن بالجميلات اللواتي على الصور. ولن نرضى بأن نكون "برند" للتيارات السياسية التي تحكم البلاد، تستضيفنا كمزهريات في جلسات الإستماع وتتخذنا كدروع بشرية في المظاهرات أو كجزء لسياسة تسويق الثورة التونسية وحكومة الباجي قايد السبسي الانتقالية.

الثائرات هن المارقات على التقاليد والأعراف. فلقد تجرأت عديد النساء على كسر حاجز الخوف والتوجه نحو ساحة الإعتصام بكل ثقة ودون خوف من نظرة المجتمع لها ودون التفكير في مصيرها. وهنّ في ساحة الإعتصام يقضين ليلة في خيمة مع شباب وبنات لا تربطهنّ بهم صلة سوى أنهم على عهد الحرية والوطن.

هناك، في ساحة القصبة، أمام مقر الوزارة الأولى كنت أشارك الشباب في الوقوف كحزام بشري ضد هجمات البوليس الغادرة التي قد تأتي إلينا كل غرة بتعلة وجود بعض المشتبه بهم. لم يكفّ أهلنا أيضا عن الاتصال بنا لفرط ما سمعوه من إشاعات حول علاقات بين الشباب والبنات داخل خيمات الإعتصام.

قتلت مساحة الحرية التي خلقناها تحت سقف الخيم في دواخلنا هوس الشرف والسمعة. العديدات كن لا يأبهن بنظرة المجتمع ولا بنظرة من يأتي لساحة الإعتصام. وتبين ذلك في تقسيم الأدوار الموكلة إلينا، أنا لم أكن في لجان التغذية والتنظيف وتوزيع الأغطية للمعتصمين، بل كنت في حلقات النقاش وفي الأحزمة البشرية وفي التدقيق اللغوي كلما احتاجوني في أمر ما.

إن الثورة على هوس الشرف رافقتها ثورة على الذكورية والأبوية الطاغية على التاريخ السياسي التونسي. إذ تفاجأت القوى السياسية في تونس بتأنيث الخطاب الثوري من قبل المدونات والاكاديميات والمناضلات، إذ أنّ مساحة الحرية النابعة على تخوم ثورة الكرامة اتسعت لتشمل النضال النسوي ولترفع شعار: "مساواة في الحقوق والواجبات" وشعار"قد قد للبنية والولد" وشعار"مساواة مساواة ديمقراطيات".

مطالب كانت تبدو في الظاهر مرحبة بها من الجميع، بل محلّ إجماع من القوى السياسية التي تدعي التقدمية واليسارية، ولكنها في الباطن محل رفض وتهميش. ففي كواليس النقاشات كان يقال لنا "مش وقتو" بمعنى ليس الآن الوقت المناسب. أجلن مطالبكن إلى ما بعد بتعلة مشروع الحفاظ على الزخم الثوري من قوى الفلول والرجعية.

كان ينظر إلى المساواة الفعلية وكأنها مطلب كمالي ليس ضروريا. فلقد تعاملت القوى السياسية مع قضايا النساء كواجهة جميلة لما يُعرف عند البعض بثورة الياسمين. كانت المرأة حاضرة في الصور الفوتوغرافية والمعلقات الحائطية لجميع التيارات. كانت أيضا ديباجة كل الخطابات السياسية ومحط المزايدات السياسية بين رجال السياسة، وهذا أمر ليس بجديد. فلقد انتهج نظام بن علي للتسويق لنفسه عالميا وعربيا تحت يافطة "الحداثة وتحرير المرأة التونسية". ولكن كيف لنا كنساء تحت نظام دكتاتوري رأسمالي أن ننعم بكامل حقوقنا كمواطنات لا كرعايا؟

لقد ضمّت آخر حكومة لبن علي 45 عضوا منهم أربع نساء وهن وزيرة المرأة والأسرة وكاتبة الدولة للشؤون الاجتماعية وكاتبة الدولة للشؤون الأمريكية والآسيوية وكاتبة الدولة لتكنولوجيا المعلومات، بالإضافة إلى إنتخاب 59 امرأة من 214 مقعدا في البرلمان التونسي سنة 2009، ناهيك عن أن عدد النساء في مجلس المستشارين كان في حدود 17 من أصل 112.

