تحديث سياسة حماية الأطفال من الاستغلال الجنسي في زمن الذكاء الاصطناعي: دراسة لنماذج مختارة



عصام بن الشيخ
2026 / 7 / 15

راقبت باهتمام اعتماد تحذير يونيسيف UNICEF (صندوق الأمم المتحدة للطفولة) من ظاهرة الاستغلال الجنسي للأطفال عبر الأنترنت والذكاء الاصطناعي، عن طريق تعميم "نموذج المساءلة الوطنية WePROTECT"، وهي خطة للاستجابة الوطنية ضد الاستغلال الجنسي للأطفال، تراهن على مكافحة هذه الظاهرة منذ عام 2024، أي خلال الفترة التي عرف فيها العالم إطلاق تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي AI بشكل واسع لأكثر من 3 مليارات مستخدم. ومن خلال مراقبتي لأجراس الإنذار الإعلامية ذات المصداقية وداخل البرلمانات العالمية حول هذا التحول الكبير، وجدت أن الدول العربية في آخر الركب كعادتها، ولا تزال قضايا الاختطاف والاغتصاب والتحرش الجنسي تضرب المجتمعات العربية، كما تتكرر قضايا استهداف الأطفال بشكل دوري غريب ومدهش!، يضاف إليه هذا التحدي الجديد لمخاطر استغلال الأطفال جنسيا عبر الذكاء الاصطناعي!؟.

سأبدأ أولا بموضوع رفض البرلمان الأوروبي في (9 يوليو/جويلية 2026) تمديد العمل بقانون فحص المنصات الرقمية لمكافحة الاستغلال الجنسي للأطفال، حيث صوت 314 عضوا في البرلمان الأوروبي ضد تمديد العمل بنظام" مراقبة المحادثات 1.0" الصادر سنة 2021 والذي تم اعتماده كإجراء مؤقت عام 2024 وانتهى العمل به رسميا في (أبريل 2026). فالمدهش هو الانقلاب البيروقراطي الذي قادته الرئيسة المعينة للبرلمان الأوروبي أورسولا فون دير لاين التي فرضت قرارا أوروبيا لحضر استخدام الأطفال لوسائل التواصل الاجتماعي، بحجة ملاحقة سياسات أستراليا والصين وتركيا وكازاخستان وعدة دول أخرى، سارعت الى منع الاستخدام غير المنضبط للذكاء الاصطناعي. وهكذا قدمت فون دير لاين نموذجا عن تفوق البيروقراطية على الديمقراطية في الإتحاد الأوروبي!.
لم يستبعد الروس في مناقشاتهم على تطبيق فكونتاكتيVk أنهم سيقومون أيضا بتفعيل هذا القانون عامي 2027 و2028 لمكافحة انتشار الاستغلال الجنسي للأطفال الناجم عن استخدام الذكاءالاصطناعي، خشية فقدان التحكم في هذه الظاهرة كما يحدث في فرنسا التي تنتشر فيها ظاهرة البيدوفيليا (التحرش بالأطفال).
لا أنكر أن ما شد انتباهي حول الموضوع في بداية الأمر، هو إعلان البرلمان الأوكراني فيرخوفنا رادا Verkhovna Rada التصويت حول السماح باستيراد المواد الاباحية لخفض ظاهرة الاستغلال الجنسي للأطفال الأوكرانيين!، فلقد ناقش رواد منصة فكونتاكتي Vk الروسية الخبر بعد عقد البرلمان الأوكراني جلسة تصويت يوم (14 يوليو/ جويلية 2026) وأيد 231 نائبا من أصل 226 تمرير القرار شرط صناعة هذه المواد وطنيا داخل أوكرانيا بدل استيرادها!؟، فهل تخفي حكومات زيلينسكي المتعاقبة ما حدث ويحدث من تشوهات للطفولة في هذه الدولة التي (دمرت سلام الأعراق) مع جيرانها، استجابة للأجندات الغربية؟، وهل سيخفي هذا الموضوع قضية تجنيد ومقتل مئات من المراهقين الأوكران والأجانب في مطحنة القتال ضد الروس؟.
وهناك أيضا الجدل الدائر داخل بريطانيا التي خرجت من الاتحاد الأوروبي بسياسة بريكسيت Brexit، حيث يتعرض صادق خان عمدة لندن إلى حملة شرسة بعد تفنيده وجود ظاهرة الاستغلال الجنسي للأطفال البريطانيين، رغم أن الشرطة البريطانية أعلنت عن تسجيل 4000 بلاغ بهذا الخصوص في العاصمة لندن وحدها.!
في كافة الأحوال، هناك إطلاع أمني مؤكد على المحادثات في تطبيقات واتساب و سيجنال و تلجرام، أدى إلى إعلان بافيل دوروف مؤسس تطبيق تلجرام رفضه مراقبة رسائل مستخدمي تلجرام لفحص اتصالات المستغلين للأطفال جنسيا. وكشف دوروف أن تطبيق تلجرام خضع وسيخضع للمراقبة الأوروبية بين سنتي 2024 و 2028 دون نيل موافقة تلجرام، مما يجبره على زيادة تشفير المحادثات.

