المرأة الأكاديمية في العراق .. واقع وطموح

علياء الانصاري

2008 / 5 / 29



لا يخفى على احد ما للعلم والثقافة من أثر بالغ في تهذيب النفس والارتقاء بها الى مدارج الكمال، وفتح الآفاق أمام العقل لصقل الخبرات والمعارف وأنضاجها في بودقة الزمن.

لذلك جاءت الحكمة النبوية (أطلب العلم ولو في الصين)، لتؤسس الى (طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة)، برهانا علميا وعمليا لما للعلم من دور مهم في حياة الفرد والامة على حد سواء.

كما لا يخفى على أحد أيضا ما للمرأة من دور بارز ومهم في بناء الحضارة ورقيها لاعتبارين، أولهما كونها صانعة الحياة ومربية الافراد وثانيهما دورها الريادي والمكمل لدور الرجل في بناء الحضارة في مختلف مجالاتها الانسانية والعلمية. ولكي تتمكن المرأة من صنع الحياة وتربية الاجيال والمشاركة في صياغة مفردات الحضارة لابد لها من العلم والمعرفة والثقافة.

فبالرغم من الموروثات التأريخية والفكرية والاجتماعية التي حاصرت المرأة العراقية في كل أزمانها، استطاعت الكثير من النساء الدخول الى عالم المعرفة والثقافة وأصبح لهن دورا فاعلا في مختلف مجالات الحياة وان تباين هذا الدور من مكان الى آخر ومن فترة زمنية الى اخرى.

وفي قراءة مقارنة للمرأة الاكاديمية في العقد السابع من القرن الماضي ومطلع الالفية الثالثة، نجد الاولى فاعلة في تمظهرها الثقافي المتمثل في أروقة الجامعة اولاً وممارستها الوظيفية ثانياً ومشاركتها الاجتماعية ثالثاً.

فالاكاديمية في السبعينيات، استطاعت ان تنهل من عذب العلوم والثقافة وان تكون عنصراً فاعلاً في محيطها الجامعي أو مؤسستها الوظيفية أو محيطها الاسري والاجتماعي، فكانت تشارك في الندوات والبرامج الثقافية، وتحرص على ارتياد الاندية الثقافية وقراءة الصحف والجرائد ومتابعة الاصدارات الادبية والثقافية والعلمية، فكانت طالبة الجامعة آنذاك ذات شخصية ثقافية قوية فنجدها في مطلع الثمانينات أبان أزمة الحرية التي عانى منها العراق وهو يأن تحت قيد الاستبداد البعثي، في الطليعة مع أخيها الرجل الاكاديمي المثقف تطالب بحرية شعبها وحقه في الحياة الكريمة، فدخلت السجون وعُذبت واعتلت اعواد المشانق، وطردت من الجامعات وصودرت منها مكانتها العلمية وفي بعض الاحيان صودر منها الوطن حيث نفيت الى خارجه، وقد تمثلت هذه الشخصية المثقفة القوية في تيارين بارزين آنذاك، وهما التيار الاسلامي المتمثل بالدعاة من أتباع الشهيد محمد باقر الصدر وأخته العلوية آمنة الصدر وتلامذتهما حيث فقد العراق خيرة بناته المثقفات الواعيات ما بين السجون والمشانق والاغتراب، والتيار الثاني هو الحزب الشيوعي وأتباعه حيث دخلت المناضلات الشيوعيات آنذاك سجون البعث وشردن أيضا، وكلا التياران يمتازان بالثقافة والعلم والوعي.

في حين يفتقر الزمن في مطلع الالفية الثالثة الى جيل مثقف واعي قوي من طلبة الجامعة أو خريجيها من كلا الجنسين، نتيجة لسنوات الفراغ الفكري والروحي والثقافي الذي فرض على العراقيين وخاصة على الطلبة والاكاديمين من قبل النظام السياسي الحاكم في عملية لافراغ الاكاديمية من محتواها العلمي والفكري وطاقتها الخلاقة في الابداع، من خلال افقار الكادر التدريسي والتعليمي ماديا ومعنويا ومن خلال المناهج الدراسية غير الكفؤءة في بناء الشخصية العلمية اضافة الى عوامل سياسية واجتماعية احكمت قبضتها على الحياة في العراق فأمست اروقة الجامعة الآن تشكو غربتها من العلم والثقافة والابداع، غربتها من الشخصية الثقافية الاكاديمية التي تبني الحضارة الانسانية، فنجد غالبية الطالبات الجامعيات الآن يصبن اهتمامهن بالمظهر الخارجي محاطات بجملة من الافكار السطحية والمبادئ المتواضعة غافلات سادرات في زوايا مهملة من الحياة.

كما تعاني أروقة الجامعة اليوم من المنتديات الفكرية والثقافية والانشطة البناءة التي تعمل على تفعيل الشخصية الثقافية والعلمية للطالب والطالبة على حد سواء، فلا هم للطالب من اليوم الاول لدخوله الى الجامعة سوى الحصول على ورقة التخرج بعد أربع سنوات!!

المرأة الاكاديمية من جيل السبعينات، تمارس دورها الان بنضال مستميت لتحقيق احلامها واحلام جيلها في حياة كريمة متحضرة، وتحاول رغم الصعوبات التي تحيط بها ان تبرز الى الساحة من خلال نشاطات ثقافية وعلمية وفنية واجتماعية لتخدم مجتمعها ووطنها وتجد الفجوة شاسعة بينها وبين المرأة الاكاديمية الآن التي لا هم لها سوى ورقة التخرج او الحصول على تعيين بعد التخرج لاستلام الراتب الشهري بعد كل ثلاثين يوم!!

ان تغيير الواقع المعاش في عراق ما بعد سقوط الاستبداد، لن يتم الا على أيدي النخبة المثقفة الواعية وخاصة المرأة الاكاديمية الواثقة من نفسها والقادرة على التغيير والاصلاح من خلال ما تملكه من علم ومعرفة وايمان وفضيلة، وما برز من دورها في الفترة المعاصرة كأستاذة جامعية أو طبيبة او مهندسة او كاتبة او شاعرة او قيادية في منظمات المجتمع المدني او برلمانية على ضعف دورها السياسي، خير دليل على قدرتها على العطاء والابداع.

ولكن مع وجود الثلة القليلة من هذه النساء فهن ايضا غير قادرات على النهوض بهذه الاعباء الجسيمة دونما وقوف الرجل الاكاديمي المثقف الواعي الى جانبها ودعمه لها، الدعم العلمي والاكاديمي والعملي والمعنوي، فمازالت النظرة التي تحاصر المرأة العراقية وخاصة المرأة المثقفة الحركية الواعية قاصرة بل خطيرة في أغلب أحيانها، ومازال الطريق أمام المرأة المثقفة طويلا وشائكا حتى تتمكن من القيام بدورها في عملية التغيير والاصلاح.






http://www.c-we.org
مركز مساواة المرأة