وفي زمن الثورة سنة 2011، وبعد سن قانون المناصفة في القوائم الانتخابية الذي يحث على مشاركة النساء في الحياة السياسية، لم تبلغ نسبة مشاركة المرأة 30 بالمئة من عدد النواب. إذ تم انتخاب 59 إمراة من أصل 218 مقعد، ويعود ذلك للذكورية المهيمنة على عقل الناخب التونسي الذي يرى أنه لا خير في قوم ولّوا أمرهم لامرأة، لأن حسب هؤلاء السياسة هي عمل رجالي ذكوري بأمتياز يصعب إدارته من قبل النساء.



2. حين تتحول النسوية الى وصم اجتماعي

انهالت علينا كلمات من نوع "يسارجية" و"علمانجية" و"ديمخرائيات" و"مزابل الثورة" و"فيمينسط" إلى آخره من الشتائم دون توقف منذ ولادة الثورة التونسية. لقد تماهى رفض مطالب الحركة النسوية مع رفض قوى النظام السابق للثورة باعتبارها صنيعة صهيونية مرتبطة بمشروع الشرق الأوسط الجديد الذي يرمي لخراب المنطقة. وتم ربط ذلك بمطالب الحراك النسوي التقدمي الذي كانت تراه القوى المحافظة تهديدا للهوية العربية الإسلامية لتونس.

كانت الضربات تأتي إلينا من كل حدب وصوب دون مناصر لنا، بداية من جريمة قتل المناضلة الشيوعية كاهنة حسين التي تم رميها من فوق مبنى "انترناسيونال" وتكتم حزب العمال الشيوعي التونسي عن القضية التي تنوبها إحدى مناضلات جمعية النساء الديمقراطيات، مرورا بحملات التشويه التي طالت المدونة لينا بن مهني ووصم "العاهرة" الذي طالنا كلنا وطالني شخصيّا، إذ تمّ نعتي علنا في فيديو لناشط سياسي تونسي يساري الخلفية بـ:"عاهرة العرب"!

كانت القوى اليسارية التقدمية تتفق على عبارة "تجاوزي" كنصيحة لكل متعرضة للعنف. بل كان تضامن الرفاق مع التشويه الذي نتعرض له يحتوي في مضمونه الكثير من الذكورية. لم تختلف مقارباتهم معنا كثيرا عن حديث والدتي ربة البيت البسيطة التي لم تدرس في الجامعة وكانت تواجه العنف المجتمعي بمبدأ الصبر مفتاح الفرج.

ففي أشد المعارك ضرواة يكتفي النشطاء الرجال ببعث رسائل تضامنية تقوم على مبدأ الرجولة والعيب والتربية والأخلاق، ليس من منطلق منصارتنا في صراعنا من أجل المساواة الفعلية. فالتشويه الذي يلحق بالنسويات لا يمس بسمعتنا فقط، بل يمس مسارنا المهني والأكاديمي. إتهمت "لينا بن مهني" مثلا بتصوير فيديوهات إباحية للوصول إلى المنصات العالمية للتدوين. ومؤخرا، إتهمت مناضلة النساء الديمقراطيات "وفاء فرواس" بممارسة الجنس بمقابل. ذلك بالإضافة لما لحق بزوجة الشهيد شكري بلعيد، المناضلة بسمة الخلفاوي، من اتهامات وإشاعات حول طلاقها من الشهيد شكري بلعيد وعلاقة جنسية تجمعها بأحد القيادات اليسارية المتنفذة في الحياة السياسية بتونس.

هذا التضامن الذكوري كان يزيد من تأزم المسألة، بل كان يعزز من مكانة الرجال في الحراك السياسي والحقوقي ويزيد من هشاشة النساء. أصبحت هذه الروايات ذريعة للقوى المحافظة بشتى ألوانها، من نظام قديم وإسلاميين وأحزاب وسطية، للتخاذل في تمكين النساء من المناصب القيادية وفي تفعيل السياسات الوطنية لانهاء العنف المسلط على النساء.

