تحرر المرأة- في سوريا حزب العمل الشيوعي نموذجا

كامل عباس

2005 / 2 / 25

كان حزب العمل الشيوعي في الفترة ما بين عام 1976 – 1992 على يسار الحركة الشيوعية الرسمية, يريد تعميق الخط الاشتراكي في سوريا والعالم وليس الانفتاح على الرأسمالية بوصفها منظومة لم تستنفذ ما في أحشائها من تطور, و هذا يعني انه كان جزء من صوت الضمير في سوريا والعالم تلك الفترة ولم يكن يمثل صوت العقل. ضمن هذه الرؤيا نريد أن نتناول تجربته المتميزة في الساحة السورية مع المرأة نظرية وممارسة.
ولد حزب العمل الشيوعي من رحم الحلقات الماركسية التي وضعت نصب عينيها مهمة مركزية وهي إنتاج نظرية تشخص الواقع العربي على أرضية ماركسية, كان نبراس الحلقات آنذاك قول انجلز – النضال يتم على ثلاثة مستويات, نظري اقتصادي وسياسي.- ومن بعده لينين – لا حركة ثورية بدون نظرية ثورية - وكان موضوع تحرر المرأة مطروح على بساط البحث بقوة مثل موضوعة أنماط الإنتاج وهل ساد الشرق نمط إنتاج آسيوي أم خراجي أم عبودي شرقي, وموضوعة الأمة العربية هل هي قيد التكوين أم أمة ناجزة. وعندما ولدت رابطة العمل من رحم الحلقات الماركسية وقدمت إجابات نظرية أولية في كراساتها وما عرف بخطها الاستراتيجي تم استثناء موضوع تحرر المرأة لأنه لم يكن ملحاحا كالمسألة الأممية والقومية والمحلية والتنظيمية على أمل إن يصدر كراسا معمقا بهذا الخصوص يعطي إجابات أولية ويحسم الجدل الدائر حول تحرر المرأة من كل الجوانب مثل:
- موضوع الجنس والحب. وما يتفرع عنه حول الغريزة الجنسية وطرق إشباعها وهل تتم عن طريق وحدانية العلاقة بين الذكر والأنثى أم لا.
- موضوع الأسرة البطريركية الشرقية وخصوصيتها ودور الأب فيها الذي يجعل المرأة في الشرق تعاني من اضطهاد مركب.
- موضوع الممارسة الاجتماعية لعضو الحزب في هذا المجال هل يترك لقناعته أم يجب أن يوضع ضوابط له يلتزم بها العضو من اجل خدمة الحزب.
ولكن حملات القمع المتكررة على المنظمة شغلتها بما هو أهم ولم تستطع الوفاء بتعهداتها.
أما على مستوى الممارسة فقد أولى الحزب أهمية كبرى للمرأة على الصعيد الاجتماعي والسياسي كونها نصف المجتمع, ولقد نجح الحزب إلى حد كبير في دفع المرأة السورية للمساهمة في نشاطه, ساعده على ذلك تاريخ سوريا الحضاري والثقافي وعاداته الاجتماعية المنفتحة قياسا ببلد عربي آخر كالسعودية حيث العمل من أجل المرأة هناك ضرب من المستحيل في ذلك الزمن, وأصبحت الكثيرات من مهندسات وعاملات وطالبات وطبيبات وفلاحات أعضاء لهن كامل الحقوق فيه, مع أن سمة الذكورية بقيت الطاغية على هيئاته القيادية. لم تصل أحدهن إلى لجنته المركزية ولم يحضر مؤتمره الأخير سوى اثنتين من بين خمس وخمسون مندوبا. ورغم ذلك يمكن القول بحق أنها أول مرة في تاريخ سوريا يتم فيها زج هذا العدد من النساء في العمل السياسي المباشر واليومي ولأول مرة يخضن تجربتين متميزتين:
الأولى: تجربة الاحتراف السياسي، فقد أصبحت الكثيرات من عضوات الحزب مطاردات أو محترفات ثوريات رغما عنهن. طالبات وأمهات أيضا. كان الحزب يرغب في ذلك ليقطع الطريق على معرفة رجال الأمن بهيكل التنظيم ومن ثم تصفيته, وكانت الرفيقات يفضلن تلك الحياة التي هي أفضل من السجن عل وعسى يتغير الظرف السياسي ويأتي الفرج. وكانت تجربة الاحتراف وحياة التنكر أسهل على الرفيقة من الرفيق لأن الوسط الاجتماعي يحميها أكثر من رجال الأمن وأصعب على الرفيقة وأهلها وتساؤلات الجيران من الرفاق من جهة أخرى. ولقد قدمن خدمات جلى للتنظيم وهن محترفات مثل نقل مطبوعات المنظمة ورسائلها وبياناتها كما جرى في توزيع مذكرة حول المعتقلين السياسيين في سوريا داخل اجتماع منظمات عربية في فندق الميرديان. وكما جرى قي توزيع الكثير من المناشير داخل المعامل والجامعات.
