المرأة ..والعراف

قاسم حسين صالح
qassimsalihy@yahoo.com

2007 / 11 / 16

ثمة حقيقة وثلاث مفارقات .
أما الحقيقة فهي : إن ما لايقل عن 90% من رواد العرّافين هم من النساء.
وأما المفارقات فنبدأها بأن ما تنفقه النساء العربيات على العرّافين يعادل الميزانية السنوية لدولة موريتانيا زائدا" جيبوتي!. ( بالمناسبة ، كانت اسعار العرافين البغداديين في الثمانيات بين عشرة الى خمسة وعشرين دينارا" ، بما يعادل ثلاثين الى ثمانين دولارا" أرتفعت الآن بين مائة الى ثلاثمائة دولار ، بحسب نوع الطلب وشهرة العراف ، غير إن النساء الخليجيات يبقين يدفعن اكثر ).
وفي الثمانينيات ظهر في بغداد عراّف يدعي أنه يشفي الأمراض بلمسة من يديه ، تبناه مركز الباراسيكولوجي بجامعة بغداد، وأسكن في فندق بشارع السعدون، فتقاطر عليه الناس بسياراتهم لدرجة أنه في إحدى المرات استدعيت مفرزة لشرطة المرور لفك الاختناق الذي حصل بين ساحة الفردوس وكهرمانة حيث يقع الفندق.
وفي التسعينيات ظهر في بغداد عرّاف حظي بشهرة كبيرة أيضا، فأسكن بمنطقة السيدية ، قيل في حينها أنه تبناه الرجل الثاني في الدولة . ( وبالمناسبة ،تتبنى أجهزة المخابرات في معظم انظمة الدول العربية عددا من العرافين وتروج لهم ، واعتقد أن كبار العرافين ظهروا بظهور السلطة التي وظفتهم لخدمتها).
والمفارقة الثانية: إن انتشار التعليم بين النساء لم يفضي الى انحسار مراجعاتهن للعرافين.
أما الثالثة: فأن التقدم التكنولوجي القائم على التفكير العلمي ادى الى رواج سوق العرافين وانتشار التفكير الخرافي.
فلماذا هذا الحال مع المرأة من آلاف السنين والى الآن ؟
هل السبب يكمن في تكوينها البيولوجي والعاطفي وطبيعة شخصيتها، أم في الظروف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي تعيشها؟.
لقد راجعت عددا" من الدراسات والتحقيقات الصحفية والحالات التي تأتيني فوجدت أن المرأة تطرق باب العرّاف في الحالات الأتية:
• تأخر زواجها أو زواج بنتها.
• تغير مزاج الزوج على زوجته .
• عدم الحمل أو الانجاب .
• شخص غائب أو مجهول المصير .
• شيء مهم أو مال مفقود .
• الإصابة بمرض نفسي أو عقلي .
• تفكير الزوج بالزواج من أخرى .
• ضعف الزوج الجنسي في المعاشرة الجنسية .
• تغير رأي الاب أو الأخ الأكبر في موقف يخصها لغير صالحها .
• علاج مرض استعصى شفاؤه .

ومن طريف ما قرأت أن إحدى الامهات جاءت بأبنتها النحيفة التى لا يزداد وزنها الى العرّاف طالبة منه أن يخلّصها من الجني الذي يأكل اكلها .
وأن عرافّه مختصة بشؤون الفنانين راجعتها فنانة معروفة طلبت منها أن توقع في شبكة حبها نجما" سينمائيا" مشهورا"، واخرى راجعتها لتعمل لها عملا" يدفع زوجها الى تطليقها.
ومن طريف الحالات.. راجعتني استاذة جامعية كانت قد راجعت عرّافا" ليعمل شيئا" يستعجل شخصا" ليتقدم الى خطوبتها .. تبين لي أن هذا الشخص كان صديقا" لي ، وفي القسم الذي اعمل فيه !
وكنت في التسعينات ادّرس مادة " الشخصية " لطلبة الصف الثالث بقسم علم النفس في كلية الآداب الواقعة قريبا" من باب المعظم ببغداد ، فلاحظت في إحدى المحاضرات أن حوالي نصف الطالبات غائبات ، تبين لي انهن ذهبن لزيارة مقام الامام الخضر الواقع على نهر دجلة ، وان السبب الرئيسي لهذه الزيارة الجماعية، أن المناسبة كانت " زكريا " وان همومهن كانت عاطفية .
ومن المفارقات الطريفة، أن عرّافة مشهورة في جنوب العراق بلغت شهرتها اقطار الخليج ..مراجعوها بالعشرات توزعهم على اربعة " شفتات " في اليوم ، ارادت أن تتزوج فرفض اخوها بشده ، لأنها كانت مصدر رزق وفير له، فطلبت من عّراف متواضع أن يعمل لأخيها عملا" يجعله يوافق على زواجها !.

