متابعة لمقال حوار مع سيدة سورية في صالة الترانزيت

ابراهيم علاء الدين
Alaeddinibrahim@yahoo.com

2008 / 11 / 19

لم اكن اعلم ان حوارا عابرا من سيدة سورية نشر امس الاول انه سيلقى هذا الزخم من ردود الفعل، فقد بلغ عدد الرسائل التي وصلتني على البريد الالكتروني ردا على الموضوع 74 رسالة 68 منها اشادت بالسيدة وبالحوار وتضمن بعضها معلومات اضافية حول سوء الاوضاع بشكل عام في سوريا مثل الاعتقالات والملاحقات ومنع السفر، ومقتل ناشط حقوقي في احدى القرى على الحدود السورية اللبنانية ، وغلاء المعيشة ومشاكل الريف مثل مشكلة الفلاحين مع محصول الذرة الصفراء ومشكلة التاخر في صرف مستحقات مزارعي القطن في محافظة الرقة، والبطالة ، والفقر ، والقهر السياسي والاجتماعي ومشاكل التعليم، وغيرها من القضايا وكل منها يتسحق ان يفرد له بحثا خاصا.
فيما كانت ستة رسائل تضمن بعضها شتائم وعبارات ازدراء وتهكم على شخص السيد والكاتب، واتهامات بالخيانة والعمالة للاستعمار والصهيونية، لكن اثنتان منهما حملتا اعتراضات فكرية حاول مرسلاها وهما كاتب فلسطيني مقيم بسوريا وكاتبة مغربية "اعتذر عن ذكر اسميهما منعا للاحراج واحتراما لخصوصية الرسائل"، تفنيد اراء السيدة والبرهنة على ايجابيات النظام في سوريا ودوره الوطني في مواجهة المشاريع الامبريالية الامريكية والصهيونية، وقدم الكاتب والكاتبة بعض المعلومات حول ليؤكدا على ايجابية الاوضاع بسوريا وانها افضل بكثير من غيرها في الكثير من الدول العربية والعالم.
ولم تخلو الرسالتان من عبارات اللوم والاستهجان، فقالت الكاتبة الصديقة " لقد هزني موقفك العدواني من النظام السوري الذي يقف قلعة صامدة في وجهه المخططات الامريكية والصهيونية".
اما الزميل الصديق فقال " اني اشك بان تكون هذه السيدة بنت عائلة محترمة وكبيرة قال "ان ما قالته كذب بنسبة 80 بالمائة على الاقل" واضاف "كنت اتمنى الا تنشر هكذا حوار ليس له في الواقع أي صدى من الحقيقة باستثناء ما يعرفه الجميع".
وقال "لم اكن اتوقع انك من المعارضة السورية وعلى هذا القدر من الاستعداد للاساءة للبلد الذي اعيش فيه" و " لا يجوز أن يسوق المرء ضد بلده أشياء كاذبة". وتسائل "لماذا فلسفة البعض ومزايداتهم على سورية والنظام السوري؟ وهل حقاً دعم النظام السوري للمقاومة كذب وتحايل؟" واضاف " برغم ارتفاع الأسعار للمواد الغذائية وأنت تعلم أنها كذلك في كل العالم فان سوريا لا زالت أفضل بلد عربي على هذا الصعيد"
ومع ان الرسالتان تتضمنان عددا من النقاط الهامة التي تستحق فرد مقالات خاصة بها وهذا ما سوف احاول ان انفذه في مقبل الايام ، الا ان اكثر ما لفت نظري في رسالة الصديق قوله " ان كل الإحصاءات في الوطن العربي تقول أن سورية وتونس في طليعة الدول التي تحظى فيها المرأة بمكانة ممتازة سياسياً ومهنياً وفنياً أيضاً" واورد الزميل قصة حول قيام موظفات احد فروع بنك بالطلب منه ان يكتب عن مديرات فروع البنك .. ولماذا لا يوجد الكثير من الرجال في هذا الموقع، واضاف " أي طلبن مني شخصياً أن أتكلم ضد حق المرأة في إدارة البنك وفروعه".
مما دفعني لضرورة للكتابة حول اوضاع المراة السورية منطلقا من مجموعة دوافع من اهمها انه لا يمكن تطور المجتمع في كافة الميادين ،دون حصول المراة على حقوقها السياسية والاقتصادية والاجتماعية كاملة وفق مباديء العدالة والمساواة، وثانيا لان الكاتب الصديق شكك بالمعلومات التي ذكرتها السيدة السورية، وثالثا لانه شكك باصولها وبانها بنت عائلة محترمة وكبيرة، ورابعا لان النصائح التي وجهها الصديق لا جدوى منها بل ان المطلوب هو فضح الديكتاورية والاستبداد والقمع اينما كان، خصوصا وان الزميل متخصص الى حد ما بتوجيه انتقادات لاذعة للسلطة الوطنية الفلسطينية.
وطن للذكور
تقول الكاتبة السورية فلورنس غزلان "رغم دخولنا القرن الواحد والعشرين ورغم كل ما يجري من تغير وتطور يطول الحياة العامة في كل بقاع الارض ويمس القوانين المجحفة بحق المراة، الا ان اوضاع المراة السورية تكاد تكون الاردأ ضمن اطار القوانين التي تخص المراة العربية".
وتعطي السيدة فلورنس مثالا على ذلك بقولها "تغيرت المدونة في المغرب ، وتطور قانون الاسرة في الجزائر وانصف المرأة ، وتغير القانون في مصر فصارت المراة قادرة على منح الجنسية لاطفالها، وفي تونس تغير القانون منذ عهد الرئيس بورقيبة، لكن قانون الاحوال المدنية في سوريا ما زال ساري المفعول منذ العهد العثماني". واضافت ان المراة بموجب هذا القانون لا تملك حق الولاية على ابنائها ، وشهادتها نصف الرجل حسب الشريعة، ولا تستطيع ان تمنح زوجها او ابنائها الجنسية " فلماذا لا يريحونا القائمون على الوطن ويعلقون على مداخل سوريا يافطة يكتب عليها سوريا وطن للذكور فقط؟".
المرأة والسياسة
تعاني المراة السورية تهميشا فعليا واهمالا في مجال المشاركة السياسية ، وهناك العديد جدا من الحواجز التي تحول دون وصولها الى مراكز القرار، وهناك تحالف مقدس بين السلطة والدين والمال، وما يتصل بهذه الاطراف من قوانين واحكام شرعية وتقاليد واعراف ومصالح اقتصادية تتحكم بالنساء، وتحول دون مساواتها بالرجل في كافة الميادين.
كما ان ازدراء حقوق الإنسان عموما، وغياب حرية التعبير، والسطوة الامنية على جميع مفاصل الحياة المدنية، ومنع ترخيص اشهار الاحزاب، والتنظيمات السياسية، والحقوقية ، ومنظمات المجتمع المدني ، والقمع الذي تتعرض له الناشطات السياسيات ادى الى امتناع النساء عن الانخراط في الانشطة السياسية والحقوقية واي اعمال تثير حفيظة سلطات الامن.