وعندما أطلقت البحث عن الإجراء في الدول العربية، طالعت ديماغوجيا ولغة خشب غير فعالة لم تصل إلى أروقة البرلمانات العربية التي لم تفهم بعد أن الذكاء الاصطناعي بدأ يفاقم ظاهرة الاستغلال الجنسي للأطفال العرب أيضا، وهناك فقط تغطيات اعلامية غير مفيدة في بعض وسائل الإعلام العربية التي تناولت قضايا الأحداث المتعلقة بالاستغلال الجنسي للأطفال العرب في عدة مدن عربية ميتروبولية كبرى بشكل سطحي، ويتنوع الطرح الإعلامي العربي بين قضايا البيدوفيليين والشواذ والاغتصاب والاختطاف والشعوذة والعنف بين الزوجين.. وكأنه تخبط عشوائي يسعى الصحفيون من خلاله إلى تسويق جرائدهم أو صناعة أسمائهم لا غير.

وبعد بحث معمق وجدت أنسب خطة روسية موجهة إلى الآباء والأمهات لتوقيف الاستغلال الجنسي للأطفال عبر الذكاءالاصطناعي AI، من خلال الرقابة على هواتف وحواسيب أبنائهم، خاصة بعد انتشار استخدام ما يسمى الأنترنت المظلم.

يعتمد المنشور الروسي احصائية منظمة الصحة العالمية التي تكشف أن المراهقين يقضون ما بين 7 و8 ساعات يوميًا أمام الشاشات، ويُخصصون جزء كبير من هذا الوقت لوسائل التواصل الاجتماعي تحت مبرر الوصول إلى المعرفة والتواصل، غير أنهم يواجهون في النهاية ظواهر (التنمر الإلكتروني، والتواصل مع المتحرشين، والوصول المبكر إلى المواد الإباحية، وتكوين مفاهيم خاطئة عن العلاقات الجنسية). وسيكون مناسبا الاطلاع على النقاشات الروسية التي لا توجد في المنصات العربية إلى حد الساعة.

الخطة للروسية لمكافحة الاستغلال الجنسي للأطفال عبر الأنترنت:
يحث المنشور الروسي الآباء والأمهات على ما يلي:
أولا- يلعب الأطفال ألعابًا إلكترونية ويشاهدون مقاطع فيديو، منذ أول استخدام للأجهزة الإلكترونية، وبالنسبة للأطفال في مرحلة ما قبل المدرسة (5-7 سنوات) هذا ما هو مطلوب من الأولياء:
أ- اشرح لهم أن هناك غرباء على الإنترنت لا يجب التحدث إليهم.
ب- ضع قاعدة: لا تشارك اسمك أو عنوانك أو مدرستك أو رقم هاتفك.
ج- إذا شعرت بالخوف من شيء ما على الشاشة، فأرِه لشخص بالغ فورًا.
د- استخدم أدوات الرقابة الأبوية وقلّل الوصول إلى المحتوى غير اللائق.

ثانيا- بالنسبة للطلاب الأصغر سنًا بين (8-11 سنة):
١أ- اشرح لهم أن الصور والرسائل على الإنترنت تبقى للأبد، حتى بعد حذفها.
٢ ليس كل من على الإنترنت صادقًا.
٣ لا تشارك كلمة مرورك مع أي شخص.
٤ أضف فقط الأصدقاء الذين تعرفهم شخصيًا.

