التمرد على الشئ, بدون تمرد – ملاحظات حول مقال -العنوسة خير ألف مرة من الزواج من رجل في هذا الشرق البائس- لوجيهة الحويدر.

هدى ابو مخ

2004 / 6 / 13

حين يصرخ القلم, يكون صعبا تجاهل الم الانسان الممسك به. وحين قرات مقالات الكاتبة السعودية وجيهة الحويدر شعرت عمق الالم الانساني المسير لها والمختزن في جسد كل جريمته احتواءه على التضاريس الانثوية, وفي ذات الوقت تلمست عمق الاضطهاد الاجتماعي المولد لكل هذا الغضب.

وانا في الحقيقة قرات مقالات الحويدر بعد لفتة من قارئ عزيز اشاد بقوتها التعبيرية وباسلوبها في عرض ارائها لدرجة التشابه بيني وبينها –كما علق ذات القارئ. وانا لا انكر اعجابي الواضح بجراتها على قول كلمة الحق بوجه قوة تسوق الباطل والاستبداد, لكنني لم اكتب حتما هذا المقال من اجل الاشادة فقط. فالى جانب هذا الاعجاب بالكاتبة الا ان لي بعض التحفظات التي ارتأيت وجوب لفت النظر اليها. مهم الاشارة الى ان هذه التحفظات لا تتعلق باسلوب تعبير الكاتبة ولا براديكاليتها, بل بمنهجيتها في التعاطي مع موضوع المقال بحيث يحتوي على مضامين تنافي غرض الكاتبة واهدافها بلا وعي منها الى ذلك –كما اعتقد. فالى جانب صرختها المتمردة على الظلم تبرز اصوات اخرى –ذكورية- لم تستطع الكاتبة محوها بسبب استبطانها اياها لدرجة التعامل معها كامور "مفهومة ضمنا". فتلك الاصوات تعمل بقوة على نسف صرخة الحق –الانثوية في هذا المقال- من خلال مصطلحات وتعريفات بناها ذات المجتمع الذكوري بنفسه ونصبها كحقائق. الكاتبة ترسخ هذا الصوت من خلال عدم مواجهتها اياه وفكفكته. وانا في هذا المقال القصير ارمي الى لفت النظر الى هذه الاصوات, الى تلك "النقاط العمياء" المتمردة على تمردها, بخدمتها لمصالح الثقافة الاستبدادية السائدة, التي تتمرد عليها الكاتبة.


في مقالها "العنوسة خير الف مرة من الزواج من رجل في هذا الشرق البائس" والمنشور في الحوار المتمدن, اعلنت الحويدر تفضيلها لحالة ال"عنوسة" على الزواج بذكر مهزوم كالذكر الشرقي والمسلم, مع تفصيلها لتلك الهزائم.



تحفظي الاول –والشديد- يتعلق باستعمال الكاتبة لمصطلح "العنوسة". الحويدر انتجت وصورت حالة ابرزت فيها ثنائية مترادفة: "العنوسة" –الذكر المهزوم, بحيث انه افضل –وفقا للحويدر- للمراة البقاء "عانسا" على الزواج بهذا الرجل المهزوم. "العنوسة" تصور هنا كامر سلبي –تماما كهزيمة الشرقي- ولكن وفي ذات الوقت "كافضل الامرين". الحويدر تعاملت بذلك مع "العنوسة" من ذات المنظور الذكوري الذي يرى بها امرا سلبيا. برايي فان اسلوب تعاطيها هذا مع المصطلح والظاهرة لا يتمرد على كل ذلك الكم الهائل من المعايير والقيم الاستبدادية التي يخفيها المصطلح في طياته اللغوية وتداعياته على ارض الواقع, والتي تمكن ذات الرجل من استخدام "العنوسة" كحجة وسلاح لاضفاء الشرعية على نزواته ومصالحه المختلفة بصورة تبدو "في منتهى الاخلاقية" (كاستخدامه مثلا لظاهرة "العنوسة" في خطاب الدعوة لتعدد الزوجات من خلال الادعاء بوجوب التعدد من اجل "انقاذ" اولئك النساء ممن لم يحالفهن الحظ بالزواج). عدم الاستخدام الناقد للمصطلح على يد الكاتبة ياتي بمفعول عكسي ومضاد لهدفها ونيتها المعلنة, وذلك بترسيخه للمفهوم بصيغته الذكورية السائدة والمتعارف عليها ك"طبيعيه" - اي, العنوسة كامر سلبي يجب محاربته.




