مذكرات بارميطة رقم36

لوتس رحيل

2014 / 7 / 21

ولا افهم سر ادمانها..لا افهم سر ياسها وحزنها ومواظبتها على زيارة المقام المدنس...فهي طبيبة ناجحة وشابة في مقتبل العمر..وتبدو عليها آثار العز والثراء..ولكنها وحيدة..ومهمومة..ونظراتها شاردة كما تفضل السكوت ومشاهدة برامج الصالة...واحيانا تقوم للرقص ادا لعبت الخمر براسها...وسائقها الخاص يرافقها..يجلس بعيدا عنها..ينتظر اشارتها..واحيانا يهرع لمساعدتها على النهوض اذا اثقلت في الشرب...فكلما شربت كثيرا الا وانخرطت في البكاء..تصاب بنوبات بكاء خفيفة واحيانا يتفاقم الوضع ويضطر السائق لاخراجها ليعيدها الى البيت..وانا حائرة في امرها...فهي تدخل وتلقي التحية باحترام..وربما مكثت قليلا برفقتي نتجادب بعضا من اطراف الحديث فهي طبيبة واحمد معتاد بين الفينة والاخرى ان يمازحها وهو يسال عن مستجدات عالم الطب او فدوى تطلب نصيحة او اسم دواء مفاصل فامها تشكو دوما..ماجدة هي الاخرى تطرح اسئلة ولو غبية..والطبيبة في حالتها النفسية والعقلية ..حالة طبيعية..لتنقلب الاية بعد شربها لنصف زجاجة الويسكي..ويتفاقم الامر عند شربها للزجاجة كاملة...ولها عيادة خاصة وزبائن محترمون جدا..وسمعتها جيدة ايضا كما انها غير متزوجة...وعقدتها كما يقول احمد في درسه الاحمدي الجديد تكمن في احساسها بالدنب..اجل انها تشعر بالدنب..
وكيف دلك يا احمد؟؟؟؟؟؟
ويشرح احمد الامر في حزن وهو متاثر لحالتها المتقلبة:
يسرا هاته من اسرة غنية جدا وكانت طفلة مدللة وجميلة ومحبوبة فهي الابنة الصغرى ولها اخ واخت اكبر منها وقد حرص ابوها على العناية بها وتدليلها وقد تابعت دراستها بالخارج لتعود محملة بشهادة الدكتوراه ويفتتح لها والدها عيادة خاصة..
وقاطعته ماجدة في لهفة:
وما المشكلة ادن يا احمد؟فهي من اسرة غنية السنا نحن الفقراء من لديهم مشاكل؟هل الاغنياء ايضا يعانون مثلنا؟؟؟؟
وضحكت فدوى بسخريتها وهي تمعن النظر في ماجدة متسائلة:
اعتقدت ان زهرة ثقيلة الفهم وسادجة ولكنك يا ماجدة تبدين اكثر غباء..
وقاطعتها ماجدة غاضبة:
لم هذا الاحتقار يا فدوى؟ربما انا قليلة الفهم ومستواي الدراسي لا يتعدى السادسة اولي ولكني احاول ان افهم ما يجري هدا كل ما في الامر...فقد اعتقدت مند طفولتي ان الاغنياء سعداء وان المال هو الحياة هو السعادة...
واعتذرت فدوى فهي لا تقصد الاهانة ..واردف احمد:
وهي نشيطة وحيوية ومعتادة على حياة الترف كما انها مجدة في عملها كطبيبة ناجحة دات طموح..ولم تكن تفكر في الحب والزواج والانجاب فقد حرصت على اكمال دراستها بتفوق وتحقيق حلمها...حتى حدث ما لم يكن في الحسبان...
وقاطعته ماجدة ثانية وهي متشوقة لسماع باقي الحكاية:
مادا حدث يا احمد ؟مادا حدث؟؟؟؟؟
وابتسم احمد وهو ينظر اليها مكملا:
كانت سببا في موت طفل برئ على متن دراجته وهو عائد من المدرسة..وهي تسوق بسرعة صاروخية لترديه جثة هامدة مقسمة الى شطرين...
وصرخت ماجدة وفدوى في وقت واحد:
يالطيف...
