مأساة امرأة



عايد سعيد السراج
2006 / 9 / 2

حدثتني قائلة أنها أم لستة أطفال , عندما تركها زوجها وهاجر إلى بلاد الخليج , تلاحقه شتائم الدائنين , بعد أن نَصَب واحتال على كل من يعرف , وهو يبذر الأموال على ملذاته , فلم يترك أحداً من شره لا أصحاب ولا الأغراب , وبعد أن أصبح مدان بالملايين, فر من البلاد وتركني وأولاده الصغار ليس لنا من معيل ولا مال , فبدأت أعمل بالأجرة في أراضي الغير , واستعنت بقوتي وعزيمتي , وأصبحت أعمل ليلاً نهاراً , وكلما صار عندي مبلغاً من المال أشتري به للأولاد لباساً أو طعاماً , أو أشتري اسمنتاً وطوبا وبيدي بدأت أبني غرفاً تأويهم , وكان يساعدني في ذلك أصحاب الضمير , ولم أتنبه إلى أن الأسمنت يحرق اليدين , بل لم أشعر إلا ويداي تنزفان دماً , ولم آبه لذلك لأنني كنت في تحدٍ دائم مع الحياة , نسيت أنه كان يشتمني ويضربني إلا أن يُزْرقّ جسدي , وكنت أتحمل ذلك من أجل أطفالي الصغار , وكلما تذكرت ما كان يفعل بي , ورأيت ما أنا فيه من بؤس وشقاء , زادني ذلك عزيمة , واستنفرت طاقتي وتحديت الألم والسهر والعذاب , واستمريت أعيل أطفالي وأرعاهم وأعلمهم , حيث كان هو في غربته , وكنت أتحول إلى ذئبة تدافع عن أولادها , وتحمي بناتها اللواتي بدأن يكبرن من غدر الرجال , إلا أن أمّنت لهم دخلاً يؤمن لهم شروط إنسانيتهم وعرفت أن الأرض هي الأم الثانية , لاتخذ ل من يستجير بها , هذه هي قصة المرأة المكافحة التي تريد أن تحقق شروط إنسانيتها , حيث أن اللواتي يشبهنها في بلادي ليس لهن عد , تذكرت قصتها بعد أن علمت أنها مرضت حيث بدأ يخونها جسدها , وما لحق به من حيف هي المرأة هذا المخلوق الجليل الرائع الذي نحبه جميعا ً هذا الكائن المملؤ بالحياة والحب , والذي تتوفر فيه أسباب ديمومة البشر , هذا اللغز الجميل المحير الذي ما أن تقترب منه حتى تشعر أنه ملكك, وما أن تبتعد عنه حتى تعرف أنك امتلكت الوهم , إذاً واهمٌ كل من تصور أنه امتلك المرأة لأنه تصور أنه قريب منها, فالمرأة عالم يمتد من شاطىء الحلم إلى شاطىء النار, والمرأة علمتها الأيام كيف تحني رأسها للعواصف , وكيف تترك المسار يسير , وتبقى جالسة على قبة المجد الأنثوي الذي تعرف تماماً أنها على ذراه منذ بدأ الخليقة , وأن هذا الكائن الآخر هو نتاجها ومصدر رعايتها , ومن هنا تراها تؤكد أنها القادرة على استيعاب كل الأشياء , وأيضاً ترى الرجل يحاول تضليلها لجعلها تكون أكثر أستكانة وليونة ليستطيع تشكيلها وفق ما يريد , فالمرأة التي لا تعيش في مجتمع يعيش فيه البشر , متساوون في الحقوق والواجبات , وأيضا في الكرامات لا يستطيع هذا المجتمع أن يحقق لذاته أي مجد , ويظل هذا المجد يعيش في أوهامه وأساطيره مبتعداً عن الواقع الذي هو الحياة ذاتها , فالكل يريد من المرأة أن تكون تابعة لمفاهيم الرجل , الرجل المنكسر المتغطرس الذي يتظاهر بالمعرفة وسيادة القوم , ويحاول أن يحط من إنسانيته وذلك بانحطاطه من دور المرأة , فالنساء اللواتي يمتلكن حريتهن وإنسانيتهن لا يستطعن أن يكن أمهات صالحات لا( لنخفظ لهن جناح الذل من الرحمة ) فقط , بل لنجعل منهن وبمعيتهن سيدات صالحات يتربعن على قمة الخُلق , ويستطعن أن يساهمن في مجد الأمة , فالمجتمعات التي تحترم نفسها لاتعبىء الناس شعارات كاذبة , ودماغوجيات مفضوحة , بل علماً وقيماً سامية, وتصوغ قوانين وأنظمة تظهر العدل,ولا تنظر على نصفها الآخر , أنه عيب فالذي يخجل من يده اليسرى ليعمل بها , وتتحول إلى عضو غير نافع بل عالة على الجسد فيمرض الجسد , وآنئذٍ يشل العنصر القيم من المجتمع فبوركت أمة تحترم نساءها وبوركت أمة عرفتها أنها السيدة المحترمة للخليقة وقد خصها الله بالأمومة والحنان , فالحرية والعلم والصدق مع الذات يخلق مجتمعا ً لا يميز بين المرأة والرجل , ولا يخلق عالماً معقدا ومتناقضاً من الداخل, فإن النساء اللواتي وئدن في زمن الجاهلية , يئدون اليوم إنسانيتهن , ويحولونهن إلى دما طيعة خانعة , لهذا الجاهل المتكبر الذي يدعي أنه قيم عليهن, وأنهن رمزاً للخطيئة , وكأنه ليس طرفاً فيها 0 أيتها النساء يا سيدات الوفاء مزقن الحجب واُحملهن الأقلام عالية لأن الأقلام شموع تبدد الظلام والمرأة قادرة أن تكون مثل الرجل تماماً في كل العوامل, من أدب وعلم وفن وسياسة, ثم ألا يتعض العرب من , كولدا مائير , رئيسة وزراء إسرائيل التي علمتنا أن الرجال ليسوا وحدهم القادرون على صنع القرار الإستراتيجي, وجعلت رؤساء العرب آنذاك يقفون صاغرين أمام جبروتها وهم يضطهدون نساء بلادهم , ويعتبرونهن عيب أو عار , فتحية لحرات بلادي وهن يأخذن قرار تهن بأيدهن0
وعلى المرأة الأكثر وعياً وثقافة أن تعي دورها في فضح الظلم , والجهل , والاضطهاد , وكلما كان المجتمع الذكوري أكثر غيّا,ً تكون المرأة أكثر انسحاقا وعبودية وذلاً وخنوعاً , أعطني مجتمعاً يقدر حرية وإنسانية المرأة , أقول لك أن هذا المجتمع حقق شروط إنسانيته , أما اللذين يفهمون أن المرأة عورة وأنها ناقصة ومنقوصة في أخلاقها وقيمها , فهم مرضى وموتورون وحكموا على أنفسهم ومجتمعاتهم بالحيف , وحكم السيف , وأعادوا التاريخ إلى الوراء , وما الشعارات البراقة التي يتحدثون بها عن المرأة , إلا أكاذيب وأوهام , ونفاق , بَيِّن , لا يفضح إلا أهله من مجانين ومرضى وهمج القرن الواحد والعشرين , فإلى متى تظل نساء بلادنا الصابرات , ينتظرن رحمة الرجل الهمجي الذي بلا رحمة 0