|
|
غلق | | مركز مساواة المرأة | |
|
خيارات وادوات |

عادل الدول
!--a>
2026 / 1 / 7
في عالمنا المعاصر، يُشكّل التحرش الجنسي أحد التحديات الإنسانية الأعمق، لا كمشكلة فردية، بل كمرآة تعكس خللاً منهجياً في علاقات السلطة، وتربية المجتمعات، وعدل أنظمتها. وعلى الرغم من الفروق الثقافية والتشريعية الواضحة بين الدول العربية والغربية، فإن الظاهرة تتفشّى في كليهما—ليس لأنها "مستوردة" أو "أصيلة"، بل لأن جذورها تترابط مع هشاشة الحماية الاجتماعية، وتشويه مفاهيم الكرامة والحدود البشرية.
وفقًا لتقارير منظمة الصحة العالمية (2025)، تعرضت نحو 840 مليون امرأة عالميًّا للعنف الجنسي أو العنف من شريك حميم، وهو رقم يُفنّد الادّعاءات التي تحصر التحرش في بيئة جغرافية أو ثقافية معيّنة. في هذا المقال، نستعرض واقع التحرش في السياقين العربي والغربي، انطلاقًا من أحدث البيانات حتى عام 2026، مع تسليط الضوء على الإحصاءات، الأسباب البنيوية، طبيعة المتحرش، ظاهرة لوم الضحية، ودور الإعلام، في محاولة لفهم الظاهرة لا كحالة فردية، بل كأعراض نظام مريض.
التحرش في الدول العربية: بين الصمت الثقافي والأزمات البنيوية
في العالم العربي، يغدو التحرش غالبًا جزءًا من نسيج اليومي، مُسَكَّتًا بصمتٍ اجتماعي أو مُبرَّرًا بخطابات ثقافية تحمّل الضحية مسؤولية الجريمة. ويكشف تقرير صندوق الأمم المتحدة للمرأة (UN Women) للفترة 2023–2025 أن 60% من النساء المستخدمات للإنترنت في المنطقة عانين من عنف رقمي، كان التحرش الجنسي أحد أشكاله البارزة. كما تشير دراسة منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD، 2025) إلى أن ثُلث نساء منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تعرّضن لشكل من أشكال العنف القائم على النوع الاجتماعي، مع ارتفاع ملحوظ في حالات التحرش في الأماكن العامة وبيئات العمل.
وفي تفاصيل وطنية:
مصر: أظهر "البارومتر العربي" (2025) أن 44% من النساء واجهن تحرشًا جنسيًّا.
السعودية: كشفت دراسة (2025) عن تباين واسع في المعدلات المهنية، من 2.1% إلى 53.3%، بحسب القطاع والمكان.
لبنان: أفاد استطلاع (2024) بأن 60% من النساء يرون أن الأزمات الاقتصادية دفعت بظاهرة التحرش نحو التصاعد.
وإذا كانت الضغوط الاقتصادية والبطالة تُغذّي شعورًا بالعجز لدى بعض الذكور، فإن البعض يحوّله إلى ممارسة عنفٍ جنسي كوسيلة لاستعادة إحساسٍ زائف بالسلطة. لكنّ العامل الأعمق يكمن في ثقافة اللوم، التي تتحوّل فيها الضحية إلى متهمة: في ملابسها، خروجها، صمتها، أو تأخّر بلاغها. ومع ذلك، بدأت بوادر التغيير تطلّ في بعض الدول، كـالجزائر التي جرّمت التحرش صراحةً، أو مصر التي أدخلت تعديلات تشريعية رغم التحديات التنفيذية.
التحرش في الدول الغربية: ظاهرة "العنف الخفي" رغم القوانين
رغم البنية التشريعية الأكثر تقدّمًا، لا تعيش الدول الغربية مناعةً من التحرش. فوفق UN Women (2025)، تعرضت 35% من النساء عالميًّا للتحرش الجنسي. وفي الاتحاد الأوروبي، أفادت وكالة EIGE (2025) أن 31% من العاملات واجهن تحرشًا في أماكن العمل—ترتفع إلى 42% بين الشابات دون 30 عامًا.
وفي الولايات المتحدة، كشفت إحصاءات (2025) أن 35% من النساء تعرضن لتحرش، بينما أكدت بيانات المملكة المتحدة (2025) أن 71% من النساء عانين من تحرش في الأماكن العامة. كما ساهمت موجات الهجرة غير المنظمة، في بعض السياقات، في تزايد حالات العنف الجنسي المرتبطة بانعدام الأمان القانوني والاجتماعي.