وتقول الاحصاءات انه رغم زيادة عدد اعضاء النساء في مجلس النواب السوري (30 نائبة) منهن 26 نائبة منهن عضوات في حزب البعث الحاكم، والثلاثة الأخريات يمثلن الجبهة الوطنية التقدمية وحزب الاتحاد الاشتراكي، والحزب القومي السوري الاجتماعي ورابعة مستقلة، اي ان ممثلات البعث يشكلن 90 بالمائة من عضوات المجلس، ومع ذلك فان عدد النساء بالمجلس لا يشكل سوى 12 بالمائة مقابل 88 بالمائة للرجال.
كما ان نسبة وجود المرأة في الادارة المحلية تكاد تكون ثابتة عند حدود 3 بالمائة خلال المجالس المتعاقبة جميعها مما يدل على ان النسبة محددة سلفاً ولا تدل على مشاركة حقيقية للمرأة. كما ان مشاركة المراة بصناعة القرار هامشية وتفيد الاحصاءات الرسمية والجهات المختصة المحايدة ان هناك سيدة تشغل موقع نائب رئيس الجمهورية للشؤون الثقافية ، و11 بالمائة يعملن في السلك الدبلوماسي و حوالي 4ر13 بالمائة يعملن بسلك القضاء، (170) قاضية؟) وفي المحاماة 16 بالمائة، وفي الاعلام 38 بالمائة من اعضاء اتحاد الصحفيين.

