عن المرأة والمدينة في ظل التحول الاجتماعي

وديع العبيدي
wdobd14@yahoo.com

2008 / 2 / 3

العلاقة بين الدمعة وعلامة الاستفهام

ليس بعيداً عن استهلال فرات اسبر في قصيدة [يا الله لا تمسك يدي المجروحة] يأتي استهلال كولالة نوري في قصيدة [ يا لفرحتكم.. ويا لخيبته] ليس في الانطلاق من غور التاريخانية لتصوير سيرورة الوجود وانما اتخاذ مفاصل محددة فيه واسقاطها على صيرورة راهنية محددة. تصف فرات اسبر..
[العالم غرفة متهدمة الجدران
بقايا جسد الديناصور
هكذا نفتتح الحياة..]
وتقول كولالة نوري:
[هذه المدينة
منبع آخر لحياة متحجرة
لم أبتعد كثيراً إذن..]
ثمة صلة توافقية غير بعيدة في البنى الدلالية لكل من [مدينة – عالم/ غرفة] – السطر الأول-، و [بقايا جسد الديناصور- منبع آخر لحياة متحجرة] فالديناصور في الأدب ليس سوى دالة التحجر والانقراض. وكل من الشاعرتين، لا تملكان – مثل كل البشر- حولاً ولا قوة إزاء ذلك التحجر، فتوردان جملة - اعتراضية-/ قطع (cut) لابتداء خطاب القصيدة: [هكذا نفتتح الحياة – لم أبتعد كثيراً إذن]. وهي جمل محتقنة متوترة تتوفر على قدر عالٍ من الألم والخيبة، أنها خيبة الذات الانسانية أمام صورة العالم، والاكتشاف السالب لكذبة الحياة.
ويمكن استنتاج دالة أخرى مشتركة هنا، قد تفصح عن طريقة معالجة الواقع اليومي عبر رغبة مسبقة لتحديد رياضي لأبعاد الظاهرة ومحيطها قبل التوغل فيها والتماس مع مكانزماتها الفاعلة، وذلك عبر اعطاء/ تحديد صورة/ شكل رياضي للعالم [غرفة / مدينة / عالم / جسد / صندوق] إذا استطردنا في ملاحقة الظاهرة في نصوص أدبية أخرى مثل قصيدة: من يمسح طاولات يدي لمنى كريم:
[في أيامٍ سبعة خلق الرب
هذا الصندوق،
في هذه الأيام
خلق أرواحاً سبعاً
وسماوات سبعاً،
أعلم أنه يحتاج لقرن كامل
حتى يخلق صدر أمٍّ
يتحمل لطم الدنيا..
آهٍ،
من يبتر جسدي الحزين
عن ساقي الفرحة ؟!!]
حيث تنعقد صلة تعادلية بين [(العالم / صندوق) – (الجسد / صدر)] ناهيك عن الكناية الداخلية للصلة الرحمية بين خصوبة العالم وظاهرة الخلق الأنثوية. ان اختلاف أنماط التفكير وأدوات المنطق يقود إلى اختلاف أساليب المعالجة والتعاطي وبالتالي تقديم نص مختلف في مرجعياته وآفاقه داخل المنظومة الثقافية الواحدة والبيئة المشتركة، وبما يساعد على تقديم صور متعددة وإضاءة زوايا مختلفة للظاهرة/ النص، بعيداً كل البعد عن عقدة التراتبية والتمايز السلبي وجدلية أدب المرأة وأدب الرجل العقيمة، ايماناً بمبدأ وحدة الوجود والتكامل.
