الحجاب عبر التاريخ _ القسم الثالث



حسن نبو
2024 / 2 / 19

الحجاب في الديانة الاسلامية:
أولى الفقهاء المسلمون اهتماما كبيرا بالحجاب وجعلوه فريضة دينية على المرأة المسلمة عند غير، محارمها ، لأنهم اعتبروا أن المرأة مصدر فتنة وأن تحجيبها يمنع النظر إليها وبالتالي يمنع من وقوع الفتنة .
وقد اختلف الفقهاء في شرعية حجب وجه وكفي المرأة ففي مذهب الإمام "أحمد بن حنبل " والصحيح من مذهب "الشافعي" انه يجب على المرأة حجب وجهها وكفيها أمام الرجال الأجانب لأن الوجه والكفين عورة بالنسبة للنظر ، اما في مذهب "ابي حنيفة" ومذهب "مالك" فإن تغطية الوجه والكفين غير واجبة بل مستحبة، ولكن علماء الحنفية والمالكية افتوا منذ زمن بعيد بتغطية الوجه والكفين عند خوف الفتنة بالمرأة او على المرأة ، كما حرم الفقهاء التبرج أمام غير المحارم ، والتبرج هو إظهار المرأة زينتها وإبداء محاسنها أمام الرجال الاجانب مما يستدعي إثارة شهوتهم الجنسية .

وفي المذهب الشيعي فإن أكثر العلماء والمراجع العظام لايوجبون على المرأة ستر وجهها وكفيها ، ولذلك لاداعي لأن تلبس المرأة النقاب، يقول "السيستاني":الواجب على المرأة ستر كل جسمها عن الرجل الأجنبي الا الوجه والكفين من دون زينة  او مكياج إلا إذا كان الابداء بداعي إيقاع الرجل في النظر المحرم ، أو كان مع خوف الوقوع في الحرام جراء ذلك.

تأمر البنت بالحجاب اذا بلغت الحلم لدى الفقهاء ، أي اذا أنزلت المني في النوم او غير النوم ، او انبتت الشعر الخشن حول القبل اي حول العانة ، ويجب أن يكون هذا الشعر كثيفا يحتاج إلى حلق بين كل فترة واخرى ، او اذا اكتملت البنت خمس عشرة سنة هجرية . ولكن ينبغي أن تدرب البنت قبل ارتداء الحجاب اذا بلغت سن التاسعة لأنها حينئذ تشتهي .

والحجاب لدى الفقهاء هو ماتلبسه المرأة المسلمة من الثياب يمنع الرجال الاجانب من رؤية شيئ من بدنها ، أو هو ساتر يستر الجسم فلايشف ولايوصف ، أو هو ماتلبسه المرأة لستر عورتها عن الأجانب ويدخل في العورة الوجه والكفان لدى بعض المذاهب كما سبق القول .
أما شروط الحجاب فهي أن يكون لباس المرأة فضفاضا لايصف تفاصيل جسد المرأة وأن لايكون شفافا يرى من خلاله جسد المرأة .
واعتبر الفقهاء أن الازار والملاءة والرداء ألفاظ لمسمى واحد هو الحجاب . الرداء هو مايغطي القسم الأعلى من الجسم، اما الازار هو مايغطي الجسم من الأسفل،  وقد يكون على شكل سروال ، أما الملاءة فهي ثوب من قطعة واحدة يلبس فوق الثياب .
قال "ابن تيمية": أن الجلباب هو الملاءة وسماه "ابن مسعود" وغيره الرداء . بينما اعتبر "ابن الاثير" أن الجلباب هو الازار والرداء . وكل هذه التسميات هي ماتغطي به المرأة رأسها وصدرها وظهرها وباقي الجسم . أما الخمار فهو ماتضعه المرأة على رأسها وتسدله على وجهها وعندها عند وجود الرجال الاجانب ، ويجب على المرأة اذا لبست الخمار او النقاب أن تستر بقية بدنها إذا كان عندها رجال أجانب .