ومن الناحية النظرية لا توجد قيود دستورية أو قانونية على مشاركة المرأة سياسياً في الأحزاب والبرلمان والإدارات المحلية والحكومة، فالدستوروالقانون يقران المواطنة والمساواة، لكن هناك
مسافة كبيرة بن الجانب النظري والممارسة الفعلية على ارض الواقع، حيث يقف التسلط السياسي والتسلط الديني والتسلط الطبقي الى جانب الاعراف والقيم السائدة والتقاليد حجر عثرة امام تنفيذ ما اقره النظام الدستوري والقانوني، ويعطل مبدأ سيادة القانون.
كما تبرز الامية بمستوياتها المختلفة (القراءة والكتابة ، والامية السياسية والمهنية والثقافية) عاملا رئيسيا في ابعاد المرأة عن الحياة السياسية وتعزز الهيمنة الذكورية، الى جانب هيمنة الثقافة القائمة على اساس التفوق الذكوري سواء في مؤسسات السلطة وغالبية الاحزاب لتعزز ثقافة اقصاء المراة وتهميش دورها السياسي ، وعلى الرغم من الطابع العلماني للسلطة الا انها في الغالب خضع لمجاراة الواقع الناتج عن تاثير التيارات الدينية المتشددة والتقليدية الذي يضغط بقوة على القوى الاجتماعية المستقلة لفرض رؤاه وايديولجيته الاجتماعية والثقافية والدينية.
وفي ظل هذه الاجواء والتي ادت الى تجميد بعض مواد الدستور خصوصا تلك المتعلقة بالحقوق المدنية والسياسية تمت محاصرة المنظمات النسائية التي يزيد عددها عن 25 جمعية وعدم قدرة الكثير غيرها من الحصول على التسجيل القانوني.

المراة والاقصاد

على الرغم من عدم وجود احصاءات دقيقة حول عمل المراة بكافة القطاعات الاقتصادية (الزراعية والصناعية والخدمات) الا ان ما هو متوفر منها يشير الى ان اجمالي نسبة عدد النساء العاملات في القطاع الاقتصادي يبلغ حوالي 20 بالمائة، من اجمالي العمالة السورية يستحوذ القطاع الزراعي على النسبة الاكبر من هذه النسبة ، ومن الملفت للنظر ان عدد النساء العاملات في القطاع الزراعي اكثر من عدد الرجال حيث تبلغ نسبتهن حوالي 59 بالمائة ، مقابل 41 بالمائة للرجال.
ونظرياً المرأة في القانون والتشريع مالكة لأموالها، حرة التصرف بها، لكن الواقع يظهر في كثير من الحالات عدم حريتها في ذلك، وخضوعها للضغوط الممارسة عليها من قبل الأهل أو الزوج.
وبشكل عام ما زالت المراة خاضعة اقتصاديا للرجل، حيث تفرض الثقافة السائدة على تقسيم عمل يقوم الرجل بمقتضاه بتوفير الاجتياجات المادية فيما يقتصر دور المراة على رعاية البيت والاولاد.

المرأة والمعرفة:
تشكل الإناث في المرحلة الابتدائية نسب 47.2 % من المجموع العام . وفي الإعدادية 45.9 % من المجموع العام ، وتبلغ نسبة التسرب في عدد الإناث في المرحلة الإعدادية حوالي 27.8 % ممن دخلن الدراسة في المرحلة الابتدائية. وتبلغ نسبة الإناث في المرحلة الثانوية 49% من المجموع العام بنسبة تسرب كبير من عدد اللواتي دخلن المدرسة الابتدائية لتصبح النسبة 8.3 ممن دخلن المدرسة تابعن التعليم الثانوي. وتصل نسبة من يتابعن تعليمهن الجامعي إلى 6.4 % ممن دخلن المدرسة الابتدائية، بنسبة 46.1 %. من المجموع العام.
وتبلغ نسبة المدرسات (67% في الابتدائي، 49% في الإعدادي والثانوي، 47% في التعليم المهني الثانوي، 47% في المعاهد المتوسطة، و 22.9% في التعليم الجامعي.