ثالثا- بالنسبة للمراهقين (12-17 سنة):
أ- ناقش معهم سمعتك الرقمية: فالمنشورات والصور قد تؤثر على مستقبلك (القبول الجامعي، الوظائف).
ب- أن إرسال الصور الحميمة عبر الإنترنت أمر خطير وغير قانوني للقاصرين.
ج-أن المتحرشين يتلاعبون عبر الإنترنت بالمراهقين.
د- عرفهم على التنمر الإلكتروني وعلمهم كيفية التعامل مع الإساءة عبر الإنترنت.
٥ أن المواد الإباحية تشوه العلاقات الجنسية في الواقع وتخلق توقعات غير واقعية.
و- وأن الحوار هو نقاش وليس حديثًا من طرف واحد. اطرح أسئلة، واستمع دون إصدار أحكام، وأقرّ بأن الإنترنت جزء طبيعي من الحياة، لكن يجب استخدامه بأمان.
ويجب أن يفهم الأطفال أنه لا يحق لأحد طلب معلومات شخصية أو صور أو مقاطع فيديو لا يرغبون بها. فما يجب عليك شرحه لطفلك:
1- عدم تقديم المعلومات الشخصية (اسمك، عنوانك، رقم هاتفك، صورتك، وموقعك) لأنها بيانات تخصك وحدك. قرار مشاركتها هو قرارك وحدك.
2- لا يمكن لأي كان تهديدك أو ابتزازك، أو طلب صورك الشخصية بشكل متكرر لأن هذا الاصرار مجرم وممنوع.
3- عدم الموافقة على الصور: يجب طلب الإذن قبل التقاط أي صورة أو نشر أي صورة مشتركة. كما أن إعادة توجيه رسائل الآخرين يُعد انتهاكًا للخصوصية.
4- يمكن للطفل حظر الشخص المتطفل، وعدم الرد عليه، وإبلاغ شخص بالغ عنه.
5- الانتباه إلى العلامات التحذيرية كأن يطلب الشخص الانتقال إلى تطبيق آخر أو إنشاء حساب "سري" أو إرسال صور بملابس داخلية مقابل هدايا، أو الوعد بتقديم أموال مقابل صور شخصية أو لقا سري دون إذن الوالدين.
فإذا واجه الطفل أيًا من هذه الحالات، فعليه الاتصال فورًا بأحد الوالدين أو شخص بالغ موثوق به. احتفظ بالمراسلات كدليل.
وفي سن الحادية عشرة أو الثانية عشرة، يتعرض العديد من الأطفال لمحتوى إباحي، حتى وإن لم يبحثوا عنه. بحسب دراسة أجريت عام (2019)، يرتبط الإفراط في استخدام الشاشات بزيادة خطر الإصابة بأعراض الاكتئاب والقلق. كما أن التعرض المبكر للمواد الإباحية يشوه تصورات العلاقات الجنسية الصحية ويخلق توقعات غير واقعية.

رابعا: كيفية تهيئة طفلك:
أ- الحوار المبكر والمنتظم: اشرح لطفلك أن المواد الإباحية مجرد تمثيل، وليست انعكاسًا للواقع.
ب- الفلاتر والمراقبة: استخدم أدوات الرقابة الأبوية، ولكن لا تعتمد عليها كليًا. فالتكنولوجيا ليست بديلًا عن الحوار.
ج- خوارزميات مواقع التواصل الاجتماعي: تعرض هذه المواقع محتوىً أكثر إثارةً للجدل كلما تفاعل المستخدم. علّم طفلك أن يكون واعيًا لما يشاهده.
د- خصوصية الملف الشخصي: اجعل الملفات الشخصية خاصة، وعطّل خاصية تحديد الموقع الجغرافي، وتحقق من إعدادات الخصوصية.
ه- البصمة الرقمية: أي شيء يُنشر على الإنترنت يبقى هناك للأبد.