الأدلة الشرعية التي استنبط منها الفقهاء في جعل الحجاب فريضة دينية :

قبل التطرق إلى هذه الأدلة لابد من طرح السؤال التالي : لماذا فرض الفقهاء المسلمون الحجاب على المرأة وحدها دون الرجل؟
يقول الباحث الإسلامي المصري الراحل خليل عبد الكريم في كتابه مجتمع يثرب - العلاقة بين الرجل والمرأة في العهدين المحمدي والخليفي : كان مجتمع يثرب قبل الرسالة المحمدية أميا ساذجا لم يكن لديه أي نشاط عمراني أو فني أو علمي أو فلسفي ويعاني من الجفاف والحرارة العالية الأمر الذي سيؤدي حتما إلى توقد النشاط الجنسي لدى الرجل والمرأة ولم تختف المشاكل بعد ظهور الإسلام فالقاعدة الشعبية تبقى تحتفظ بعاداتها مهما حاول النبي تقويمهم من خلال النصح والارشاد .
ويضيف عبدالكريم : كان الزنا نسق إجتماعي شائع تمارسه الفتيات حتى داخل المنازل رغم رقابة الأهل والجيران ووصل الأمر بالنبي إلى حد نهي الأزواج عن مفاجئة زوجاتهم ليلا بسبب الانحلال الخلفي والعلاقات الجنسية المنتشرة خارج الزواج والخيانات الجنسية . وكانت الدعارة موجودة ، فقد كان على سبيل المثال لدى  عبدالله بن أبي سلول اماء وكان يكرههن على البغاء مقابل المال ورغبة في أولادهن ، فتم نصحه من خلال الآية ٣٣ من سورة النور التي قالت (ولاتكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ومن يكرههن فإن الله بعد إكراههن غفور رحيم ) .
واستمر هذا الأمر في عهد الخلفاء أيضا ففي عهد الخليفة عمر بن الخطاب ضبط مغيرة بن شعبه احد أصحاب النبي وقد كان واليا على البصرة من قبل أربعة رجال متلبسا بالزنى مع إمرأة تدعى ام جميل لكن عمر برأه لأن احد الشهود قالوا انه لم ير الميل في المكحلة ولم يتعرف جيدا على ام جميل بل شبهها . لكن تم عزله عن الولاية .
يمكن القول استنادا إلى ماورد أن كثرة المشاكل الجنسية وكثرة التحرش بالنساء في زمن محمد هي التي أدت إلى فرض الحجاب على المرأة وعزلها من الفضاء الاجتماعي بهدف وضع حد لهذه المشاكل الجنسية أو التقليل منها .

استنبط الفقهاء لاحقا حكم الحجاب من الآيات التالية :(الآيتان 53 و59 من سورة الأحزاب والآية 31 من سورة النور .
تقول الآية 53 من سورة الأحزاب ( ياأيها الذين آمنوا لاتدخلوا بيوت النبي الا أن يأذن لكم إلى طعام غير ناظرين إياه ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طتمتم فانتشروا ولا مستانسين لحديث إن ذلك يؤذي النبي فيستحي منكم والله لايستحي من الحق وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب ذلك أطهر، لقلوبكم وقلوبهن وماكان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده ان ذلك كان عند الله عظيما) .
قال انس بن مالك : نزلت هذه الآية في شأن وليمة أقامها النبي بعد زواجه من زينب بنت جحش بسبب عدم إنصراف بعض المدعوين إلى الوليمة بعد تناولهم الطعام الأمر الذي أدى  إلى تضايق النبي إذ كان يريد الدخول إلى غرفة زينب ووطئها .
أما سبب نزول (وماكان لكم ان تنكحوا ازواجه من بعده) فهو حسب قول المفسرين أن احد أصحاب النبي وقيل أنه طلحة بن عبيدالله قد قال لئن قبض رسول الله أي مات لأنكحن عائشة من بعده .
أما الآية 59 من سورة الأحزاب والتي تقول (ياايها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المسلمين يدنين عليهن من جلابيبهن  فلايؤذين وكان الله غفورا رحيما)  فسبب نزولها كما قال المفسرون هو إلزام نساء النبي بارتداء الحجاب عند خروجهن في الليل لقضاء حاجتهن لكي لايتعرضن للتحرش من قبل المنافقين والفساق لأن هؤلاء إذا رأوا إمرأة  بدون جلباب طويل وقناع فيظنونها أمة ويتحرشون بها .
وتقول الآية (31) من سورة النور ( وقل للمؤمنات يغضضن من ابصارهن ويحفظن فروجهن ولايبدين زينتهن إلا ماظر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولايبدين زينتهن الا لبعولتهن أو اباءهن  أو اباء بعولتهن أوابناءهن أو أبناء بعولتهن أو اخوانهن أو بني اخوانهن أو بني اخواتهن  أو نساءهن أو ماملكت ايمانهن أو التابعين غير اولي الإربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ولايضربن بأرجلهن ليعلم مايخفين من زينتهن وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون ) .