العنف ضد المراة
تتعرض المراة السورية كغيرها من نساء العالم للعنف باشكاله المتعددة مثل العنف الجسدي والمادي والمعنوي ، الى جانب العنف الاسري والاجتماعي والاقتصادي والقانوني، ويزداد العنف كلما كان المجتمع اكثر تخلفا في الجانب التعليمي والثقافي، وكلما كان النظام الابوي مهيمنا على الاسرة وافرادها. وهذه هي الصفة الغالبة في المجتمع العربي عموما.
وتشكل "جرائم الشرف" إحدى أبشع أشكال العنف ضد المرأة، وهذه الجرائم تتناقض كليا مع المعتقدات السامية جميعها بما فيها الأديان..

التحرش الجنسي
تتعرض المراة السورية لاحتمالات امتهان كرامتها من خلال التحرش الجنسي سواء كان لفظيا بالفاظ تقشعر لها الابدان او ماديا كالقرص واللمس والضرب بالكتف في الاسواق ودوائر الحكومة والمؤسسات العامة والجامعات الى محاولات الاغتصاب في الاماكن النائية.

الزواج السياحي
في كل صيف تدخل اعداد جديدة الى قائمة "موظفات السياحة الجنسية" حين يفد السعوديين والخليجيين خصوصا الى المدن المالية وقراها حيث تنشط الدلالات العاملات في توفير زوجة سياحية للراغبين وفق ما هو متعارف عليه ب "الزواج السياحي" حيث يتم بيع البنات "هكذا بصفاقة" لطالبي المتعة الصيفية ممن لا يزدن اعمارهن عن 18 سنة، لتيخلى عنها السائح الخليجي مع نهاية اجازته، او ياخذها معه الى بلده لتعمل خادمة لزوجته او ازواجه، مما يضطرها للهرب والعودة الى بلدها، وغالبا ما تجبرها اسرتها على الزواج ثانية وثالثة،فهل يوجد امتهان لكرامة المراة السورية اكثر من هذا الامتهان، والاسوا من ذلك ان هذه الفضيحة تم في ظل صمت تام لاجهزة الاعلام بكل انواعها مما يعني ان هذا الامتهان للمراة السورية يلقى دعما وتاييدا وتشجيعا من النظام، لما له من دور في نشيط السياحة.

المراة والحقوق المدنية
ان اكثر اصناف القهر التي تتعرض لها المراة في سوريا هو ذاك الناشيء عن قانون الاحوال الشخصية الذي يمثل اكثر اوجه التمييز ضد المراة بشاعة ، وبموجبه تواجه المرأة أشكال مختلفة من التمييز القانوني المنتظم. وتتعرض لعقوبات أشد قسوة من العقوبات التي يتعرض لها الرجل في بعض الجرائم والتمييز في قوانين الجنسية والمواطنة حيث لا تتمتع المرأة بنفس حقوق المواطنة والجنسية التي يتمتع بها الرجل. ولا تستطيع المرأة التي تتزوج من أجنبي أن تمنح مواطنتها وجنسيتها إلى زوجها وإلى أبنائها. كما انه لا يوجد لدى قوانين تحظر بوضوح جميع أنماط العنف المنزلي. ويتم إلقاء عبء إثبات ممارسة العنف على عاتق المرأة الضحية بالكامل ، وفي ذات الوقت تحد الاعراف الاجتماعية من قدرتها علي الإبلاغ عن الجرائم. كما أن هناك قوانين تساند بعض أنواع العنف الموجه ضد المرأة مثل تلك القوانين التي تلغي العقوبة على الرجل الذي يتزوج من المرأة التي اغتصبها. الى جانب ندرة المعلومات وعدم ادراك المرأة وحقوق المواطنة, التمييز في قانون الأسرة الذي يضعها في منزلة أقل من الرجل وتحيلها منزلة أدنى في إطار الزواج والحياة الأسرية. ويحظى الزوج بالسلطة على حق زوجته في العمل والسفر ويستطيع أن يطلق زوجته في أي وقت من الأوقات دون أي سبب وبدون الحاجة إلى اللجوء إلى المحاكم.

هذا غيض من فيض من الواقع الذي تعيشه المراة السورية، وهو انعكس للواقع العام الذي يتسم بالاستبداد والقمع والاضهاد لكل ابناء المجتمع ، فكلما ازداد القهر وعم الاستبداد، وترسخت قواعد النظام الشمولي كلما ازدادت اوضاع المراة سوءا ، وتعرضت لمزيد من الاضطهاد والحرمان.



http://www.c-we.org
مركز مساواة المرأة