*
تنمو لغة القصيدة من المجرد إلى صيغ الخطاب المتدرجة [المتكلم (أنا الشاعرة) – الغائب (لص) – المخاطب (شخوص الصور/ الأصدقاء)] في قصيدة كولالة نوري بينما يتم الانتقال من
المجرد إلى صيغة (المتكلمين الجماعة) إلى المجرد ثانية لدى فرات اسبر، دون أن يلغي حالة الانتماء الوجداني للعالم – في ظل العولمة- . تضع كولالة نوري خطاً فاصلاً بين [المدينة – مصبّ – الشفاه - القلوب] وبين عالم مفقود (مسروق) عبر [ذلك اللص الذي سرق مذكراتي وألبوم صوري النادرة]. هذا الخط الفاصل جعل الـ (لا انتماء) خاصة للقصيدة وموقفاً للشاعرة إزاء حالة/ مرحلة لا تستطيع قبول شروطها والانسياق في لعبتها، [عن وحدتي وعراق لا يفهمه حتماً]، فالعراق هنا (ماضي / مفقود) ازاء حضور (اللص) الذي يبلطّ وجه المدينة ويدمر [صورها النادرة]. بالمقابل يتميز هذا النص بانتمائه المحدد إلى مكان وزمان وفكرة محددة، بينما كان نص فرات اسبر مفتوحاً في الاتجاهات الثلاثة ووقع نص منى كريم ضحية التشتت والتشظي المستمر، الذي أفقده وحدة الموضوع رغم وضوح دالتي الزمان والمكان. وتشترك النصوص الثلاثة في التدفق النفسي والصدور عن نزعة ذاتية – موضوعية – ذهنية متفاوتة.
*
لا تتأخر الشاعرة كثيراً في ترسيم الملامح الخارجية والعامة للمدينة، فبعد صفة التحجر تنقل إلينا صفة أخرى تتعلق بالقاطنين في هذه المدينة، تلك هي صفة الخوف العامة [Fobia] . وقد جعلت الشاعرة علاقة عضوية وفيزيائية بين الصورتين، عندما وصفت [المدينة منبع آخر لحياة متحجرة] ثم عادت في الصورة الثانية لتجعل منها [مصبّ آخر للشفاه المرتعشة وللقلوب التي..]. عليه أن التعريف الكامل الذي تقدمه الشاعرة [هذه المدينة منبع (آخر).. هذه المدينة مصبّ (آخر)]. فجمعت بين الـ[منبع / مصبّ] في المدينة. أي أنها منبع ومصبّ لما يجري فيها. تفيد المفردتان بتوصيف جغرافيا المكان، الواقع على نهر، منبع نهر/ مصبّ نهر. وفي هذه النقطة نجد أن غالبية مدن العراق منذ ايام السومريين واقعة على (نهر). وأن أنهار العراق ليست أثنين وثلاثة وانما أكثر بكثير عند إضافة الروافد التي تصبّ في أنهار دجلة والفرات وشطّ العرب. ولذلك اجتهدت الشاعرة بإدخال (لفظة) - آخر- لكل من مفردتي [منبع / مصبّ]، مما قد يفيد اختلاف المنبع عن المصبّ. فتكون المدينة منبع - لنهر- (آخر)، ومصبّ - لنهر- (آخر). وهذا يقود إلى التعميم، ويفيد (الكثرة). أي.. ثمة مدن كثيرة، هي منابع لحياة متحجرة ومصبات للخوف والارهاب اليومي. ولا تعنى هذه القصيدة إلا بواحدة منها هي.. [هذه المدينة...].
مصبّ آخر للشفاه المرتعشة
وللقلوب التي ترتاد بيوتها مبكراً..
والشفاه المرتعشة كناية عن تراكم الاحتقانات النفسية الجوانية والخشية من فلتة اللسان والتزام (أقنعة التقية) التي تتعب القلب وتصيبه بالشيخوخة المبكرة، لذلك تعود (هذه القلوب) إلى بيوتها مبكرة!. هذه الجملة الشعرية ذات النمو النفسي المتصاعد والمقطوعة هي الأخرى، نتيجة عدم توفر الظروف الملائمة لنموها في الواقع، إحالة شعورية صادرة عن نوستالجيا عميقة إلى صورة الحياة العراقية الأصيلة [أيام زمان..!] الممثلة في الانفتاح والشفافية والأمان، حيث التواصل والترابط الاجتماعي بين الناس وأماسي السهر والسمر التي تستمر حتى أواخر الليل على ضوء القمر العراقي وأبواب البيوت التي تبقى مفتوحة أو غير محكمة الاغلاق دون أن يعتور أحد مشاعر القلق أو الخوف التي نسفتها أفلام [أبو طبر] التلفزيونية المصورة بداية السبعينيات (!). فقد تغير لون الحياة وشكلها، وتغير طعمها ورائحتها، واضطربت تفاصيلها وعلائقها الداخلية، وصفة التحجر [المختصر المفيد] تصوير بلاغي رمزي [Metapha] أكثر منها مرحلة بيولوجية ما قبل تاريخية [prehistory].
