نساء

سميرة المانع

2013 / 9 / 14

نساء
منهن القاضيات الفلاحات، عارضات الازياء، عاملات المناجم، الممثلات، المراسلات الحربيات، الطبيبات، بنات الهوى، الضابطات بالجيش، المدرسات، المخرجات السينمائيات، الخادمات، سيدات الاعمال، الراقصات، ربات البيوت، الرسامات، الاديبات، رائدات الفضاء، أفراد العصابة، بطلات الرياضة ، سناتورات في الكونغرس. هؤلاء وغيرهن في 160 صورة فوتغرافية التقطتها عدسة كاميرا الفنانة آن ليبوفتز وAnn Leibovitz ونشرتها في كتاب تحت عنوان (نساء) لا يجمع هؤلاء النسوة سوى أنهن من جنس واحد يعشن في الولايات المتحدة الاميركية في القرن العشرين.
تُعامل كل لقطة فوتغرافية لهؤلاء النسوة المختلفات الاوضاع، العابسات، الضاحكات، التقليديات او العكس بمفردها. يتأملها المرء على حدة ، والمجموع كله يقول : أجل نحن هكذا اليوم، لم نعد نموذجا وشكلا واحدا.
اشتهرت الفوتغرافية آن ليبوفتز (- 1949) منذ السبعينات الماضية بحذق عدسة كاميرتها، ذكاء لقطاتها في المواضيع المجهولة أو المهملة غير اللافتة للانظار. حازت على جوائز عديدة لمعارضها المتنوعة المثيرة، وباصدار كتابها ( نساء) اليوم تضيف معاني أخرى إلى عالمنا الحديث فيها الكثير من المعلومات ، المتعة، والرؤية الانسانية التي كثيرا ما تحاشاها البعض غاضا الطرف عنها راغبا في تجاهلها لعدم الاكتراث أو الاعتيادية. يعود القاريء ، بعد الاطلاع على صور اللقطات المنوعة المدهشة في هذا الكتاب إلى مقدمته ، والتي تجذبه اليها امرأة اخرى بالكلمات والتي لا تقل كفاءة وموهبة ومهارة في حرفتها وهي الناقدة الاميركية المتميزة سوزان سونتاك لتشرح في مقدمتها لهذا الكتاب مغزى تنوع هذه الصور في عالم المرة الحديثة. لم تترك شاردة أو واردة، كعادتها، تخص الموضوع إلا وقلبته على الاوجه العديدة كما هو ديدنها بمقالاتها النقدية المبتكرة اللوذعية في الآداب والفنون والمواضيع المختلفة، معلقة بالحرف الواحد هنا : ( إن الاضطلاع بنشر كتاب كهذا، يصور أناسا لا يجمعهم جامع سوى انهم نساء، عمل حسن بل على الاغلب جيد، خصوصا أنهن مكتسيات الثياب الكاملة، ولذا لن يكون مضمونه من النوع الآخر أي كتب الصور الفوتغرافية للنساء )
لا شك أن الموضوع يثير الفضول على الرغم من أن الكتاب لا يدعي أنه يمثل النساء قاطبة، إلا أن هذه النماذج وحدها تدعو لردود تعاطف مع النساء عموما، ردود عواطف مع النساء كأقلية، وعلى حد قول سوزان سونتاك ، ايضا : ( إن النساء أقلية بكل التقديرات، ما عدا في نفوسهن) . يتعرض الكتاب ، في نفس الوقت، لصور اولئك النسوة اللواتي صرن مفخرة لبنات جنسهن ، لكن المقدمة تنبه القاريء إلى ان كتابا كهذا يزيد في تخطئتنا إذا لم يتطرق للمعلومات السيئة، مثل سلطة القولبة المستمرة للحط من قدر المراة، مقدار ما تلاقيه من عنف يقع عليها، مضيفة : ( أن العنف البيتي هو المسبب الاول للاصابات والجروح عند المرأة الاميركية).