ولقد وجدت أن معظم الفلاسفة العرب واليونان والاوربين لهم موقف سلبي من المرأة ، وانهم وصفوها بأنها " ضعيفة " ، " ناقصة عقل " – (الدراسات الحديثة تفيد بأن دماغ المرأة أفضل من دماغ الرجل )- ، " ماكرة " .. وشّبهوا المرأة بـ " الحية " الخبيثة والمخادعة والمؤذية لانها " الحية " هي التي اغرت حواء بأكل فاكهة الشجرة المحرمة ، مع أنني ارى الحية ليست سيئة الطبع ولا ماكرة ، وانها مسالمة .. فقد قرأت في موسوعة غينس عن رجل سجل رقما قياسيا في البقاء مع ( 87 ) حية من الافاعي الخطرة ذات الاجراس التي كانت تنام بهدوء على صدره العاري.
ونعيد السؤال: لماذا معظم زبائن العرافين من النساء؟.

المشكلة .. سيكولوجية .

اننا نرى أن الذي يدفع المرأة الى طرق أبواب العرافين، حالة سيكولوجية تضافرت على تكوينها، ثلاثة عوامل أساسية هي :
• التنشئة الاسرية للفتاة.
• المنظور الاجتماعي ــ الديني للمرأة .
• ذكورية السلطة السياسية .