وإذا كان الشرطي البعثي [أبو طبر] المتدرب في ألمانيا على دخول البيوت وتنفيذ جرائمه دون ترك آثار جرمية تقود إليه او تثبت قيامه بالسرقة، فأن [اللصّ] الذي أهدته الشاعرة قصيدتها [اهداء: إلى اللص الذي سرق حقيبتي] يحمل آثاره الجرمية معه، وذلك ما جعله يستحق قصيدة شعر يطرز بها تاريخه الموبوء، بينما (البحر) لا يستحق قصيدة، لأنه لم يكذب..
اكتبي عن البحر
لكن البحر لم يكذب عليّ
أقصد أنه لا يستحق قصيدة! - قصيدة لكن البحر لم يكذب عليّ-
ان المفردة في اللغة.. أي مفردة هي بريئة طالما كانت مجردة. مجردة من الجملة أو الواقع أو الشعور أو سبق الاصرار والترصد. على العكس من ذلك يمكن لأي مفردة أن تتحول إلى نصل سكين ورصاصة قاتلة وشظية سامة إذا وضعت الموضع المناسب. والعلاقة بين مفردات [البحر – الكذب - القصيدة] علاقة عادية ولا تحتمل الكثير من التأويل إذا وردت عارية، ولكن، ربط الشاعرة بين القصيدتين ونشرهما المشترك، بل انتماء قصيدة البحر إلى قصيدة اللص منحها آفاق دلالية جديدة وعميقة، ما كانت لتتجلى أو تكتسب أهمية خاصة لمفردها. وهذا يؤكد وحدة مشارب النصين، وأولوية نص [يا لفرحتكم.. ويا لخيبته] على نص [البحر] الذي يمثل مرحلة ما بعد حادث السرقة/ الفقدان، فيطلب منها (الصديق) التعلل بالنسيان / الفرار/ ترك الكتابة (التفكير)/ او الكتابة عن أشياء أخرى، كالبحر مثلاً. فجاء البحر - نهاية الجدل- عنوانا للقصيدة (الثانية!) بينما كان اللص وحادث السرقة عنوان القصيدة (الأولى!)، حسب رؤيتنا لترتيبهما. ومقطع..
لكن البحر لم يكذب عليّ
أقصد أنه لا يستحق قصيدة!
يتضمن إدانة ضمنية تتجاوز النظام العام للصيرورة الاجتماعية إلى المنظومة الثقافية التي أصيبت بالانحراف والارتكاس، أو انقلاب القيمة الثقافية، أسوة بانقلاب المنظومة القيمية السائدة للأشياء، فالكذب، والجريمة، والقتل، والنهب، والتزوير، هي ثيمات النص الأدبي الجديد في ظل الانهيار، أو اللجوء للتسطيح والتزوير..
ستكون نفسك أخيراً
دون أن تلمع قلبك
قبل تلاوته بأناقة
ما أمكنك من سيناريوهات
فاقت ابداعي المتواضع
سيقول صديقي ثانية
كنت أتوقع هذه القصيدة
متى تكفين عن هذه القصائد
قلْ لماذا عليّ أن أكفّ
اكتبي عن البحر
لكن البحر لم يكذب عليّ
أقصد أنه لا يستحق قصيدة
ولكنني كنت هناك
انسي ذلك
إذا نسيت، من ينهي دمعتي الأخيرة التي بقيت
هل سمعت بتجلد الدمعة قبل السقوط
وتحولها إلى علامة؟..
لأنك لا تعرفين قيادة الزلاجات
حين يتجلدون
أنا ابنة النهر الدافئ
إذن لن تتعلمي يوماً..
هذه الحوارية الشعرية تعكس عمق أزمة راهنية الابداع العراقي في ظل متغيرات مفروضة، تستهدف النيل من المتن الثقافي طريقاً لاختراق العقل وتسطيح الفكر وتهميش العملية الابداعية التي فشلت القومية الاشتراكية على مدى أربعة عقود في تزويرها. وعندما تخترق الثقافة وينتهك العقل عندها لا يبقى حديث عن القيمة الانسانية والقيمة التاريخية للتطور والتغيير. ولذلك جاءت نهاية القصيدة (محايدة) مفتوحة وغير محسومة من قبل طرفي الحوار، خطاب الشعر وخطاب التزوير..
