علياء المهدي... من ثائرة على المجتمع إلى حجر في وجهه

أمنية طلعت
tomneya@yahoo.com

2011 / 11 / 17

ملاحظة عابرة:
مدونة "مذكرات ثائرة" احتوت على عدة صور لفتيات عاريات ومعهم فتى آخر عارٍ تماماً يجلس في وضع، يضع عورته " عضوه الذكري" في وجه أي انسان يمر على الصورة حتى ولو سريعاً. السؤال: لماذا ترك كل أهل المحروسة صورة الذكر العاري وركز على المرأة العارية؟ لا أنتظر الإجابة الآن، لكنني متأكدة أن علماء النفس والاجتماع سوف يضعون ملاحظتي قيد الدراسة التحليلية للشخصية المصرية وسيجيبون على السؤال بصراحة شديدة، ربما بعد عشرة أعوام من الآن.

وبعد أن كسرت تابوه الكتابة، بادئة موضوعي بملاحظة، دعونا ندخل إلى عالم علياء ماجدة المهدي التي كسرت تابوهاً أكبر بكثير "تابوه الجسد". علياء، تلك الفتاة التي تبدو من ملامحها، أنها لم تتجاوز السابعة عشر من عمرها، رغم إعلانها أنها تجاوزت العشرين، والتي تُسمي نفسها بعلياء ماجدة المهدي، ما يُدلل على إيمانها واقتناعها بأحقية الأم في أن يحمل أبنائها اسمها تماماً مثل الأب، قامت بنشر صورها عارية على مدونتها الثانية "مذكرات ثائرة" في مصر، الدولة التي يلقبها كثيرون بالدولة الإسلامية الشرقية المحافظة. مع الصور تنشر علياء بضعة سطور قليلة تقول فيها: حاكموا الموديلز العراة الذين عملوا في كلية الفنون الجميلة حتي أوائل السبعينات و اخفوا كتب الفن و كسروا التماثيل العارية الأثرية, ثم اخلعوا ملابسكم و انظروا إلي أنفسكم في المرآة و احرقوا أجسادكم التي تحتقروها لتتخلصوا من عقدكم الجنسية إلي الأبد قبل أن توجهوا لي إهاناتكم العنصرية أو تنكروا حريتي في التعبير.
بمجرد أن ننزل ببصرنا قليلاً نحو التعليقات الصادرة من زائري المدونة، سنجد كثيراً من السباب الوقح والخارج عن حدود الأدب والأعراف والأديان، رغم أنهم بسببابهم، وكما هو مفترض، يحاربون الرزيلة التي اقترفتها علياء على الملأ، بالتعري كاملاً على صفحات الإنترنت. ربما نجد بعضاً من هؤلاء وبعيداً عن جسد علياء، زائراً دائماً لأجساد الغربيات والموديلات الأمريكية في مواقع أخرى أجنبية، يعمد العديد من أبناء العرب إلى كسر "بروكسي" الإنترنت كي يتمكنوا من تصفحها ومتابعة حركة الأجساد العارية للنساء على الساحة العالمية. ناهيك عن أفلام "البورن" التي تشمل نسخاً عربية، ويتم تبادلها عبر البلوتوث، ما جعل دولة مثل السعودية، تصدر قراراً ذات يوم بعدم تداول بيع وشراء أجهزة المحمول التي تحوي تقنية البلوتوث، وذلك بسبب الفضائح التي خرجت من حدود المملكة عبر الفضاء البلوتوثي العربي والغربي.
علياء وبعيداً عن جسدها، الذي علق أحدهم عليه، بأنه ليس بالجميل الذي يستحق أن يتعرى! قائلاً في تعليقه:" يععع إيه القرف ده". تمتلك مدونة بدأتها منذ عام 2008، تحمل نفس الاسم "مذكرات ثائرة"، ولكنها من خلالها تقدم أفكارها أو تعبر عن أسبابها التي جعلتها تقرر الخروج عن المجتمع وقلب تابوهاته رأساً على عقب، بهذه الطريقة المدوية!!!