والثانية: تجربة السجن، فمنذ الحملة الثانية على المنظمة تم اعتقال كل عضو ملتزم بأحد هيئات التنظيم سواء كان ذكرا أم أنثى واعتقلت مجموعة منهن من كانت حاملا ومنهن من كانت مرضعا فصلت عن وليدها ووضعن إلى جانب الرفاق في سجن الحلبوني ولم يخرجن إلا معهن في شباط 1980. أما في الثمانينات فقد بلغ عدد المعتقلات أكثر من مائة ولم يوفر الأمن حتى قارئات الراية الحمراء وتم تعذيبهن وتعرية البعض منهن أمام أهلهن للضغط والابتزاز. مع ذلك صمدت كل رفيقات الحزب تقريبا وعشن تجربة متميزة داخل السجن تطرقت إليها بشيء من التفصيل الكاتبة حسيبة عبد الرحمن. وكانت أول مرة في تاريخ سوريا يعرف قاووش في السجن بأنه قاووش سياسي نسائي. وعشن تجربة السجن لأعوام طويلة بتفاصيلها الصغيرة وتأثيرها المختلف على كل منهن حسب بنيتها العصبية والنفسية والفيزيولوجية والثقافية. وقمن بأكثر من إضراب لتحسين شروطهن داخل المعتقل التي لم تكن سهلة, وأصدرن جريدة حائط داخل السجن.
لم يقتصر النشاط النسائي السياسي في الحزب على الرفيقات بل تعداه إلى زوجات الرفاق وأخواتهم وبناتهم والى كل مناصرة وصديقة ومتعاطفة وقد قمن بأكثر من نشاط سياسي فيه الكثير من الجرأة وتحمل المسؤولية مثل اعتصامهن أمام القصر الجمهوري أواخر الثمانينات وإصرارهن على عدم المغادرة حتى يتم فتح الزيارات لأعضاء الحزب.
يمكن القول بحق أن تجربة الحزب كانت سابقة زمانها ومكانها وقد سادت فيها أخطاء ليست قليلة ككل تجربة على الأرض ساهم فيها ممارسة بعض أعضاء وعضوات الحزب. مبنية على النزق والطيش والتصرف اليساري المتطرف غير المحسوبة نتائجه سياسيا ما سمح لأجهزة الأمن بتضخيم الموضوع ومحاربة الحزب من خلال الإشاعة عنه بأنه حزب إباحي لا يحلل ولا يحرم ونشرتها على نطاق واسع بين الأهالي من اجل قطع الطريق على صوت حر وجريء وغير مدجن في الساحة السورية.
لم يكن ذلك مستغربا من رجال الأمن ولكن ما يدعو إلى الدهشة مساهمة بعض القوى السياسية في الساحة السورية في نشر الإشاعة ولحد علمنا حتى هذه اللحظة لم تكلف قوة سياسية نفسها في تقديم أية دراسة معمقة وموثقة تتناول تجربة الحزب مع المرأة سواء في الاحتراف أو في السجون أو في الممارسة وتنقدها نقدا بناء.
أخيرا: كان عنوان هذا المقال مشروع لكتاب يتناول الموضوع بالتفصيل, ولكن الإحباط أصابني بعد بالون اختبار جربته في كتابي السابق والذي صدر العام الحالي بعنوان - الناصرية نهضة أم سقوط؟ - كان في الكتاب فصل بعنوان نجيب محفوظ وعبد الناصر, تناولت فيه أحدى روايات نجيب محفوظ وشهادته عن معاناة الشيوعيين من حكم عبد الناصر وقد جاء في الحاشية رقم 56 ما يلي:
– من يقرأ رواية نجيب محفوظ في سوريا هذه الأيام وله صلة أو دراية أو اضطلاع على تجربة الشيوعيين السوريين سواء وهم مطاردون أم خلف القضبان سيظن أن نجيب محفوظ يصور بعض أوجه معاناتهم مع أن تلك الرواية كتبت قبل تلك المعاناة بعشرين عاما على الأقل وهنا تتجلى عبقرية نجيب محفوظ
- جرى للعديد منهم ما جرى مع درية وزوجها وحبيبها السابق
- البعض منهم طلق زوجته بناء على رغبتها ونشر ذلك في الجريدة الرسمية
- البعض منهم تمكن من تفادي الاعتقال بفضل وساطة أحد أقربائه الضباط وظل مخلصا لأفكاره ومبادئه السياسية مع أن تنظيمه نظر إليه نظرة جاسوس ؟؟!!!!!
حذفت الرقابة الكثير من فقرات الكتاب ولكن حذف هذه الفقرة آلمني فهي تقطع الطريق على مشروعي كليا, هم يعرفون أن المقصود هو تجربة حزب العمل وخطتهم السياسية تقتضي حذف هذه التجربة ودروسها من التاريخ السوري. قاتلهم الله إلى متى سيظل سيف الرقابة مسلطا علينا إضافة إلى نفاقهم - لا رقابة على الفكر سوى رقابة الضمير - وعندما أرسل لي الحوار المتمدن يحضني على المشاركة في الملف حول تحرر المرأة في الثامن من آذار نهضت الفكرة في داخلي, فمن جهة الصحافة الاكترونية لا يطالها حتى الآن مبضع الرقابة. ومن جهة ثانية هذه المجلة الاكترونية لها حظوة خاصة عندي واحترم تجربتها ومنسقها الخاص وجهود كل إدارة تحريرها من اجل نهضة يسار عربي على أرضية احترام الرأي والرأي الآخر فكانت هذه السطور عل الملاحظات عليها تدفعني للعودة إلى مشروعي



http://www.c-we.org
مركز مساواة المرأة