النسوة المختارات في هذا الكتاب، سواء أكن معروفات ام مجهولات، سيصبحن في نظر النسوة الاخريات كنماذج: نماذج للضحية، نماذج لخداع النفس، نماذج للشيخوخة الناجحة. لا يمكن أن يكون هناك استنطاق بهذا المعنى مخصص لصور الرجال، فالمرء لن يستغرب من رجال صاروا سماسرة بورصة مالية، أو فلاحين، أو رواد فضاء ، فهم ، كما هو واضح يحملون أكثر من هوية رجال فقط ، ولن تكون هذه الصفة هي هويتهم الاولى والاخيرة. التقاليد المعروفة تصاغ على اعتبار أنهم المبدعون، المسيطرون على مصائرهم ، الموجهون للقيم، بينما المرأة في العرف الذي لا يمس هي الباعثة لمشاعر الذكر وتصوراته ( شهوة، حنان، خوف، تنازل ، هزء ، اعتماد ) وكما يمثل الرجل الجنس البشري كله تمثل المراة جنس النساء فحسب. التقليد لا زال قائما عميق الجذور باللغة، ترتيب المجتمعات وعادات العائلة. لا يوجد في أية لغة بالعالم الضمير ( هي) يعني الجنسين معا، بينما ( هو) يعني الجنس البشري. وكثيرا ما يوزن الجنسين بمقاييس مختلفة، ولذا: أنا أفعل هذا، أريده، لانني امرأة ، أو على الرغم من كوني امراة، تجعل حالتهن كاقلية مثقفة مرتبطة بعقدة الشعور بالنقص الالزامية، فلقد تساءل فرويد مرة سؤالا يظن أنه مشهور ، قائلا : " يا الهي ماذا تريد النساء !؟"
لكن لا أحد يجرؤ أن يتساءل : " يا الهي ماذا يريد الرجال !؟ " بل لا يبدو هذا السؤال ممكناً، على الرغم من المآسي والاهوال بالعالم والتي نتجت بسبب منطقهم وتدبيرهم. على اية حال، هناك أمور بدأت تتغير في بعض انحاء العالم على الرغم من كل شيء، فلقد الغيت القيود والمعوقات القديمة الخاصة بمنع النساء من حق الاقتراع في الانتخابات، الطلاق، الملكية، ويستغرب المرء ان هذه الامور لم تحدث إلا مؤخرا، فمثلا ، كان على النساء الانتظار في كل من فرنسا وايطاليا حتى سنة 1945 – 46 على التوالي ليحصلن على حقوقهن في الانتخابات. ومع هذا إن انطلاقة النساء، عموما، بدأت من أجل تحقيق طموحاتهن المكبوتة في صدورهن، تلك الطموحات التي ُدرب النساء على خنقها بانفسهن.
من الصعب أن يتحدث المرء عن كتاب متخصص بصور النساء وينسى إلى إي مدى كانت جاذبيتهن وجمالهن موجودين، فتعريف الانثى في الوصف العادي أن تكون قادرة على الجذب، ومن الممكن أن تتنكر أو تتحاشى المرأة في
حياتها هذه الصفة، لكن من الصعب أن تكون جاهلة بها.
تُحَث المرأة وتُشجع على كل ما يظهر فتنتها، لكن من الضعف للرجل أن يهتم بمنظره كثيرا. لذا يحكم على النساء من المنظر فقط ولا ينطبق هذا على الرجال. لذا تعاقب المرأة أكثر من الرجل في حالة التغييرات الفيزيولوجية اللامفر منها والتي تحصل بتقدم العمر والشيخوخة.
