|
|
غلق | | مركز مساواة المرأة | |
|
خيارات وادوات |
جعفر حيدر
!--a>
2026 / 3 / 2
بقلم /جعفر حيدر
حرب الظلال بين إسرائيل وإيران لم تعد تُقاس فقط بعدد الصواريخ أو حجم الضربات غير المباشرة، بل باتت تُقاس أيضاً بحجم الضجيج الإعلامي الذي يصنع واقعاً موازياً، واقعاً تتبدل فيه الأولويات ويُعاد ترتيب سلّم الاهتمام العام بطريقة تُخفي الجرائم المحلية خلف عناوين كبرى، فالموجات الإعلامية المتضخمة حين تشتعل تغدو مثل عاصفة غبار سياسية، تحجب الرؤية عن المجتمع وتسمح بمرور أحداث خطيرة دون مساءلة كافية، وفي العراق تحديداً تتجلى هذه الظاهرة بوضوح، إذ تتزامن لحظات التصعيد الإقليمي غالباً مع تصاعد خطاب تعبوي يبتلع النقاش الداخلي، وفي هذا المناخ تصبح الشخصيات المؤثرة، ولا سيما المدنية والناشطة، أكثر عرضة للاستهداف لأن الضجيج الخارجي يوفر غطاءً مثالياً لتشتيت الانتباه وتقليل الضغط الشعبي، ومن الأمثلة الصادمة التي تُستحضر هنا اغتيال الناشطة العراقية يَنار محمد، رئيسة منظمة حرية المرأة في العراق وعضو اللجنة المركزية لمنظمة البديل الشيوعي، والتي ورد في بيان النعي أنها قُتلت صباح الاثنين 2 آذار/مارس 2026 في بغداد بعد أن أطلق مسلحان يستقلان دراجة نارية النار عليها فأُصيبت إصابات بالغة فارقت على إثرها الحياة بعد وقت قصير من نقلها إلى المستشفى، وهي جريمة لم تكن مجرد حادث أمني بل ضربة لرمز مدني ظل لسنوات يدافع عن قضايا النساء والحريات، ومع ذلك مرّ الخبر في فضاء إعلامي مشبع بأخبار الصراع الإقليمي وكأنه تفصيل عابر، وهنا تتجلى خطورة اللحظة: حين يصبح الصراع الخارجي أداة غير مباشرة لتبريد الغضب الداخلي، فالقضية لا تتعلق بنظرية مؤامرة بقدر ما تتعلق بآلية انتباه جماعي يُعاد توجيهه باستمرار، والأمر ذاته يمكن قراءته في الجدل الواسع حول ما عُرف بقضية “الدكتورة بان”، إذ تحولت إلى موجة إعلامية ضخمة اجتاحت المنصات والبرامج الحوارية، لكنها في ذروة انتشارها ساهمت عملياً في تراجع الاهتمام بجريمة مروّعة وقعت في محافظة النجف الأشرف حيث قُتلت فتاة على يد شقيقها في واقعة عنف أسري هزّت المجتمع محلياً لكنها لم تنل الحيز ذاته من المتابعة، وكأن منطق السوق الإعلامي يفرض مفاضلة غير أخلاقية بين القصص: ما يثير الجدل أكثر يطغى، وما يحتاج عدالة أعمق يُهمَّش، وهكذا يتكوّن مشهد مضلل لا بالكذب الصريح بل بانتقائية الضوء، إذ تُسلَّط الكاميرات بكثافة على ملفات معينة بينما تُترك جرائم أخرى في الظل، وفي المحصلة يصبح المواطن محاصراً بسرديات كبرى عن حروب ونفوذ ومحاور، بينما تتآكل ثقته تدريجياً لأن العدالة اليومية تبدو مؤجلة دائماً، لذلك فإن قراءة المشهد العراقي اليوم تقتضي فهم العلاقة العضوية بين الصراع الإقليمي والفضاء الإعلامي المحلي، فكلما اشتدت حرارة المواجهة بين طهران وتل أبيب ارتفع منسوب الضجيج، وكلما ارتفع الضجيج زادت قابلية المجتمع لأن يفقد تركيزه على قضاياه الداخلية الأكثر إلحاحاً، ومن هنا فإن حماية الشخصيات المدنية وكشف الجرائم المحلية لا تحتاج فقط إلى إجراءات أمنية بل إلى وعي إعلامي يعيد ترتيب الأولويات ويمنح الضحايا حضورهم الكامل في الذاكرة العامة بدل أن يبتلعهم صخب الحروب البعيدة.
دعوة للانضمام الى موقعنا في الفسبوك
|
نظام تعليقات الموقع متوقف حاليا لاسباب تقنية نرجو استخدام تعليقات
الفيسبوك
|