|
|
غلق | | مركز مساواة المرأة | |
|
خيارات وادوات |
محمد ابراهيم عرفة
!--a>
2026 / 7 / 19
شهد العصر الجاهلي (ما قبل الإسلام) واقعاً اجتماعياً شديد الخصوصية، حيث غابت الدولة المركزية، والقوانين المكتوبة، والمؤسسات الدينية الموحدة التي تفرض وصاية على الأجساد. في هذا الفضاء الجغرافي الممتد بين البادية والحواضر (كمكة، والمدينة، والطائف، واليمن)، كانت الأعراف القبلية، والطبقة الاجتماعية، والحاجة الاقتصادية، والبراجماتية البيولوجية هي المحركات الأساسية التي شكلت منظومة العلاقات الإنسانية.وقد نتج عن هذا الغياب التشريعي نوع من "الحرية الجنسية" والتعددية السلوكية التي أتاحت للأفراد ممارسات وأنماطاً علنية وسرية تختلف كلياً عن المنظومات الأخلاقية والتشريعية التي فرضتها الأديان الإبراهيمية لاحقاً. لم تكن هذه الحرية تعبيراً عن "فوضى مطلقة"، بل كانت استجابة لشروط البقاء، وتحسين النسل، وحماية الكيان القبلي في بيئة صحراوية قاسية.1. المحددات السوسيولوجية والأنثروبولوجية للجسد الجاهليلفهم طبيعة الحرية الجنسية في الجاهلية، يجب تفكيك العوامل التي أطّرت نظرة العربي آنذاك لجسده وللعلاقات الجنسية:منطق القبيلة والتكاثر: كانت القبيلة بحاجة دائمية إلى التوسع العددي لضمان قوتها العسكرية في مواجهة الغزوات. لذلك، حظيت الممارسات التي تؤدي إلى الإنجاب (سواء داخل زواج تقليدي أو عبر أنماط استيلاد مستحدثة) بقبول مجتمعي واسع.البراجماتية الاقتصادية: كان الفقر، والقحط، وشح الموارد في البادية يدفع العائلات أو الأزواج إلى التغاضي عن بعض الممارسات الجنسية للمرأة أو تشجيعها، كنوع من المقايضة لتأمين سبل العيش.الطبقية والتمييز بين "الحرائر" و"الإماء": لم تكن الحرية الجنسية متساوية بين جميع النساء. فالمرأة الحرة من أشراف القبائل كانت تخضع لقيود أكثر صرامة لحفظ نسب العشيرة، بينما كانت "الإماء" (الجواري المملوكات) والمستضعفات يتمتعن بحرية أكبر (أو يتعرضن لاستغلال أوسع) في ممارسة البغاء العلني وتعدد الشركاء.2. التشريح التفصيلي لأنماط العلاقات والممارسات الجنسيةحفظت المدونات التاريخية والإسلامية اللاحقة، وعلى رأسها شهادة السيدة عائشة بنت أبي بكر المدونة في "صحيح البخاري"، تفاصيل الأنظمة الجنسية والزواجية التي كانت سائدة في الجاهلية. ويمكن تصنيف هذه الأنماط بناءً على طبيعتها وأهدافها إلى أربعة مستويات رئيسية:أ. الأنماط الشرعية والتشاركية لحفظ الأنسابنكاح البعولة (الزواج التقليدي): هو النمط الأرقى والأكثر احتراماً في المجتمع الجاهلي، خاصة بين طبقة الأشراف. يتقدم فيه الرجل إلى ولي المرأة (أبيها، أخيها، أو عمها) طالباً يدها، ويقدم لها صَداقاً (مهراً) محدداً. هذا النمط كان يضمن بقاء الأبناء ضمن عشيرة الأب ويوفر استقراراً أسرياً نسبياً.نكاح المتعة: وهو زواج مؤقت يتم الاتفاق فيه بين الرجل والمرأة على مدة زمنية محددة (أيام، أسابيع، أو أشهر) مقابل أجر معلوم، وينتهي العقد تلقائياً بانتهاء المدة دون الحاجة لطلاق أو ترتب حقوق نفقة أو إرث مستقبلي.ب. ممارسات "التحسين الجيني" والاستيلاد البرجماتينكاح الاستبضاع: يمثل هذا النمط ذروة البراجماتية البيولوجية في الجاهلية. كان الرجل إذا طهرت زوجته من الحيض، يقول لها: "أرسلي إلى فلان فاستبضعي منه". وكان فلان هذا يُختار بعناية من بين فرسان القبيلة، أو شعرائها، أو زعمائها، أو الأذكياء والمتميزين خِلقياً. ويعتزل الزوج زوجته تماماً ولا يمسها حتى يتبين حملها من ذلك الرجل. وكان الهدف هو نقل الصفات الوراثية المتفوقة (كالشجاعة، الكرم، أو الفصاحة) إلى نسل الزوج والقبيلة.نكاح البدل: ممارسة تقوم على المقايضة المباشرة والمتعة العابرة. يلتقي رجلان فيقول أحدهما للآخر: "تنازل لي عن زوجتك، وأتنازل لك عن زوجتي"، ويتم التبادل لفترة مؤقتة للتغيير وتجديد اللذة دون مهور أو إجراءات طلاق.