الشعور بالدونية عند المرأة

صاحب الربيعي
sahib.al-rabi@spray.se

2005 / 12 / 22

يختلف سلوك وتصرفات الأفراد في المجتمع تبعاً للوسط الاجتماعي الذي ينشأ فيه، فإن كان وسطاً متخلفاً انعكست توجهاته عليهم ويتشذب السلوك والتصرف حال انتقال الفرد لوسط أخر أكثر ثقافة ورقي لكنه لايزول تماماً من لاوعيه. وهذا لايبطل مفعول عامل المورث من الأعراف والقيم الاجتماعية والدونية الذي يفرض توجهاته على كافة فئات المجتمع لكنه يختلف بمستويات تأثيراته على اختلاف الأوساط الاجتماعية، فالوسط الاجتماعي المتخلف ينال حصة الأسد من المورث الذي يعكس توجهاته على كافة أفراد الوسط، والوسط الاجتماعي الأكثر ثقافة يتأثر بالمورث وتوجهاته أيضاً لكن تأثيره يكون أضعفاً من الوسط المتخلف نتيجة ارتفاع مستوى الوعي الثقافي لأفراده وبالتالي رفضهم الانصياع لتوجهات المورث من القيم والأعراف الاجتماعية والدينية!.
وإذا صح هذا الفرض بتوجهاته العامة على كافة فئات المجتمع، فإنه يعاني من الاختلال في بعض تفاصيله الجزئية عند بحث مستوى التأثير على الجنسين، فالمرأة تخضع بصورة أكبر لتوجهات المورث الذي يحط من قدرها وشأنها الاجتماعي، حيث يفرض عليها شعوراً بالدونية في كافة الأوساط الاجتماعية وإن اختلفت نسب الحط والدونية باختلاف الأوساط الاجتماعية لكنها لاتخرج عن مدلولاتها وتبعاتها غير الإنسانية. وأصبحت المرأة تتكيف بهذا القدر أو ذاك مع توجهات المورث وكأنه جزءً من قدرها الأبدي الذي لاسبيل لتغييره.
تقول ((الهام منصور))"أدركت أن شعوري بالدونية هذا له خلفياته في التاريخ، لم يأتني بطريقة الصدفة ولايشكل حالة فردية بل هو نتاج من تراكم أنماط التربية التي شكلت فضاء من القناعات غير المُفصح عنها وهي التي تتحكم بكل سلوكياتنا وتقاليدنا".
إن شعور المرأة بالدونية تاريخياً في المجتمعات المتخلفة انعكس على سلوكها العام، وأصبحت تعاني من عدم الثقة بالنفس في إنجاز المهام الموكلة إليها، فهي دائمة الشك والريبة من احتمال فشلها وتجاهد في سبيل انتزاع الاعتراف من الرجال بنجاح عملها حتى لو كانوا أقل مهنية وثقافية منها.
وتلجأ بشكل دائم لطلب المساعدة من الرجال في أبسط تفاصيل العمل لتعزيز ثقتها بنفسها في اللاوعي لوجود (لمسة رجولية!) ومنتزعة الاعتراف مسبقاً في عملها المنجز، حتى تتهرب من تحمل مسؤولية الفشل الذي قد يسبب لها المزيد من الإحباط والشعور بالدونية أمام المجتمع!.
هذا الهاجس من الشعور بالدونية الذي يسيطر في اللاوعي على المرأة تسبب في تعطيل طاقاتها ومواهبها التي تفوق في كثير من الأحيان طاقات ومواهب الرجال أنفسهم وبالتالي لم تخسر ذاتها حسب، بل خسر المجتمع طاقات ومواهب كامنة تسهم في تقدمه وتطوره.
إن خروج المرأة من حالة السلبية وانعدام الثقة بالنفس والاتكال على الرجال في إنجاز الأعمال الموكلة لها، يسهم في التصدي لتوجهات المورث التاريخي الذي يحط من قدرها ويعزز مواقفها في انتزاع حقوقها من المجتمع ويحشد المزيد من المؤمنين بقضيتها وحقوقها من الرجال.
يعتقد ((زهير حطب))"أن استمرار واقع تبعية المرأة وتخلفها قروناً عديدة، قد أحال سلوكها إلى مجرد منمطات متحجرة محددة سلفاً ترسخها كتقاليد وتجذرها في الحياة الاجتماعية، فتغلغلت قيم الاتكال على الرجال في نفوس النساء وأصبحن يستسهلن دورهن التقليدي ويبالغن في الجهود المطلوبة منهن لرفضه ومواجهته".
إن المبادرات الفردية لبعض النساء للخروج من دائرة انعدام الثقة بالنفس ورفض توجهات المورث من القيم والأعراف الاجتماعية بالرغم من أهميتها لاتشكل بالمحصلة قوة ضاغطة على المجتمع لانتزاع الحقوق، فبدون عمل جماعي منظم يفرض وجوده على الواقع وينتزع تشريعات وقوانين تقر بتلك الحقوق، لايمكن تجاوز تبعات المورث الذي يأسر الواقع ويفرض توجهاته على كافة مناحي الحياة.
وبالرغم من أن انتزاع حقوق المرأة من المجتمع، يقع على عاتق المرأة ذاتها بالدرجة الأولى كونها المستفيدة المباشرة منه فإن المجتمع لايعفى من المسؤولية في حجب تلك الحقوق عن إحدى مكوناته الأساس...وبالمحصلة فإن الحقوق لايمكن تجزأتها إلى حقوق المرأة وحقوق الرجل لأن المساس بأي حق من حقوق مكونات المجتمع يعد مساساً بمفهوم الحق ذاته.
هذا المسار من النضال لانتزاع الحقوق من المجتمع الأسير للمورث من القيم والأعراف الاجتماعية، يتطلب تحشيد المزيد من القوى الفعالة لخوض الصراع من أجل تغيير الواقع الاجتماعي الذي يفرض توجهاته غير الإنسانية على المجتمع.
تقول ((سحر خليفة))"لقد سخرت في حياتي كثيراً من المفاهيم والقيم، لكني حين خضت للواقع ودخلت عالم الزوجة الواقعية، عرفت أني لن أختار واقعي خارج إطار هذا الواقع. وأن هذا الإطار يحددني، رضيت أم أبيت، وأني لن أجد لنفسي مكاناً للعيش في هذا الواقع ما لم أتمشى مع أساسيات الحياة والخطوط العريضة فيه".
إن تعزيز ثقة المرأة بنفسها أكثر في مواجهة الواقع المورث، يمنحها الفسحة اللازمة للخروج من حالة الشعور بالدونية الذي يأسرها في لاوعيها. وهذا الأمر يفرض على المجتمع تهيئة الظروف اللازمة لمساعدة المرأة على تأكيد ذاتها للاستفادة من طاقاتها الكامنة في تقدم وتطور المجتمع.



http://www.c-we.org
مركز مساواة المرأة