أنا ابنة النهر الدافئ
إذن لن تتعلمي يوماً..
وفي هذا الصدد يمكن تلمس عمق الاحتقان والازدراء في عبارة [ستكون نفسك أخيراً.. دون أن تلمع قلبك]، فاستخدمت التلميع السائد بهذا التعبير للحذاء [دون أن تلمع حذاءك!] صفة للقلب، لاستكمال خصائص (التحجر) التي تنبع من المدينة، حين يتساوى القلب والحذاء في المعيار القيمي ، ويصبح سيان أن يلمع (حذاءه) أو يلمع (قلبه) قبل الذهاب لملاقاة امرأة. وهنا يصل الخطاب – الآخر- في هذه القصيدة ذروة مقاربة من خطاب اللص – غير المباشر-، بيد أن الصورة التي تقدمها هذه الجملة لم تنته أو تكتمل، وتتوضح أكثر بالقول [قبل تلاوته بأناقة.. ما أمكنك من سيناريوهات.. فاقت ابداعي المتواضع] وعندها تنمو اللازمة من [قلب – حذاء - ابداع] يتطلب الكثير من التلميع والأناقة لتأهيله وفق (سيناريوهات جاهزة) مطلوب منها أن – تحلّ محلّ- الابداع الحقيقي الموصوف تهكماً (فاقت ابداعي المتواضع) من جانب الشاعرة والمؤكد بتعقيب الآخر (!) [متى تكفين عن هذه القصائد] وصولاً إلى ذروة الجدل [ إذن لن تتعلمي يوماً] طقوس اللعبة الجديدة، وعندها تنتهي القصيدة أو تتوقف إذ لا يبقى للكلام أو الاستمرار فيه ثمة قيمة تذكر!. وعلى صعيد الترادف والتقابل يمكن استشفاف الصلة ما بين مثلث [قلب – حذاء - ابداع ] مع ثلاثية [بحر- كذب - قصيدة] في نفس القصيدة، عن علاقة توافقية وبنية منطقية محددة. ولا غرو أن يتضح يوماً بعد يوم، تراجع العملية الثقافية وحركة الابداع والنشر للسنة الثالثة بعد التغيير واختفاء الكثير من الأصوات الواعدة عن المشهد الثقافي في الداخل.
*
إذا كانت الجملتان / الصورتان في استهلال القصيدة قد تعرضتا لقطع موضوعي مقصود، فأن القصيدة بعد لازمة العنوان / الثيمة المباشرة تأخذ بالتدفق والانسياب بدون توقف، ذلك التدفق الذي يصبّ في معالجة حادث السرقة وأبعاده ومغازيه، وما يسفر عنه أو يقود إليه من آثار ونتائج. منذ البدء، تبلغ بوقوع جريمة السرقة ونوعها وطبيعة المواد المسروقة وأهميتها المادية والمعنوية والنفسية التي تتجاوز شخص الشاعرة إلى عائلتها وأصدقائها ونتاجها الأدبي الذي يبقى ثروة وطنية وجزء من تراث شعب راهن على البقاء والنقاء. وهنا تقتضي الاشارة ثانية إلى مسألة [الترادف/ التقابل (أو) / التوازي] في جملتي الاستهلال [منبع / مصبّ]، نجد مستوى آخر يربط استهلال القصيدة بالمتن عبر تغيير أداتي الاشارة [هذه المدينة / ذلك اللص]. فالمدينة (هذه) علاقة إنسانية حميمة، بينما (ذلك اللصّ) علاقة وحشية ذميمة. انه يسرق، انه لا يحسّ. أي لا يقدر مشاعر الفقدان عند الغير. والعلاقة في ظاهرة اللصوصية علاقة منحرفة غير متزنة، وطريق غير شرعي للكسب المادي أو الحسي. أكثر من ذلك أنها عملية استحصال اللذة من خلال ايذاء الغير[نزعة السادية/ Sadism] . ولذلك تعمل القصيدة على عكس ميكانزم الشعور لديه من اللذة إلى اللعنة..
سيلعنني كثيراً
ويلعن كل من تحمل حقيبة يد أنيقة
(وفوق ذلك) سيحظى بقصائد – لا تسرّ- ه
لأنّ هذه القصائد تتدفق مشاعر مليئة / صحية متزنة..