ج. العلاقات الجنسية المتعددة والمفتوحة (العلنية)نكاح الرهط (أو نكاح العشرة): كان يجتمع رهط من الرجال (شرط أن يكونوا دون العشرة) ويدخلون على امرأة واحدة في فترات متقاربة ويضاجعونها جميعاً. فإذا حملت وولدت، ومضت ليالٍ على وضعها، ترسل في طلبهم جميعاً، ولم يكن بمقدور أي رجل منهم التخلف. وتقول لهم: "قد عرفتم الذي كان من أمركم، وقد ولدت، وهو ابنك يا فلان" (تسمي من أحبت منهم باسمه). فيلحق به الولد فوراً ولا يستطيع الرجل الامتناع أو النفي. يعكس هذا النمط سلطة اختيار نادرة للمرأة في تحديد نسب طفلها من بين عِدّة شركاء.أصحاب الرايات (البغاء والمؤسسات الجنسية): كانت بعض النساء (غالباً من الإماء أو الغريبات عن القبيلة) يمارسن البغاء العلني كمهنة. ولكي يعرفهن الراغبون، كنّ يضعن رايات حمراء فوق بيوتهن كعلامة إرشادية. فمن أراد الدخول عليهن فعل. وإذا حملت إحداهن وولدت، جُمع لها الرجال الذين عاشروها، ثم أُحضر "القافة" (خبراء علم الشبه والأثر). وينظر القافة إلى ملامح الطفل ويقاربونها مع الرجال، ثم يلحقون الولد بالرجل الذي يروه الأقرب شبهاً به، ويُنسب إليه قسراً.د. العلاقات السرية والمخادنةالمخادنة (اتخاذ الأخدان): هي علاقات حب وصداقة جنسية سرية وغير معلنة بين رجل وامرأة (سواء كانت متزوجة أو عزباء). كانت هذه الممارسة تخضع لمعيار مزدوج في العرف الجاهلي يلخصه شعارهم الشهير: "ما استتر فلا بأس به، وما ظهر فهو لؤم". فالمجتمع كان يتغاضى تماماً عن هذه العلاقات طالما ظلت خلف الأبواب المغلقة ولم تتحول إلى حديث المجالس أو تسبب فضيحة علنية تمس سمعة العشيرة.3. التنوع والمثلية الجنسية في الفضاء الجاهليعند دراسة "الحرية الجنسية" بمفهومها الحديث الشامل للميول والتنوع، نجد أن المدونات التاريخية العربية والشعر الجاهلي لم يسجلا وجود بنية مؤسسية أو اعتراف مجتمعي مقنن بالمثلية الجنسية (الذكورية أو الأنثوية) كظاهرة عامة، على النقيض مما كان سائداً لدى الإغريق، أو الرومان، أو حتى في بعض البلاطات الساسانية المجاورة.ويُعزى هذا الغياب المؤسسي إلى سببين رئيسيين:التركيز على الخصوبة: مجتمع البادية كان يقدس العملية الجنسية المنتجة بيولوجياً (التي تؤدي للتكاثر وزيادة عدد المقاتلين).الممارسات الفردية المستترة: تشير بعض النقوش الصفائية واللحجانية القديمة المكتشفة في شمال الجزيرة العربية، بالإضافة إلى إشارات خفية في بعض المرويات الأدبية، إلى وجود ممارسات مثلية فردية وعابرة. إلا أنها كانت تصنف ضمن دائرة الخصوصية المطلقة، ولم تكن تشكل نمطاً معترفاً به أو مصبوغاً بصبغة شرعية داخل العرف القبلي.4. وضع المرأة بين الحرية والاستغلالتثير هذه الأنماط جدلاً أنثروبولوجياً واسعاً حول وضع المرأة الجاهلية؛ فمن جهة، يرى بعض الباحثين أن نكاح الرهط، ونكاح المتعة، وحق المرأة في اختيار أبي طفلها يعكس نوعاً من "السلطة النسوية" المتجذرة في بقايا المجتمع الأمومي القديم (Matriarchy) الذي كان يمنح المرأة سيادة نسبية على خياراتها.ومن جهة أخرى، يرى فريق من المؤرخين أن هذه الحرية كانت في كثير من الأحيان قسرية ومدفوعة برغبات الرجال أو حاجة القبيلة. فنكاح الاستبضاع أو نكاح البدل كان يتم بقرار وتوجيه مباشر من الزوج، مما يجعل جسد المرأة أداة لتحقيق مصالح ذكورية تتعلق بالنسل أو التجارة، مما يوضح أن "الحرية" كانت محكومة ومسقوفة دائماً بالمصلحة الجمعية للعشيرة.
دعوة للانضمام الى موقعنا في الفسبوك
|
1 - قصدك الحرية الجنسية بلغة اليوم؟! |
العدد: 893888 |
| سامر مليح |
2026 / 7 / 19 - 09:17 |
|
لا أعتقد . |
|
|
نظام تعليقات الموقع متوقف حاليا لاسباب تقنية نرجو استخدام تعليقات
الفيسبوك
|
|