خامسا- قد يصبح الإنترنت بيئة خصبة للتنمر الإلكتروني، والتحرش الجنسي، والتجنيد الطائفي، والدعاية المتطرفة. غالبًا ما يعاني الأطفال الذين تعرضوا للتنمر من القلق والاكتئاب واضطراب ما بعد الصدمة.
1- التنمر الإلكتروني:
أ- لا ترد على الإهانات أو تستفز المتنمر.
ب- احتفظ بلقطات شاشة للرسائل كدليل.
ج- احظر المتنمر وأبلغ إدارة المنصة.
د- أخبر أحد والديك أو معلمك. لا تحاول التعامل مع الأمر بمفردك.
ه- في حال وجود تهديدات خطيرة (كالتهديد بالقتل أو إرسال صور حميمة)، اتصل بالشرطة.
2- الابتزاز الجنسي:
أ- إذا أرسل مراهق صورة حميمة وتعرض للابتزاز، فهذا ابتزاز جنسي. لا تلوم الطفل، فهو ضحية جريمة.
ب- احتفظ بجميع المراسلات.
ج- اتصل بالشرطة ومركز دعم ضحايا العنف.
3- التطرف والجماعات المتطرفة:
أ- توجد جماعات على الإنترنت تستهدف المراهقين الضعفاء، وتعدهم بـ"التفهم" و"الدعم".
ب- إذا طلبت جماعة ما أسرارًا من الأهل، أو مالًا، أو التخلي عن أصدقاء قدامى، فهذا تلاعب.
4- الحالة النفسية:
إذا أصبح الطفل منطوياً، أو عدوانياً، أو توقف عن النوم أو الأكل، أو ذكر إيذاء نفسه، فهذه علامات تستدعي طلب المساعدة المتخصصة فوراً. وفقاً للإرشادات السريرية الصادرة عن وزارة الصحة الروسية، تتطلب اضطرابات الاكتئاب والقلق لدى المراهقين تقييماً متخصصاً.

سادسا- يجب طلب المساعدة الطارئة إذا كان طفلك:
1- يذكر رغبة في الموت أو إيذاء نفسه.
2- يتلقى تهديدات بالعنف الجسدي أو الاعتداء الجنسي.
3- كان ضحية ابتزاز جنسي (ابتزاز بصور حميمة).
4- تواصل مع شخص يستغل الأطفال عبر الإنترنت ويصر على اللقاء.
5- انضم إلى جماعة متطرفة أو طائفية عبر الإنترنت.
6- تظهر عليه علامات اكتئاب حاد أو ذهان بعد تعرضه للتنمر الإلكتروني.
ولا بد من انشاء خط هاتفي خاص لمساعدة نداءات الأطفال والمراهقين أو من قبل أوليائهم. إضافة الى اغلاق الأنترنت فورا وتقديم الضحايا إلى مراكز الرعاية التخصصية لمواجهة وضع ما بعد الصدمة.
8- يجب الاحتفاظ بجميع الرسائل ولقطات الشاشة والروابط - فهي تُقدّم أدلة.
9- لا تترك طفلك بمفرده إذا كان هناك خطر انتحار أو إيذاء النفس، وتواصل مع طبيب نفسي للأطفال أو معالج نفسي خلال 24-48 ساعة. كما توفر اولة الروسية أجهزة الشرطة والمحامين لمباشرة اجراءات حماية الضحايا.
10- عدم تجاهل العلامات المبكرة، إذا أصبح الطفل منطويًا أو عدوانيًا بعد قضاء وقت على الإنترنت، فلا تعزو ذلك إلى "مرحلة المراهقة".

قبل سنوات، عندما اندلع الربيع العربي، سارعت المنظمات العربية الحكومية إلى اقتراح سياسات تمكين الشباب والنساء بوصفهما أكثر الفئات استقطابا للازمات، فانتشرت مفاهيم تمكين النساء وجندرة السياسات والمؤسسات، وتشبيب الهياكل والمؤسسات الدستورية ومراكز صنع القرار. وها هي التحذيرات تظهر مجددا من خلال نافذة الذكاء الاصطناعي الذي ينشر التزييف ويستهدف الطفولة ويضرب الحقيقة، فما الذي يجب علينا القيام به قبل وقوع الكارثة يا ترى؟