|
|
غلق | | مركز مساواة المرأة | |
|
خيارات وادوات |
جابر احمد
!--a>
2026 / 4 / 4
في تطور لافت يحمل أبعاداً خطيرة، كشف رحيم نادعلي، معاون الشؤون الثقافية في الحرس الثوري بطهران، عن استخدام أطفال تتراوح أعمارهم بين 12 و13 عاماً في مهام الدوريات الاستخباراتية والعملياتية، إضافة إلى إشراكهم في نقاط التفتيش التابعة لقوات “البسيج” داخل المدن. ويُعد هذا التصريح، بما يحمله من وضوح، مؤشراً على تحوّل مقلق في طبيعة السياسات الأمنية الداخلية للنظام، حيث لم يعد إشراك القاصرين أمراً غير معلن أو استثنائياً، بل بات يُطرح بشكل علني وشبه رسمي وتحت مبررات تثير الكثير من التساؤلات.
وحاول نادعلي تبرير هذه الخطوة بالإشارة إلى ما وصفه بـ”الإقبال الواسع” من قبل المراهقين على المشاركة في هذه الأنشطة، موضحاً أن الجهات المعنية قامت بخفض سن المشاركة إلى 12 عاماً استجابةً لهذه الرغبات. ووفقاً لتصريحه، فإن المشروع يشمل مجالات متعددة، من بينها الدوريات ذات الطابع الاستخباراتي والعملياتي، إلى جانب نقاط التفتيش المنتشرة في المدن، حيث أبدى، بحسب قوله، عدد متزايد من الفتيان رغبتهم في الانخراط في هذه الأدوار.
غير أن التوقف عند هذا التبرير يفتح الباب أمام تساؤلات أعمق تتعلق بطبيعة البيئة التي يُنشأ فيها هؤلاء الأطفال، ومدى استقلالية هذا “الطلب” الذي يتم الحديث عنه. فإشراك أطفال في سن الثانية عشرة في مهام أمنية حساسة لا يمكن فصله عن منظومة أوسع من التعبئة الأيديولوجية والتوجيه المنهجي، التي تدفع القاصرين نحو أدوار تتجاوز قدراتهم النفسية والجسدية، وتضعهم في سياقات لا تتناسب مع مراحلهم العمرية.
هذا التطور لا يبدو معزولاً عن سياق تاريخي طويل، بل يعيد إلى الواجهة واحدة من أكثر الصفحات قتامة في تاريخ المنطقة، حينما لجأ النظام الإيراني خلال الحرب الإيرانية–العراقية (1980–1988) إلى إشراك الأطفال ضمن تشكيلات “البسيج”. آنذاك، تم توثيق إرسال آلاف القاصرين إلى جبهات القتال، حيث استُخدم بعضهم في مهام شديدة الخطورة، من بينها التقدم في حقول الألغام لفتح الطريق أمام القوات، في ممارسات أثارت صدمة واسعة ووُصفت باستخدام الدروع البشرية.
ورغم مرور ما يقارب من أربعة عقود على انتهاء تلك الحرب، فإن المعطيات الحالية تشير إلى أن هذا النهج لم يتلاشَ، بل أُعيد إنتاجه بصيغة مختلفة تتناسب مع طبيعة التحديات الداخلية الراهنة. فبدلاً من جبهات القتال التقليدية، أصبحت شوارع المدن هي المساحة الجديدة لتوظيف القاصرين، حيث يتم إدماجهم في منظومة أمنية تتعامل مع الاحتجاجات والتوترات الداخلية، ما يضعهم في مواجهة مباشرة مع واقع معقّد ومشحون، قد يتحول في أي لحظة إلى مواجهات عنيفة.
إن إشراك المراهقين في مثل هذه الأدوار لا يقتصر تأثيره على المخاطر المباشرة التي قد يتعرضون لها، بل يمتد ليشمل تداعيات نفسية واجتماعية طويلة الأمد، إذ يتم إدخالهم في بيئة قائمة على التوتر والرقابة والصراع، في مرحلة عمرية يُفترض أن تكون مكرّسة للتعليم والتطور الشخصي. كما أن هذا التوجه يعكس تحوّلاً في وظيفة هذه الفئة العمرية داخل المجتمع، كونها شريحة بحاجة إلى الرعاية والحماية، لا إلى أداة ضمن منظومة أمنية تسعى إلى ترسيخ السيطرة الداخلية.
وعلى الصعيد القانوني، يثير هذا الواقع إشكاليات واضحة تتعلق بانتهاك المواثيق الدولية، وعلى رأسها اتفاقية حقوق الطفل، التي تحظر بشكل صريح إشراك القاصرين في النزاعات المسلحة أو في الأنشطة ذات الطابع العسكري أو شبه العسكري. ويعزز هذا التصريح من مخاوف المنظمات الحقوقية بشأن اتساع نطاق هذه الممارسات، خصوصاً في ظل غياب الشفافية حول حجم المشاركة الفعلية للأطفال وطبيعة المهام الموكلة إليهم.
وتأتي هذه التطورات في سياق أمني داخلي متصاعد، حيث تشير تقارير متداولة إلى أن قوات “البسيج”، التي يُقدّر عددها بما يتراوح بين 800 ألف إلى مليون عنصر، تلقت توجيهات بالبقاء في حالة جاهزية داخل منازلهم، مع الاحتفاظ بأسلحتهم الفردية، استعداداً للتدخل في حال اندلاع احتجاجات مستقبلية. ويعكس هذا المستوى من الاستنفار حجم القلق الذي يخيّم على المشهد الداخلي، كما يسلّط الضوء على طبيعة الأدوات التي يتم الاعتماد عليها لضبط الشارع.
في ضوء ذلك، يبدو أن استخدام الأطفال في هذه المرحلة ليس مجرد إجراء عابر، بل جزء من نمط أوسع يعيد إنتاج نفسه عبر الزمن، مع اختلاف السياقات والأدوات. فمن حقول الألغام في ثمانينيات القرن الماضي، إلى نقاط التفتيش والدوريات في المدن اليوم، تتغير الجغرافيا، لكن تبقى الفكرة ذاتها: توظيف القاصرين ضمن منظومة صراع، وإقحامهم في أدوار تفوق أعمارهم، في تجاهل واضح للمعايير الإنسانية والقانونية.
وفي المحصلة، فإن هذا الاعتراف لا يكشف فقط عن ممارسة حالية، بل يعيد فتح ملف ممتد تاريخياً، يؤكد أن استغلال الأطفال لم يكن حدثاً استثنائياً في لحظة حرب، بل خياراً متكرراً يظهر كلما واجهت السلطة تحديات وجودية، ما يطرح تساؤلات جدية حول مستقبل هذه الأجيال في ظل استمرار هذا النهج.
دعوة للانضمام الى موقعنا في الفسبوك
|
نظام تعليقات الموقع متوقف حاليا لاسباب تقنية نرجو استخدام تعليقات
الفيسبوك
|