يتخذ التضامن الذكوري عديد الذرائع ولعل أبرزها كلمة "ولد حومتي"، أي ابن حيّي، في تبرئة الرجال. تردّدت الكلمة في مناصرة مغني راب تونسي قدّم اغنية دعت للاغتصاب العلني لأحدى المذيعات التلفزيونية في تونس. أثارت الأغنية رفض وتنديد الحركة النسوية باعتبارها تهدد السلامة الجسدية للمذيعة وقد تجعل من الدعوة لتعنيف النساء في الأغاني أمرا طبيعيا في الوسط التونسي.

وهكذا تحولت الطبقية، أو الصراع الطبقي بين البرجوازية الحاكمة والطبقة المفقرة التي ينتمي افرادها الى القاطنين بالأحياء الشعبية بضواحي العاصمة تونس وساكني المناطق الفقيرة بالريف التونسي، إلى سلاح ضدنا. فقيل أن النسويات في تونس هن من الطبقة المرفهة التي لا شاغل لها سوى الزج بفناني الراب بالسجن ومحاربة الفن الشبابي باسم حقوق النساء. وتباعا لذلك تكونت صفحات على منصات التواصل الاجتماعي للتنديد بالحراك النسوي باعتباره حراكا ضد مشاغل الطبقة الشعبية وضد الاحياء الفقيرة بالأساس. ذلك بالإضافة الى إستعمال كلمة "فيمنيسط" للسخرية من النسويات المناهضات للعنف وتقديمها على أنها تعريف لكل كائن حي لا هم له سوى ملاحقة "رجال البلاد" والزج بهم في السجون تباعا لمنظومة لحقوق الانسان الغربية التي تريد شرا بالأمة العربية ورجالها الذين يمثلون عماد البلاد وحماتها والحاكمين فيها.



3. هي نسوية لأنها وطن يأبى أن ينهزم

يمكننا تعريف النضال النسوي بأنه ثورة ضد الفتاوى الداعية لطاعة الحكام والإذعان لهم وروايات لا خير في قوم ولّوا أمرهم لامرأة. النسوية عمل إنقلابي ضد الاستبداد والخنوع والخرافة التي تجعل من المرأة أم الخطايا وصاحبة المعاصي. النسوية هي رحلتنا نحو الكرامة وحقنا في الحياة كنساء مواطنات.

لقد عرفت النضال النسوي في ربيع 2008 أمام حصار قامت به قوات بن علي لمقر جريدة الموقف المعارضة. بكيت وأنا أصدح بالنشيد الوطني التونسي عاليا مع رئيسة الحزب الديمقراطي التقدمي مية الجريبي6 المعروفة بنضالها ضد إستبداد نظام بن علي في الحكم، رفقة عدد هام من المناضلات المعارضات للدكتاتورية. كنت حينها في بداية العشرين من عمري، وكان الأمر مذهلا بالنسبة لي. نساء تغني لوطن أمام ترسانة من الأمن والبوليس السياسي والمخبرين الذين كانوا يحيطون بنا.

كانت أغانيهن مختلفة عن الأغاني التي نراها في التلفزيون. كانت قصائدهن تروي نضال الكادحات والعاملات بالمصانع. كن يحملن علم البلاد ويقلن "مليون خضراء اليوم تعيش تحت السياط ومتحنيش" وتقول أخريات "قم وضع يديك في يدي نوقف في صف العمال، لا تخاف السجن ولا منفى ولا تعذيب ولا إعتقال".