وانا اتابع الحكاية في صمت اتخيل منظر الجثة التي انقسمت الى شطرين في رعب... وانظر الى حيث تجلس يسرا بين الحين والاخر ارقبها وهي تحتسي كؤوسها الواحد تلو الاخر وحيدة كالعادة في طاولتها..تتابع برامج واغاني الصالة..تهتف وتصفق تارة وتارة اخرى تقوم للرقص وتعود الى الطاولة من جديد...انها تدخن كثيرا..يبدو عليها العياء..رغم انها تبذل مجهودا كبيرا في اخفاء دبولها وحزنها بمساحيق واصباغ...واشعر برقة واشفاق نحوها....
كانت الصدمة قوية جدا...وهي تنظر الى جثة طفل في العاشرة ودماء..ولا احد في الطريق..لم يحضر احد ولم ير احد الحادثة ولا شهود عيان..فالطريق خالية والوقت ظهيرة.. وهي متعودة على سلكها للعودة الى البيت..فعائلتها تسكن خارج المدينة في ضيعة كبيرة...والطفل يدرس في مدرسة بعيدة عن بيته فهو ابن حارس احد الضيعات المجاورة...ولم تجد بدا من الهروب وهي في حالة من الفزع.....وسجلت الحادثة ضد مجهول....ومنذ دلك الحين وضميرها يعدبها..وصورة الطفل المقتول تترائء لها...والدماء..وجثة مقسمة الى شطرين...ولا تنام..تصرخ ليلا ونهارا فقد اصيبت بانهيار...وقررت الاعتراف..لكن والدها منعها من دلك...وحاولت مساعدة عائلة الضحية بطرق غير مباشرة...ورغم دلك تتعدب كليا..ومسكنات ومهدئات وجلسات طب نفسي...وتحسنت حالتها قليلا..لكنها لم تجد مخرجا من ذكريات الحادثة الا في المستنقع..اصبحت مدمنة مستنقع ...ولا تجرؤ على سياقة سيارة..ولا تطيق رؤية دماء..ولا تتحمل رؤية اطفال ..لحظات صعبة ومرحلة صعبة لم تتمكن من تجاوزها الا بمعجزة...ولا تهدأ حتى تسكر وتنتابها نوبات بكاء وتشعر بتانيب ضميرها..فهي لا تنام ليلا...لا يغمض لها جفن..وتحاول ان تقضي وقتها هنا وتشرب حتى تخار قواها وتعود مخمورة الى البيت حتى تستطيع ان تغمض عينيها مثقلة..لكن طيلة النهار تبدو طبيعية ونشيطة وتقوم بواجبها المهني على اكمل وجه كما تتطوع للقيام بفحوصات مجانية وتحب الخير والاحسان...ومن يلتقيها نهارا لايصدق انها من رواد المستنقع...فشتان بين يسرا الطبيبة الهادئة والنشيطة والمجتهدة في عملها...وبين يسرا المستنقع اليائسة والمحطمة والتي تحتسي الكؤوس تلو الكؤوس وتدخن السيجارة تلو السيجارة والتي تبكي بين لحظة واخرى............
واستغربت ماجدة حكاية يسرا:
طبيبة ناجحة؟وحادثة سير مميتة؟؟؟؟؟وعداب ضمير؟؟؟؟؟؟
وهي تحمد الله انها لاتعرف السياقة ولا تملك سيارة..بل لا تحلم بسيارة...
وفدوى تضحك ثانية:
الاقدار تسخر منا...فقد كانت لدي سيارة وكان الحاج يحرص على تغييرها معبرا عن حبه لي..سيارات متنوعة وموديلات جديدة..ورحلات ..وايام سعيدة..ولم اتعرض ابدا لاي حادث..بالسيارة..ولكنه قتلني..ذلك الوغد الحقير..خانني وغدرني...دنيا متقلبة يا دنيا..ولكل مشاكله وهمومه...وارجو ان تكوني بخير يا ماجدة وان تحترسي..احذري الذئاب فانت داخل الغابة..ووحوش مفترسة تحيط بك تتربص بك...ولا يغرنك المال ولا الجاه ولا الجمال ماجدة...ربما لااستلطفك في بادئ الامر ولكني الان اشفق عليك وارأف لحالك عزيزتي...فلا تطمعي وكوني دكية...
وعانقتها ماجدة وهي تشكرها على النصيحة....
وانا اتساءل في حيرة:
الا يوجد شخص سعيد على وجه البسيطة؟؟؟؟
وضحك الجميع من سؤالي...لتسخر فدوى ثانية:
اعتقدت انك تجاوزت مرحلة الغباء يا زهرة..لكن يبدو لي انك تصرين على البقاء في عالمك المثالي وترفضين الخروج منه.......



http://www.c-we.org
مركز مساواة المرأة