(عنك) حين تركتني
عني حين تركته
عن ابنتي الوحيدة البعيدة
.. عن وحدتي
وعن عراق لا يفهمه حتماً!
فالقصيدة لا تكفّ عن ملاحقة - اللصّ- وفضحه والامعان في تقريعه ونفيه من دائرة الجغرافيا والثقافة الوطنية، تنكر الشاعر على من يتحلى بنزر الروح العراقية أن يقدم على هذه الأفعال. وبالتالي تقدم الشاعر صورة بديلة للشخصية الانموذج التي تكون جديرة بالعراق أو يستحق (هذا) الوطن أمام الملأ وليس وراء الكواليس والصفقات المعتمة. ثم تواصل تقريعه وتحليل شخصيته شيئاً فشيئاً. أنه سيجد أمامه ما يهرب منه ويحاول اخماد جذوته في نفسه..
سيحسدك
بما لعامل (الحسد) من مشاعر تدميرية على صاحبها ومحيطه. الحسد تأكيد لعنصر العجز عن بلوغ مرتبة الغير وتضخيم عقدة النقص في ذاته التي تحثّ في داخله نزعة الانتقام والتدمير. وبهذا تنتهي القصيدة إلى تصوير مشاعر [يلعن / يحسد / لن يفهم] بدل إشباع مشاعر الانتقام والسادية. ثم تقدم تشخيصاً نفسياً تحليلياً للظروف الدافعة لهذا الفعل وعلى لسان الفاعل..
[لو أحبّتني إحداهنّ (هكذا)
لما سرقت حقائب النساء أبداً]
وتبدو هذه العبارة المحصورة بين قوسين في النص نوعاً من الاعتذار أو التبرير الذي يقدمه لنفسه، معترفاً بشآنة فعل [الفتشية] التعويضي الذي يمارسه وما ينطوي عليه من ضعة وانحدار. وتفيد عبارة (هكذا) التي كان يفضل وضعها بين قوسين اعتراضيين الاحالة إلى صورة العلاقات الاجتماعية والعائلية السليمة التي افتقدها في محيطه الشخصي، فكانت روح الجريمة نتيجة للفراغ الاجتماعي والعاطفي الذي ترعرع معه. تعود بعد ذلك الشاعرة للحديث عن نفسها وما تجترّه من آلام مبرحة..
لقد سرقني اللصّ حقاً
من جبال كلمات أثقلتني عقداً
ثمة تفاعلات نفسية ذات بنية معقدة ومتشابكة داخل النص، تعمد أحياناً إلى عكس الاتجاهات وتدوير الأقطاب للتخلص من وقع الحدث أو مراوغة الذات، فالنفس الذكية لا تستسلم بسهولة وتسخر ما أمكن من قدرات ذهنية وشعورية للانتصار على عوامل الاحباط التي يزرعها الواقع في طريق الحياة. معتبرة أن فعل السرقة/ الفقدان انما ، حررها من عبء [جبال من كلمات أثقلتني عقداً]، والعقد العراقي له دلالات سياسية وتاريخية راسخة في القاموس العراقي، قد تتضمن دلالة مدة الحصار أو مدة الحروب أو دلالات أخرى أكثر شخصية وخصوصية. تتجه بعدها إلى عائلتها وأصدقائها (المتسمرين) في – صورها النادرة-، واصفة إياهم وما يمكن أن يجري لهم على يد (اللصّ)..
أيها المساكين
سيدفنكم أحياء على عجل
أو يحرقكم بضمير بارد
في احسن الأحوال
سيبعثركم كالذبابة
داخل حاوية
قد يمزقكم أرباً
قبل أن يسحب - سيفون- الحمام
يا لخيبته بغنيمته
ويا لفرحتكم
أنتم الملاحقون بالاعدام طويلاً مع وقف التنفيذ
ستدفنون أخيراً..
ستختفون!
حيث يخرج الخطاب من الصيغة الذاتية إلى الحالة العامة ويتحول الخطاب من شخصي إلى سياسي يشمل الحالة العراقية وما شهدته في السنوات الأخيرة. وهنا تنمو شخصية [اللصّ] في النص إلى رمز مدمر يتجاوز حادث سرقة (حقيبة) إلى (أرواح) الناس جميعاً على مقصلة الارهاب بشقيه السياسي والديني وفي مراحله وأساليبه المختلفة عبر مؤسسات الدولة أو المليشيات.