كلماتهن مستوحاة من روايات الجدات اللواتي عاصرن الإستعمار الفرنسي. وأنا، ذات الأصول الجبلية، يُزهر وجهي فرحا كلما سمعت إحداهن تغني لأنها تروي ذاكرة جبال سالت فيها دماء المقاومات والمقاومين وسال على أرضها عرق فلاحات والفلاحين والكادحات في المصانع والمناجم. نحن القادمات من ريف البلاد أو "مناطق الظل" كما يحلو للنظام أن يسميها نظرا لغياب المرافق الضرورية للحياة من مشافي ومدراس. تموت النساء هناك وهن في طريقهن للعمل، حيث يركبن شاحنات قديمة الطراز تتوجهن بهن في الطرق الوعرة الجبلية. تقول الإحصاءات الرسمية أن 65 بالمائة من النساء العاملات في الفلاحة لا يحظين بالتأمين الاجتماعي ويعملن دون عقود عمل، علاوة على تعرضهن للتحرش. ذلك بالإضافة الى موت بعض الأطفال والبنات في تلك المناطق بسبب البرد والجوع والطرق غير الآمنة، كموت الطفلة مها القضقاضي مؤخرا بواد جارف حين كانت بصدد التوجه للمدرسة.

بعد ثمان سنوات من النضال النسوي ضدّ الآبوية والذكورية اللتين تقفان حاجزا أمام مطالبنا وحقنا في الحياة بكرامة، بات من الضروري أن تقوم الحركة النسوية بكتابة تاريخها وواقعها بقلم صادق يروي الأحداث كما هي بعيدا عن المركزيات بشتى أنواعها العرقية والجغرافية والسياسية. قلم يسجل المظالم التي تتعرض لها المدافعات عن حقوق النساء كما هي، مسميا الأشياء بمسمياتها. فنهاية العنف تبدأ بالتعريف به وتسجيله والنضال من أجل إيقافه.


***********
1. بعد إقبال محمد البوعزيزي للإضمار النار في جسده، عرفت تونس حالات انتحار أخرى مماثلة.

2. هو نظام تعليمي جديد تم إنشاؤه في فرنسا تنفيذا لمشروع برنامج بولون الذي يقضي بإنشاء فضاء جامعي قبل سنة 2010 مطابق لدول الاتحاد الاوربي، تم بدأ العمل بنظام (أل أم دي) في فرنسا سنة 1998، تم اعتماد نظام أل أم دي في بعض الدول العربية اقتداء بالدول الاوروبية. ما يميز نظام (أل أم دي) هو طريقة التقييم التي تختلف عن النظام الكلاسيكي، فالظفر بالشهادة يكون بعد حصول الطالب على 180 رصيدا بمعدل 30 رصيدا في كل سداسي. والرصيد هو وحدة تقييم تحدد وفق العمل الذي ينجزه الطالب والذي يتمثل في مدى انضباطه بالدروس، عمله الشخصي، تربصه، والمذكرة المقدمة.

3. للمركزية أشكال متعددة، منها السياسية، أي أن تكون في الحزب الحاكم، والعرقية، أي أن تكون عربيا، والجغرافية، أي أن تكون ساكنا في العاصمة أو مدن الساحل التونسي مثل "سوسة" من أين يأتي الرئيس بن علي المخلوع.

4. حادثة روتها لي مها عبد الحميد شخصيا في اطار نقاش دار بيننا حول العمل اليساري الطلابي قبل ثورة 2011.

5. استشهدت مروى في قضية القناصة وهم أعوان أمن تونسيون انتشروا أيام الثورة وقتلوا المتظاهرين والمحتجين على الوضع العام بالرصاص الحي.

6. مية الجريبي السياسية التونسية الراحلة، عرفت بمواقفها الصلبة في مواجهة الاستبداد، حيث ناضلت بداية في صفوف الحركة الطلابية أواخر سبعينيات القرن الماضي قبل أن تنخرط في العمل الحزبي، وذلك بمشاركتها في تأسيس "حزب التجمع الاشتراكي التقدمي" الذي غير اسمه فيما بعد إلى "الحزب الديمقراطي التقدمي" ثم إلى "الحزب الجمهوري". تولّت مية الجريبي في 2006 الأمانة العامة لحزب الديمقراطي التقدمي – الذي تحول في 2012 إلى الحزب الجمهوري – خلفا لأحمد نجيب الشابي، لتصبح بذلك أول امرأة تونسية تقود حزبا سياسيا. وفي 2007 خاضت مع الشابي إضرابا عن الطعام استمر شهرا، احتجاجا على إجراء قضائي بطرد الحزب.