حققت الكامير، على ما يبدو، في هذا الكتاب ما يُراد لها، فمنهج الفوتغراف عموما هو ان يُظهر تنوع العالم واختلافاته ، يرينا ما غفلنا عنه أو فاتنا من أجل التشويق، لا تشترط الكاميرا في اداء عملها أن تبين المثل الاعلى فقط. إنها تقبل العالم باسره، بخيره وشره. لا تلتزم بحكم مسبق، فشعار الكاميرا "ليس هناك سوء بحد ذاته". لا تعبأ بالقلق الذي يساور المشاهد عندما يرى امرأة خارجة عن الذوق العام، يهم الكاميرا أن لا يتحاشها. يشعر بالارتياح عند النظر للصور الساخرة، يقبل بالصورة القبيحة أو الجريئة، يرى الجمال والتزيين لم يعد مقتصرا على النساء في المجتمعات الاستهلاكية. صارت هذه القيم من اهتمام الرجل ايضا، ولكن هذا لا يمنع من احتلال المتطوس المتزين موقع المبادرة، وسبق أن كان التجميل عند المحارب القديم نشوة وتعبيرا عن القوة والانتصار . موضوع مظهر الرجل، بكل الاوضاع، ليس مهما ( الرجل يُرى بينما المرأة يُنظر اليها) .
تقول سوزان سونتاك إن التحديث اليوم يُقاس بمدى ما أعطي للمرأة من حقوق من أجل مشاركة الرجل بصورة متكافئة. لذا عندما فشلت محاولات التحديث في بعض المجتمعات لسبب من الاسباب نجد نساء بصورة متزايدة متخفيات مغطاة، بل في بعض البلدان، حيث يُهيأ ويعبأ الرجال ضد النساء بالخفاء، لا تظهر النساء في الشوارع إلا لماما بسبب الخشية. تقارن سوزان سونتاك ما جرى في بريطانيا سنة 1866 والآن، عندما كانت مهنة جوليا كاميرون فوتغرافية في ذلك الحين، فلقد أخذت صورا للرجال القادة والعلماء والشعراء والمفكرين في الحقبة الفكتورية، بيمنا التقطت صورا للنساء على اعتبار إنهن زوجة فلان أو ابنته أو ابنة أخيه. أخذت اللقطات كما تظهر النساء في الاساطير أو على صفحات كتب الآداب مثل أوفيليا في مسرحية هاملت لشكسبير ( مثيرة للشفقة معرضة للسقوط) أو( رقيقة كالعذراء مع طفلها) لكنها أخذت لقطة واحدة فقط لامرأة معبرة عن ذاتها ونفسها فحسب ، وهي صورة ابنة اختها المسماة جوليا جاكسون بجمالها الاستثنائي وشخصيتها الفذة ( لقد تبين ، بعدئذ، أن هذه المرأة صارت والدة الكاتبة المعروفة فيرجينيا وولف).
ظل جمال المرأة ولفترة طويلة كافيا لها. بل كان الذكاء والتفوق الذهني يُعيقان مسيرتها، وحتى يؤثرا على مظهرها الانثوي، لذا كثيرا ما لاحقت المرأة مهاراتها وطموحاتها الذاتية بطريقة انثوية ( مترددة ، غير مواجهة) لكي تُقبل بالمجتمع ككل. نرى، اليوم، تصميما مختلفا تسعى النساء اليه لتغيير حظوظهن، بدلا من أن تصطدم بالمفهوم القديم حيث كانت الانثى متهمة دائما بنقص العقل وقادرة فقط على تقديم خدمات للآخرين فقط. كما لم يعد مقبولا، في الوقت الحاضر، أن يُسأل زوج المرأة الناجحة المشهورة : "هل تشعر بتفوق زوجتك أنك مهدد؟"
كتاب ( نساء) مشوق، موحي، مبتكر، لا يستجدي العواطف المائعة كونه صريحا يصور لنا الحشمة ليست كما صُورت في الماضي، بالاكثار من الاخفاء والتعتيم، بل الحشمة في البراءة والوضوح والشجاعة.
http://www.samiraalmana.com اعداد: سميرة المانع



http://www.c-we.org
مركز مساواة المرأة