ففيما يخص التنشئة الاسرية ، فأن الطفلة في المجتمع العراقي والمجتمعات العربية تربّى من البداية على انها كائن ضعيف ، وانها بحاجة دائما" الى الحماية ، وتحسيسها بأنها غير مرحّب بها في الأسرة لا سيما من قبل الأب ، وأن تعامل الوالدين معها يكون بطريقة مختلفة عن تعاملهما مع اخيها الطفل الذكر .. فيتشكل لديها مفهوم سلبي للذات. فضلا" عن ان الأم تلجأ الى تخويف الأطفال بالجن والعفاريت ، واستماع الطفلة الى احاديث الأمهات وامتداحهن المضخّم للعرافين والعرافات، فينشأ لدى الطفلة معادل نفسي لشعورها بالخوف يتمثل بوجود قوة " خارقه " تلجأ اليها لتحميها في اوقات الشدة .
وفيما يخص المنظور الاجتماعي ــ الديني للمرأة ، فأن المجتمع يعزز مفهوم الذات السلبي لدى المرأة التي زرعت بذرته في طفولتها . ويعني مفهوم الذات : " الادراك الذاتي للفرد بخصوص نفسه او الفكرة التي يحملها عن شخصيته وقدراته وسلوكة وقيمه والدور الاجتماعي الذي ينبغي عليه أن يؤديه ". ولقد شكّل المنظور الاجتماعي صورة عن المرأة في العقل الجمعي للناس على أنها : ضعيفة وناقصة عقل، وعاطفية ، وانها بحاجة الى حماية الرجل من يوم تولد الى يوم تموت . والمفارقة أن المرأة قبلت بهذا الحال، أو صدّقت به ، فأخذت تتصرف على أساس مواصفات الدور الذي وضعه المجتمع لها. حتى في الدراما التلفزيونية ، يظهر الرجل صاحب كلمة (واليرجع بكلامه مره ) فيما تبرر المرأة تغييرها لوعد قطعته بقولها ( مره ورجعت بكلامي ). ولقد عمل المجتمع على اسكات كل صوت فيها ينادي بالحرية والاعتبار الشخصي بقوامع لن تقوى على مواجهتها ، اقواها أنه عدّها رمز شرف الأسرة الذي ان مسّه عار فأن محوه لن يكون الا في غسله بدمها.
أذكر أنني في السبعينيات كنت أتمشى في شارع أبي نؤاس، فهجم شاب على فتاة وقتلها بخنجره أمام الناس ، ثم خلع قميصه الأبيض وغطى به وجه الضحية .. وصاح في حالة من التباهي " اختي وقتلتها غسلا" للعار " وأخذ يردد عبارات وهو في حالة انفعال هستيري ، منها " وينه اليوصّل الخبر لأبوي ويكله خل يلبس عكاله ويرفع راسه ".
والمفارقة الاوحش، أنني قرأت مقالة لمسؤول كبير في حكومة اقليم كردستان يشير فيها الى ان حالات القتل غسلا" للعار قد ازدادت في محافظة السليمانية الان .. في الالفية الثالثة وليس قبل نصف قرن !.
ولقد عمل المجتمع والدين على تبخيس حق المرأة في موضوع الجنس بأن اختزل وجودها الانساني الى جسد يستمتع الرجل فيه بمفاتنه ويمارس فيه أساليب تفريغ شهوته ويقضي فيه حاجته البيولوجية . ولم يحصل تغيير جوهري في عقلية العربي ( أن تكون المرأة شريكا ايجابيا في العلاقة الجنسية ) منذ ظهور الاسلام ولحد الآن . فباستثناء النبي محمد الذي كان يتصرف مع المرأة بسلوك مهذّب وتصريحه العلني بأن أحب شيء له هو الطيب والنساء ، فان الخلفاء الراشدين وكبار قادة المسلمين كانوا ينظرون للمرأة ، في موضوع الجنس تحديدا ، على أنها متعة للرجل . وكان معظم الخلفاء ( أمراء المؤمنين ) والقادة السياسيين والعسكريين في أزمنة الخلافتين الأموية والعباسية والامبراطورية العثمانية (التي حولت النساء الى مجتمع حريم ) ..كانوا يمارسون الهوى والمجون أمام أنظار زوجاتهم ويقيمون العلاقات الجنسية مع الجواري بعلمهن . وبالرغم من أن النبي محمد كافح لحماية المرأة ضد عادات الوثنية ، وأن الاسلام حاول أن يعطي للمرأة مكانة خاصة بها الا أن المرأة العربية كانت قبل الاسلام أفضل حالا منه بعد الاسلام في موضوع الجنس ، وأحد اسباب ذلك الهوس الجنسي الذي أصاب اصحاب السلطة والثروة وما رافق الفتوحات الاسلامية من سبي للنساء وتقسيمهن قسمة الغنائم بين القادة .
غير أن لكل زمان سيكولوجيته ، وليس صحيحا أن نحاكم أزمنة غابرة بقيم الألفية الثالثة . وثمة حقيقة أن الواقع الجنسي للمرأة في الغرب لم يكن بأفضل منه موازنة مع بداية العصر الاسلامي . وبالرغم من أن النبي محمد تزوج أكثر من تسع نساء وحدد المسلمين بأربع ( وهذا موضوع آخر ) فأنه في موضوع الجنس كان يعامل المرأة بلطف ، وله قول جميل عن الأزواج الذين يضربون زوجاتهم : ( يظل أحدكم يضرب امرأته ضرب العبد ثم يظل يعانقها ولا يستحي ).