ولابدّ من التنويه للدلالات العميقة لفعلي [السرقة - الكذب] اللذين تخدتهما الشاعرة محوراً لقصيدتيها. فالسرقة تتم عادة في العتمة والتخفي دون قدرة الفاعل على المواجهة أو العلن، بينما يمثل الكذب رأس الرذائل ومفتاح الانحراف. فالكذب، دالة على الانحراف والسقوط وهي في هذا المقام أكثر شمولية وعمقاً من فعل السرقة، ولذلك رفعته في عنوان أولى القصيدتين في جملة اعتراضية [لكن البحر لم يكذب عليّ] بينما ابقت فعل السرقة داخليا لكشف التفاصيل وكون آثاره أكثر وضوحاً ومباشرة واستنكاراً مهما كانت المبررات.
*
وبارتفاع النص من الخطاب الذاتي إلى الخطاب السياسي العام تلتقي الخطوط العامة للأحداث والمعالجة والتشظيات في قصيدة الشاعرة كولالة نوري مع قصة (طريق العجايب) للكاتبة التونسية رشيدة الشارني التي تدور حول فتاة يلاحقها شاب وسيم يرتدي الجينز وعندما يقترب منها يمدّ يده ويسرق القلادة من عنقها قبل أن يسلم ساقيه للريح. تصرخ الفتاة وتستغيث بأبناء محلتها للامساك باللص فلا يستجيب لها أحد فتضطر إلى العدو في أثره وملاحقته وسط استهجان الناس لسلوكها ودعوتهم لها للتعقل وتجاوز الموضوع، وعندما تمسك به يصفعها ويرديها أرضاً وسط فرجة الناس ولا مبالاتهم. وبدلاً من اتباع المنطق والوقوف الى جانب الضحية والاتحاد ضد المجرم، يأتي الموقف الاجتماعي العام معاكساً ومخيباً للآمال. وقد اعتبر القاص رشاد أبو شاور القصة رمزية محملة بدلالات سياسية في مقاربة للحدث الفلسطيني وموقف العرب منه. وهو احتمال يبقى قائماً ضمن تعدد مستويات القراءات الدلالية للنص.
أما الخطوط والقواسم المشتركة بين قصيدة [يا لفرحتكم ويا لخيبته] لكولالة نوري وقصة [دار العجايب] لرشيدة الشارني فهي عديدة منها:
1- وحدة الثيمة الرئيسية (السرقة).
2- الثيمة في النصين فردية ذاتية تتجه للتعميم والشمول.
3- الشخص المسروق في النصين إمرأة.
4- المادة المسروقة متشابهة وهي نسائية صرفة [حقيبة يد نسائية / قلادة نسائية].
5- القيمة المعنوية والنفسية للمادة المسروقة عند صاحبتها تفوق قيمتها المادية.
6- المرأة وحيدة في مشاعر الفقدان.
7- السارق شاب.
8- مسؤولية طبيعة البيئة والمجتمع عن انحراف الشباب.
9- عدم وجود دعم شعبي أو رسمي لحماية الضحية أو معالجة الحدث.
10- الجريمة تتم في شارع.
11- الجريمة تتم في مدينة.
12- في النصين محاكمة للمجامع والنظام العام.
13- مشاعر إدانة المدينة كإطار عام في الحالين.
14- وصف مجتمع المدينة بالتحجر في القصيدة وإدانة القصة لتغير أخلاق الناس وجبنهم.
15- كلا النصين ذوا أهمية كوثيقتين تاريخيتين تدينان تطوراً / تغيراً غير محمود ولا مرغوب في حركة المجتمع والمدينة.
16- كل من النصين قابل للتأويل في اتجاهات عدة.
17- وجود لغة سردية في القصيدة ولغة شعرية في القصة.
18- زخم شعوري ونفسي في النصين.
19- وحدة القيم الخلقية والمبائ الانسانية النبيلة في النصين.
20- وجود مواجهة اجتماعية بين الضحية والمجتمع في النصين.

أما نقاط التقاطع بين النصين فهي فنية وحيثية تتمثل في..
1- اختلاف التصنيف الفني [شعر / قصة].
2- اختلاف مرجعيات الحدث، استقرار سياسي اجتماعي في تونس، فوضى وعدم استقرار في العراق.