في مدونة بعنوان " مذكرات بنات مفروسة" تتحدث بأسلوب بسيط ولكنه ذكي جداً، عن التفرقة في التربية داخل البيت الواحد، بين الولد والبنت، حيث يتم منح الولد صلاحيات أكثر وكذلك حق الوصاية على أخته حتى لو كانت أكبر منه سناً، إضافة إلى التضييق على حركة البنت ومراقبة تصرفاتها بشكل مخابراتي ومنعها من التحدث أو التعامل مع زملائها وجيرانها من الذكور، وفرض نوعية معينة من الملبس عليها، وحصر وظائفها في الحياة داخل جسدها، تقول علياء:
أشعر أن الأرض تهتز (تعبير مجازي) عندما تُلام فتاة علي تعرضها للتحرش أو الإغتصاب.. و هي لها حق و ليس عليها ذنب!! الأنثي إنسانة لديها الكثير لتنجزه في حياتها ولديها مشاعر يجب إحترامها و ليست كيس صابون عشان تبقي ضاعت للأبد لو تعرضت للإغتصاب أو حتي لو أحبت!! يقولون أن من لا ترتدي الملابس التي يرونها "محتشمة" (اللي هتوصل بعد كده للخرسانة المسلحة كأن اللي تحت الهدوم دي مش إنسانة) تستاهل اللي يجرالها.. لو قالعين ملط محدش ليه حق يعتدي علينا.. احنا مش أجساد متحركة ,احنا بشر.. احنا مش أقل من البلاد المتحضرة اللي الناس فيها بتحترم بعض و القوانين فيها بتحاسب الجناة!"
كذلك تنقل الفتاة، بعض من الرسائل الإليكترونية، التي نعتاد جميعاً على تسلمها بصيغة "forward" وغالباً ما تحمل مضامين دينية تقترب إلى السذاجة، كأن يخبرك أنك لو أرسلت هذه الرسالة إلى عشرين من أصدقائك، ستغنم أضعاف عددهم حسنات، أو إذا ذكرت اسم الله عشرة مرات، يعطيك الله أضعافها حسنات، حيث تعلق مقتبسة من الفنان الكوميدي عادل إمام: "والحسابة بتحسب". ومن الرسائل التي أوردتها تلك التي تسخر من النساء بشكل عام، ولكن بطريقة كوميدية، حيث يحتاج الرجل إلى ثلاث خطوات فقط لكي يتعامل مع ماكينة السحب الآلي، بينما تحتاج المرأة إلى عشرة خطوات نظراً لأنها كائن غير منظم وغبي ولا يهتم سوى بزينته. وتعلق علياء على هذه المُزحة قائلة:
"عندما جربت إستعمال تلك الماكينات لأول مرة ,كنت في الثانية عشر و لم أحتاج إلي قراءة مثل تلك التعليمات المهينة... بل ساعدت من هم أكبر سنا مني من الرجال في إستعالها!!!...
إليكم بعض المواقف العنصرية التي أواجهها منذ طفولتي...
عندما واجهت سخافات زملائي لأني فتاة جريئة لا تسكت عن حقها و لا تخاف من الحشرات و تحب اللعب بالطين اتهموني بأنني ألعب "لعب الولاد" "!!!
عندما كنت أفضل حضور حصص الزراعة والصيانة التي أحبها مزوغة من حصص الاقتصاد المنزلي المفروضة على البنات، اتهموني بأنني مسترجلة.
عندما حصلت على المركز الأول في إمتحانات إبتدائي، بدلا من أن يشجعني المدرس قال لزملائي الولاد: مش عيب بنت تطلع الأولى عليكو!!!"!!!
عندما تواجهني عبارات مثل : البنت لازم يكون صوتها واطي ومش كل الشغل مناسب للستات.
عندما انبرى أحد المدرسين أمامي باقتراح عدة حلول هطلة لـ مشكلة البطالة كان منها إن الستات تقعد في البيت وتسيب الشغل للرجالة.... الهطل!!!!
أدعو كل من يقرأ هذا البوست، قبل أن يعلق تعليق أهطل آخر أن يغمض عينيه أو يفتحهم ويفتح مخه...يتخيل إنه أنثى ذكية مبدعة قوية مثلها مثل الرجال ..لم يحطمها المجتمع الذكوري البغيض الذي يحيط بها ويحاول بكل الوسائل أن يسلبها حقوقها ..تحارب كل يوم لدفع هذه الاتهامات العنصرية السخيفة التي تقف في طريقها في كل نواحي حياتها ".