في ذات المقال ابرزت الحويدر مسالة الرجل المهزوم. بداية, لا اعترض بتاتا على حقيقة هزيمة الشرقي, فهي حقيقة واقعة. اعتراضي وتحفظي يتعلقان بمنهجيتها في التعامل مع الامر من خلال قبولها بمعتقدات وصيغ وظائفيه معينة يفرضها المجتمع على الافراد فيه بناء على تركيبتهم البيولوجيه. ففي مقالها ذكرت الحويدر ان "عنوسة" النساء افضل من الزواج برجال مهزومين. هذه الدعوة للنساء بعدم الزواج من "اولئك المهزومين" هي بحد ذاتها اشكالية كبيرة, اذ تعني قبول الكاتبة بهذا التوزيع للوظائف في المجتمع كما هو موجود في المجتمعات الذكورية: الذكر كبطل ومحارب يدافع عن وطنه وشرفه, فيما الانثى كتلك التي تنتظر هذا البطل "لينقذها". هذا التصوير للرجال ك"هم" المهزومين, فيما نحن النساء اللواتي علينا رفض اولئك الرجال لفشلهم في القيام بهذه الوظائف التقليدية الملقاة عليهم على يد النظام الناطق بلسانهم, هذا التصوير يقوم عمليا بترسيخ هذا التقسيم الوظائفي للافراد وادوارهم في المجتمع, بدون اي نقد لمدى عقلانية الامر. المراة لدى الحويدر تبقى ذات "المراة", والرجل يبقى ذات "الرجل", لكن على شرط قمع "هزيمة الذكر". بل وساذهب بعيدا في اقوالي وادعي بان الحويدر تقوم – برايي عن غير قصد- بتذكير الرجال بوجوب تادية ادوارهم "الذكورية" كيلا تكون العنوسة –"ذلك الامر الشديد السوء"- حلا افضل منهم.



تحفظي الاخير حول المقال يتعلق باسلوب تعامل الحويدر مع "الهزيمة" الحويدر قامت بخلق هزيمة تتعلق بالذكر الشرقي وفصلها عن المراة العربية (وكان المرأة تعيش خارج حدود واقع الهزائم). هذا الفصل بحد ذاته اشكالية كبيرة من حيث علاقته بالمعطيات على ارض الواقع. فالهزيمة في فلسطين ليست هزيمة الرجال فقط, والاحتلال لا يقع فقط على الذكور. اضافة الى ذلك, المراة تعيش الهزيمة بصورة مضاعفة: فعلى الصعيد القومي نحن نعاني ايضا من الاحتلال والامبريالية ونظم الاستبداد المعولمة, وعلى الصعيد الاجتماعي الضيق نحن نعاني من استبداد الانظمة الذكورية المؤسسة بكل اجهزتها المنظورة والمخفية, وبكل وسائلها من تلك الاكثر عنفا (القتل على خلفية ما يسمى "شرف العائلة", الاغتصاب, والقائمة طويلة) الى اشد انواعها شفافية وخفية لدرجة استبطان النساء اياها والتعامل معها كبديهيات طبيعية, تصل احيانا الى درجة الغاء الذات(والا فكيف نفسر تاييد 75% من نساء مصر لختان بناتهن –وفقا لبحث اجرته باحثة المصرية باسم د. فريال عبد القادر).

كان مهما لي الاشارة الى هذه الاشكاليات والتناقضات الحادة في مقال الحويدر, والتي "تتمرد" على اهداف وروح الكاتبة كما تود ايصالها الى قرائها, على امل العمل على اصلاحها واعادة تقييمها من خلال التعامل معها بمنهجية واحكام اكبر من قبل الكاتبة, كي يكون تمردها تمرد مثمر ومبني على اسس اشد متانة تتيح له التشعب الى وعي الافراد بدون تلك "الاصوات" الصاخبة التي تقف له بالمرصاد متوعدة, وتقف بوجه امتداده كحقيقة منطقيه.



http://www.c-we.org
مركز مساواة المرأة