3- اختلاف المعالجة الشعرية عن المعالجة القصصية لحيثيات الموضوع.
4- وجود مواجهة كلامية ويدوية مباشرة بين السارق والمسروق في القصة وانعدامها في القصيدة.
5- تلجأ الفتاة لتسجيل دعوى فقدان عند الشرطة في القصة.
6- في القصة نقد اجتماعي للتقاليد البالية عند الطبقة البسيطة والتربية الاجتماعية للطبقة البرجوازية في المجتمع. بينما النقد عام في القصيدة.
7- التحليل النفسي والرؤية السياسية في القصيدة أكثر وضوحاً مما في القصة.
8- تعالج القصيدة إشكالية تحول سياسي اجتماعي بينما تركز القصة على التحول الحضاري .

وتبقى صورة المدينة ومعاناة المرأة المثقفة في ظل مجتمعات هشة وأجواء مراحل انتقالية غير مستقرة وغير مدروسة بوابة لزيادة أعداد الضحايا التي تأتي المرأة كضحية تاريخية متوارثة في المقدمة منها، مادة خصبة للدراسة والابداع والتحليل والمقارنة بين البيئات المتشابهة والمتقاربة والمتباينة.
9- 2- 06

كولاله نوري
قصيدتان
1] لكن البحر لم يكذب عليّ

لن تمنع فراري
لعبة الاختباء
التي تزاولها
ولا فردوسك المعلن
أو جزرك التي حاصرت
أحلامي ألف يوم
لا تتوقع أن يكون لوقت قصير
صدقني..
لن يفوتني من الحياة سواك
والنهايات المعوقّة
اعتدتها كثيراً
هذه المرة
ربما أجفف دمعة واحدة
ولن أستشير فصولنا اللطيفة
... وأنت
ستكون نفسك أخيراً
دون أن تلمّع قلبك
قبل تلاوته بأناقة
ما أمكنك من سيناريوهات
فاقت ابداعي المتواضع
سيقول صديقي ثانية..
(كنت أتوقع هذه القصيدة)
(متى تكفين عن هذه القصائد)
قل لي لماذا عليّ أن أكفّ
أكتبي عن البحر
لكن البحر لم يكذب عليّ
أقصد أنه لا يستحق قصيدة
ولكنني كنت هناك..
أنسي ذلك
إذا نسيت،
من ينهي دمعتي الأخيرة التي بقيت
هل سمعت بتجلّد الدمعة قبل السقوط
وتحولها إلى علامة؟
لأنك لا تعرفين قيادة الزلاجات حين يتجلدون
أنا ابنة النهر الدافئ
إذن لن تتعلمي يوماً..

2] يا لفرحتكم.. ويا لخيبته
اهداء/ إلى اللص الذي سرق حقيبتي!.

هذه المدينة
منبع آخر لحياة متحجرة
لم أبتعد كثيراً إذن..
مصبّ آخر للشفاه المرتعشة
للقلوب التي ترتاد بيوتها مبكراً!
ذلك اللص الذي سرق مذكراتي
وألبوم صوري النادرة
سيلعنني كثيراً
ويلعن كل من تحمل حقيبة يد أنيقة
سيحظى
بقصائد - لا تسرّ-
عنك حين تركتني
عني عن تركته
عن ابنتي الوحيدة البعيدة
.. عن وحدتي
وعن عراق لا يفهمه حتماً،
سيحسدك مفكراً،
(لو أحبّتني إحداهن هكذا
لما سرقت حقائب النساء أبداً)
لقد سرقني اللص حقاً
من جبال كلمات أثقلتني عقداً
وأنقذكم من اضطراره النظر إليّ
كل ليلة
أو
الاستماع لتقريعي الحادّ
وأنتم متسمرون
في صوركم
أيها المساكين
سيدفنكم أحياء على عجل
أو يحرقكم بضمير بارد
في احسن الأحوال
سيبعثركم كالذبابة
داخل حاوية
قد يمزقكم أرباً
قبل أن يسحب عليكم – سيفون- الحمام
يا لخيبته بغنيمته!
ويا لفرحتكم
أنتم الملاحقون بالاعدام طويلاً
مع وقف التنفيذ
ستدفنون أخيراً..
ستختفون!



http://www.c-we.org
مركز مساواة المرأة