لا تتوقف علياء في طرحها الخاص لأسباب خروجها عن الأطر المجتمعية المتعارف عليها عند تلك، بل تمتد إلى مناقشة الدين نفسه، حيث أنها تعلن بكل صراحة أنها ملحدة، ولم تعد تؤمن بدين الإسلام منذ كان عمرها 16 عاماً، وربما نعثر على أحد أسباب إلحادها في آخر تدوينة لها والتي لم تكتب فيها سوى جملة واحدة: "أيهما أكثر إقناعاً؟" ثم تقدم عددا من الفيديوهات العلمية التي تشرح كيفية بدء الخلق من خلال نظرية "الانفجار العظيم"، مقارنة إياها بقصة الخلق التي وردت في الأديان السماوية الثلاثة. كذلك وتحت عنوان "ولكنها تدور" تسرد قصة جاليليو مع الكنيسة الكاثوليكية، التي كادت أن تحكم عليه بالقتل نظراً لأنه اكتشف عبر مناظيره المستحدثة، أن الأرض بيضاوية الشكل وتدور حول نفسها وحول الشمس وأن هناك كواكب أخرى غير أرضنا، وذلك في القرن الخامس عشر، وكيف أن الفاتيكان قدم اعتذاراً هاماً لجاليليو في ثمانينات القرن الماضي، ليأتي الشيخ السعودي بن باز في عصرنا الحديث ويؤكد أن الأرض مسطحة ولا تدور، مستعيناً بآيات من القرآن. ولا تهاجم علياء الأديان في حد ذاتها، حيث تعلن احترامها لكل من يختار الانتماء لدين ما، لكنها تعلن وبقوة موقفها المضاد من رجال الدين التابعين لأي دين، حيث أن مدونتها لا تخلوا من الهجوم على البابا شنودة أيضاً. تعترض أيضاً علياء من خلال تدوينة بعنوان " مذكرات مسلم صغير" على تحديد هوية الطفل الدينية في شهادة ميلاده وفقاً لديانة والده رغم أنه لم يختر شيئاً بنفسه.

تمر علياء في مدونتها على موضوعات عدة، لكنها وبلا شك ذكية في التقاط المشهد الذي ستعبر من خلاله إلى موضوعها، تماما مثلما سخرت من حكومة مصر والمصريين، الذين واجهوا إنفلونزا الخنازير بمذبحة كبرى لاحقت كافة حيوانات الخنازير، رغم تأكيد منظمة الصحة العالمية أن الفيروس لا ينتقل من الحيوان إلى الإنسان وان الإجراء الذي اتخذته مصر، سيضر بالتوازن البيئي لديها. ترصد علياء بمهارة شديدة تعليقات القراء على خبر ذبح الخنازير في مصر، وكيف أنهم تعاملوا مع الأمر باعتباره انتصاراً لدين الله على أرضه، حيث أثبت العلم أن تحريم الله لأكل الخنزير قائم على أسباب علمية صحية بحتة، وتتساءل علياء، إن كانت الخنازير من مخلوقات الله أم لا؟ وأنه حتى لو كان قد حرم أكلها، فبالتأكيد لا يطالبنا بإبادتها بهذه الطريقة الوحشية، حيث أن لها نفعاً ما في الحياة، حتى ولو كان أكل مخلفاتنا.

وكما اعتدنا على صفحات الفيس بوك، منذ بداية انتشاره، تخوض علياء حربها كملحدة ضد الجماعات الدينية بكافة أشكالها سواء في مصر أو باقي البلاد العربية، وتقوم بفضح "مخططاتهم الدنيئة لهدم مصر" وفقاً لاعتقادها، على صفحات مدونتها، كما تلقبهم بالعرعر والعراعير وأنهم من بلد عرعرستان !!!!!

من خلال مدونة علياء، لا يمكنني أن أقدمها إليكم كمادة دسمة للنميمة أو للشجب والاستنكار وربما السباب واستخدام أوصاف مثل " الانحلال الأخلاقي، وضياع قيم المجتمع"، أو الذهاب مثل بعضهم إلى القول " آدي اللي أخدناه من الثورة وشباب الثورة"، أو مثل الدكتور سيد القمني الذي وصفها بأنها مختلة نفسياً، رغم انها تدافع عنه في مدونتها بشدة وتناصر آرائه. بل وبكل بساطة سأقدمها لكم بوصفها جرساً مدوياً للإنذار، حتى نلتفت إلى ممارساتنا اليومية تجاه المرأة، تجاه بناتنا، تجاه زميلات العمل والجارات وحتى السائرات دون اسم معلوم لنا جوارنا في الشارع، أو الجالسات بجانبنا في المترو أو الميكروباص أو الأتوبيس...فقط انظرن إليهن بوصفهن بشر ينتمين إلى نفس الطينة التي خلقكم الله منها ....هم بشر وليست لحوماً معبأة في الملابس ....هي امرأة وليست مجرد جسد.



http://www.c-we.org
مركز مساواة المرأة