|
|
غلق | | مركز مساواة المرأة | |
|
خيارات وادوات |
احمد عناد
!--a>
2026 / 3 / 6
في المجتمعات المضطربة، لا تكون الحروب دائماً بين جيوشٍ واضحة.
أحياناً تتحول الأجساد نفسها إلى ساحات حرب.
وحين تضعف الدولة، وتتمدد قوى السلاح خارج القانون، لا يعود الصراع يدور حول الأفكار وحدها، بل حول من يمتلك الحق في الوجود داخل المجال العام.
في مثل هذه اللحظات، يصبح جسد المرأة
ــ تحديداً ــ ساحة رمزية لإظهار القوة.
اغتيال الناشطة ينار محمد، رئيسة منظمة حرية المرأة في العراق، ليس حادثة معزولة في سياق العنف العراقي.
إنه حدث يكشف عن طبقات أعمق من الأزمة التي يعيشها المجتمع.
فالمرأة التي ترفع صوتها دفاعاً عن الحرية، لا تواجه خصماً واحداً، بل تواجه منظومة كاملة:
سلطة سياسية خائفة من النقد،
ومجتمعاً تقليدياً يرى في استقلال المرأة تهديداً لترتيبه القديم،
وقوى مسلحة لا تعترف إلا بلغة القوة.
لهذا تتحول المرأة الحرة إلى هدف.
ليس لأنها تحمل سلاحاً،
بل لأنها تحمل فكرة.
المفارقة المؤلمة أن الرصاصة لا تكون غالباً البداية.
ففي زمن الفوضى، يبدأ الاغتيال بالكلمات.
تُطلق حملات التشويه،
تُنسج التهم،
وتتحول مواقع التواصل إلى محاكم أخلاقية مفتوحة.
هناك يتم اغتيال الشخصية أولاً.
وعندما ينجح هذا الاغتيال الرمزي، تصبح الرصاصة مجرد خاتمة لعملية بدأت منذ زمن.
إن المجتمعات التي تخاف من المرأة ليست مجتمعات قوية.
بل مجتمعات تعيش قلقاً عميقاً من الحرية نفسها.
فالمرأة الحرة لا تمثل فقط تحرر نصف المجتمع،
بل تمثل انهيار نظام كامل من السيطرة الرمزية التي اعتادتها السلطة الذكورية، سواء كانت سلطة العشيرة أو الحزب أو المليشيا.
لهذا فإن استهداف النساء الناشطات يحمل دائماً معنى يتجاوز الشخص.
إنه إعلان غير مكتوب يقول:
إن المجال العام ليس مفتوحاً للجميع.
لكن التاريخ يعلمنا شيئاً مهماً.
كل سلطة حاولت إخضاع الجسد بالقوة، انتهت إلى الفشل.
من محاكم التفتيش في أوروبا،
إلى الأنظمة الشمولية في القرن العشرين،
ظل الجسد البشري يحمل قدرة عجيبة على المقاومة.
قد يُقتل الإنسان،
لكن الفكرة التي مات من أجلها غالباً ما تصبح أكثر حضوراً بعد غيابه.
المأساة الحقيقية ليست في اغتيال امرأة شجاعة.
المأساة أن يصبح هذا الاغتيال حدثاً عادياً في وعي المجتمع.
حين يعتاد الناس خبر القتل،
فإن الخطر لا يكون في الرصاص فقط،
بل في موت الحس الأخلاقي الذي يجعل المجتمع يقف ضد الظلم .
إن المجتمع الذي تتحول فيه أجساد النساء إلى رسائل سياسية بالسلاح،
هو مجتمع لم يحسم بعد سؤاله الأساسي:
هل يحكمه القانون…
أم تحكمه البنادق؟
وحتى يُحسم هذا السؤال،
ستبقى الحرية في العراق تمشي على حافة الرصاص.
دعوة للانضمام الى موقعنا في الفسبوك
|
نظام تعليقات الموقع متوقف حاليا لاسباب تقنية نرجو استخدام تعليقات
الفيسبوك
|