ويبدو لي أن الجنس واضطهاد الرجل للمرأة في هذا الموضوع يتصدر الأسباب التي تدفع الزوجات الى طرق أبواب العرافين . وثمة حقيقة سيكولوجية أخرى هي أن الجنس في حياة المرأة يشكل همّا وهاجسا وسواسيا أكثر منه متعة لدى معظم الزوجات بسبب مخاوف الزوجة من عدم قدرتها على اشباع زوجها وخوفها من البدانة ، بل أنها ما أن تنجب طفلا أو تعبر الثلاثين حتى يتولد لديها ملل أو نفور أو كره للجنس . فقد ذكرت سيدة في برنامج تلفزيوني أنها كانت تشاهد فلما في التلفزيون في اثناء العملية الجنسية مع زوجها . ونعرف معظمنا ( أزواج وزوجات ) حالات كثيرة يتحول فيها الجنس الى عملية ميكانيكية لدى الزوجة .
وفيما يخص السلطة السياسة ، فأنها ذكورية خالصة وتكاد تكون حكرا" للرجل
لاسيما السلطة التشريعية ، حيث يقوم الرجل بسن القوانين الخاصة بالمرأة ، التي تقيد حرية المرأة وتحدد اختياراتها ، وتتحكم ليس فقط في مصيرها ، بل حتى في حركة جسدها.
ويتحمل النظام السياسي مسؤولية الاستلاب الفكري للمرأة ، بان ابعدها عن العمل السياسي والفكري والثقافي بشكل عام، بحجة أنها لا تصلح للعمل السياسي لما فيه من خطورة والتزامات .. افضى بالتبعية الى ابعادها عن مراكز المسؤولية في السلطة . ومهما تعددت الحجج بخصوص المرأة للعمل السياسي، فأن الهدف النهائي يخدم سيكولوجية الرجل المحب للسلطة والتسلط . وهكذا تعاونت الأسرة والمجتمع والسلطة والدين لصالح الرجل ، لأنتاج امرأة تعيش حالة سيكولوجية مأزقية في وجودها المادي بوصفها بشرا" ، و في وجودها الجسمي والعقلي والجنسي ، وشعورها كما لو كانت " ملحقا" " بكائن آخر مجبرة عليه و ليس لها سوى أن تطيعه وتخدمه وتمنحه المتعة متى يطلبها وبالطريقة التي يريدها حتى لو كانت شاذة. وحالة مأزقية كهذه ينجم عنها الخوف بحتمية سيكولوجية ، فكان أن تولّد لدى المرأة خوف أزلي من الرجل، أوجعه " قلق الهجر " سواء من طلاق زوجها لها أو زواجه من أخرى أو التهديد بهما ، أو خيانة.. وعلى مر الزمن استقر في لاشعورها الجمعي " حكمة " ورثّتها الأم لابنتها من أن الرجال كلهم خونة!.
ولأن ديمومة القلق حالة لا تطاق، ولأنها ( المرأة ) فاقدة السيطرة على مصيرها، فأنها تبحث عمن يجد لها حلا" ، فوجدته في العّراف. والعّراف يعرف شغله وأهم ما في شغله أنه يسمعها ما ترغب في سماعه.. ما يبعد القلق عندها ويمنحها الطمأنينة.. ما يفتح لها نافذه في جدار حصارها المبني من الكونكريت. والعّراف الجيد ، يتمتع بفراسه وقوة حدس ونباهه وفطنة في قراءة تعابير الوجه، وذكاء عاطفي يفهم ما في أعماق روح المرأة من انفعالات وتناقضات وجدانية ، وذكاء اجتماعي يعرف ما تتعرض له المرأة من اضطهاد وخبرة متراكمة من حالات متشابهة، فيفاجأها بمعلومات عنها تولّد لديها حالة من الانبهار .. كيف عرف ذلك ما لم تكن له قدرة خصه الله بها ، فتركن جانبا" تعاليم دينها وتتناسى أن النبي محمد نفسه ما كان قادرا" على معرفة الغيب و قوله (( لو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير )).
ولقد لاحظت أن " تجارة " العرافين تنحسر في أوقات الاستقرار ، فلقد تراجعت " تجارتهم " كثيرا" في سبعينات القرن الماضي، وان سوقهم يزدهر في أوقات الأزمات. والكارثة ، أن المرأة العراقية - الشابة تحديدا" - ولدّت في حرب ونشأت في حرب ، ثم حصار ، ثم هذه الحروب المركبة .. وكم منهن راح والدها أو اخوها أو زوجها أو خطيبها أو حبيبها .. في حادث انفجار أو قتل .. أو صار بعيدا" عنها .. مهجّرا" .. أو مهاجرا" .. وكم منهن قد وصلت " عمر وتعده الثلاثين لا يفلان .. " ، وأن الفرج هو الأخر قد هاجر .. وبما أن النفس المهمومة ، المتعبة .. المأزومة .. بحاجة الى من ينفّس عنها ويطعمها الطمأنينة ولو وهما .. فأن العّراف .. سيظل صديق حاجة ملحاحة للمرأة ، ما دمنا على هذا الحال.
والحق أقول ، إننا جميعا" ــ أعني العراقيين ــ بنا حاجة نفسية الى عرّاف ينبؤنا ما اذا كانت الأمور ستفرج علينا ونحن احياء !.




http://www.c-we.org
مركز مساواة المرأة