ومع ذلك، شكّلت حملات مثل #MeToo نقطة تحوّل، لا لأنها أزالت التحرش، بل لأنها كسرت جدران الصمت، وجعلت من محاسبة المتحرشين—حتى لو كانوا من النخبة—أمرًا ممكنًا. كما ساهمت اتفاقيات مثل اتفاقية إسطنبول في ربط الوقاية بالعقاب والتعليم، لا بالعقاب وحده.
من هو المتحرش؟ تفكيك الصورة النمطية
الخطأ الأكثر انتشارًا هو تصوير المتحرش كـ"منحرف هامشي"، بينما تُظهر الوقائع أن المتحرش غالبًا ما يكون صاحب سلطة: أستاذ جامعي، مدير عمل، فنان مشهور، أو حتى "رجل محترم" في مجتمعه.
في العالم العربي، تُظهر دراسات أن المتحرشين ينتمون في كثير من الأحيان إلى طبقات متعلمة ومرموقة، ويستغلون عدم التوازن في السلطة لفرض سلوكٍ غير مرغوب. وليس الفقر أو الجهل السبب الرئيسي، بل الخلل في فهم العلاقة بين الجسد، الحريّة، والسلطة.
وفي الغرب، كشفت حملة #MeToo عن متحرشين من قلب النخبة: من هارفي واينستاين في هوليوود، إلى سياسيين وصحفيين ورياضيين. وهذا يؤكد أن التحرش ليس تعبيرًا عن "شهوة"، بل عن إرادة السيطرة—سواء في سياق اقتصادي متردٍّ، أو في قلب أرقى المؤسسات.
الضحية ليست متهمة: كسر حلقة اللوم
ثمة وحشٌ يوازي التحرش في ضرره: لوم الضحية. الأسئلة مثل "لماذا خرجت؟"، "لماذا سكتت؟"، "لماذا ارتدت ذلك؟" ليست استفسارات بريئة، بل أدواتٌ تُعيد إنتاج الجريمة، وتُثبّت ثقافة الإفلات من العقاب. وفي المجتمعات العربية، يُعمّق هذا الخطاب من وصمة العار، فيُجبر الضحايا على الاختيار بين الصمت أو التهميش.
في المقابل، بيّنت التجارب الغربية أن كسر الصمت لا يُضعف المجتمع، بل يُقوّيه. فالاعتراف بالضحايا، وضمان حمايتهن دون تشكيك في نواياهن، هو أولى خطوات العدالة. والمحاسبة ليست انتقامًا، بل استعادة للكرامة الجماعية.
الإعلام: بين التوعية والتشهير
يلعب الإعلام دورًا مزدوجًا: فقد يكون صوت الضمير، أو مرآة للانتهاكات، ولكنه قد يتحول أيضًا إلى أداة للتشهير، أو التغطية الاستعراضية التي تُعيد إنتاج الصدمة دون معالجة جذرية. في الغرب، ساهمت #MeToo في تحويل التغطية الإعلامية من التساؤل عن "صدق الضحية" إلى التساؤل عن "نظام الحماية".
وفي العالم العربي، لا يزال الإعلام يتردّد بين التحفّظ الثقافي والإثارة الرخيصة. والمطلوب اليوم هو خطاب إعلامي مسؤول—يحمي هوية الضحية، ويُركّز على الجريمة لا على التفاصيل، ويعزّز الفهم القانوني والأخلاقي، لا الاستهلاك العاطفي.
نحو حلول عابرة للحدود
لا يمكن محاربة التحرش بقوانين وحدها، ولا بحملات وحدها. الحل يكمن في:
التعليم المبكر حول الموافقة، الحدود الجسدية، والمساواة.
تشريعات صارمة وغير انتقائية تُطبّق على الجميع، بغض النظر عن المركز الاجتماعي.
دعم الضحايا نفسيًّا وقانونيًّا، دون استغلال قصصهن.
دور النخب الثقافية والدينية في العالم العربي لإعادة تعريف الكرامة بعيدًا عن تحميل النساء مسؤولية سلوك الرجال.
تعاون دولي لمواجهة العنف الرقمي، وتبادل أفضل الممارسات في الحماية والمحاسبة.
التحرش امتحان عدالة المجتمع
التحرش الجنسي ليس "مرض الشرق" ولا "انحلال الغرب". إنه اختبار لضمير أي مجتمع: هل يحمي الأضعف؟ هل يعاقب القوي؟ هل يجرّم السلوك أم يجرّم الضحية؟
العدالة الحقيقية لا تبدأ حين يُعاقب المتحرش، بل حين تُصان كرامة من تعرّضت للتحرش دون سؤالٍ عن "ما كان ينبغي أن تفعله". ففي تلك اللحظة، لا يُهزَم المتحرش فحسب، بل يتعافى المجتمع من جذوره.
دعوة للانضمام الى موقعنا في الفسبوك
|
نظام تعليقات الموقع متوقف حاليا لاسباب تقنية نرجو استخدام تعليقات
الفيسبوك
|