وقد أمرت الآية المذكورة  المؤمنات كما جاء في التفاسير بعدم النظر إلى العورات والرجال بشهوة ويحفظن فروجهن من التمكن من جماعها أو مسها ولايظهرن في الثياب الجميلة والحلي للغرباء الا ماظهر منها اي : الا الثياب الظاهرة التي جرت العادة بلبسها إذا لم يكن في ذلك مايدعو للفتنة ويسترن جيوبهم اي : فتحة الصدر . 
لكن الآية المذكورة ( ٣١ ) من سورة النور سمحت بإبداء الزينة أمام الزوج والأب ووالد الزوج والجد وأن علا والأبناء وأبناء الزوج مهما نزلوا والإخوان وأبناء الاخوان والاخوات وأبناء البنات . كما سمحت الآية المذكورة للنساء المسلمات أن ينظر بعضهن إلى بعض . ويجوز للمملوك إذا كان كله للأنثى أن ينظر لرؤيته مادامت مالكة له كله ، فإذا زال الملك كله أو بعضه لم يجز النظر . كذلك سمحت الآية المذكورة للمرأة إبداء زينتها أمام الرجال الذين لا إربة لهم في هذه الشهوة كالمعتاد والعنين الذين لم تبق لهما شهوة لافي فرجه ولا في قلبه ، وأمام الطفل الذي لم يظهر على عورات النساء لأنه لم يبلغ بعد سن الشهوة .
كمابينت الآية المذكورة حسب المفسرين بعدم جواز ضرب النساء الأرض بأرجلهن ليصدر صوت الحلي كالخلاخيل وغيرها فتعلم زينتهن بسببه فيكون وسيلة للزنى .
أما سبب نزول الآية ( ٣١ ) من سورة النور ، فقد ذكر مقاتل بن حيان أن جابر بن عبدالله الأنصاري حدث أن أسماء بنت مرشدة كانت في محل لها في بني حارثة فجعل النساء يدخلن عليها غير متزرات فيدو مافي أرجلهن من الخلاخيل وتبدو صدورهن وذوائبهن وهي الشعر المتولي على شكل ضفائر ، فقالت اسماء ماأقبح هذا ، فينزل الله هذه الآية .
وقد استثنى الفقهاء النساء الكبيرات في السن من إخفاء الزينة ، وهن اللواتي فرغت نفوسهن من الرغية في معاشرة الرجال ، وفرغت اجسادهن من الفتنة المثيرة للشهوات ، استنادا إلى الآية ( 60  من سورة النور التي تقول ( والقواعد من النساء اللاتي لايرجون نكاحا فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة وأن يستعففن خير لهن والله سميع عليم ) اي يجوز لهن إظهار زينتهن بشرط أن لايتبرجن ولايضربن الأرض بأرجلهن لأن مجرد الزينة يدعو إلى الفتنة .
إضافة إلى الآيات الواردة ذكرها استند الفقهاء في فرض الحجاب على أحاديث نبوية ، ومن أشهر هذه الأحاديث الحديث التالي : ( عن الوليد بن سعيد بن بشير عن قتادة عن خالد بن دريك عن عائشة أن اسماء بنت أبي بكر دخلت على النبي وعليها ثياب رقاق،  فأعرض عنها رسول الله وقال : يا أسماء أن المرأة اذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها الا هذا وهذا وأشار إلى وجهه وكفيه ) رواه ابو داود .