آراء ذكورية في حقوق المرأة

صاحب الربيعي
sahib.al-rabi@spray.se

2005 / 12 / 31

إذا سلمنا هناك انتهاك في الحقوق لجميع مكونات المجتمع وخاصة النساء اللواتي يزرحن تحت طائلة من الانتهاك المضاعف بالحقوق، فالإرث التاريخي من الأعراف والتقاليد والقيم الدينية المشكلة لمنظومة قيم المجتمع تفرض نهجها المتعسف على المرأة أكثر من الرجل.
وبالمقابل فإن الرجل بما منحته قيم المجتمع من سطوة (بالرغم من أنه منتهك الحقوق أيضاً) يستخدمها إلى حد ما في انتهاك حقوق المرأة، ويتوجب عدم إسقاط الالتزامات غير القليلة التي يفرضها المجتمع على الرجل مقابل إعفاء المرأة منها. فإذا كانت الأمية والجهل...تقسر المجتمع على توجهات متعارضة مع الواقع المعاصر فإن تأثيرهما يكون أكبراً على المرأة من الرجل، لأن الفسحة الممنوحة اجتماعياً للرجل أكبر منها للمرأة في التعليم لطرد الجهل.
وإذا كانت الأمية تصادر مستقبل الأجيال فإنها تسهم في إضعاف مقومات التربية التي تتحمل مسؤوليتها في المجتمعات المتخلفة المرأة أكثر من الرجل، فالمربي الجاهل الذي يعد جيل جديد يترك توجهاته غير المنظورة على حياة الفرد فحتى لو نال الفرد من التحصيل التعليمي ما يخرجه من وسطه الاجتماعي الذي يعاني من الجهل والأمية والفقر فإنه يترك أثره عليه ويحكم تصرفاته في اللاوعي.
يقع على الأسرة المسؤولية المباشرة للتربية وتحديداً الأم (الجاهلة أو المتعلمة) ليعطي مؤشرات واضحة عن مستقبل الأجيال، وبغياب الدور التربوي للدولة يتضاعف حجم مسؤولية الأم قياساً بالأب في تربية الأبناء، فالأم المثقفة تعكس توجهاتها وسلوكها في التربية على الأبناء وينعكس ذلك بدوره على المجتمع. وبخلافه فإن المجتمع يتضرر من السلوكيات والتصرفات المنافية، والخارجة على حدوده المرسومة تاريخياً.
يعتقد ((قاسم أمين))"أن تصور الأسرة على أنها أساس للأمة، وبمثابة لبنة في بناءها، أصبح يعني أيضاً إعادة تصور العلاقات في نطاقها، فالنساء الجاهلات لم يكن فقط أمهات غير مناسبات كذلك غير صالحات بوصفهن زوجات، فالرجل المتعلم يحب النظام وبيتاً مرتباً..وحينما يجد الرجل زوجته في تلك الحالة الجاهلة لايلبث أن يحتقرها".
إن رفع مستوى تعليم الرجل والمرأة ينعكس إيجابا على أدائهما التربوي للأبناء، فنسبة الأمية في المجتمعات المتخلفة عند النساء تفوق الرجال، وهذه الإشكالية لاتتحمل مسؤوليتها المرأة وإنما يتحملها المجتمع الأسير لقيم المورث التاريخي الذي يجد في تعليم الرجل أكثر جدوى من المرأة للفوز بفسحة العمل مستقبلاً.
وإذا تم التسليم بأن مسؤولية إعداد الأجيال، مسؤولية مشتركة بين الرجل والمرأة في الأسرة نتيجة غياب دور الدولة التربوي، فيتوجب أن يكونا على قدر من التعليم لممارس مهامهما التربوية على وجه سليم يصب في خدمة المجتمع.
وتلعب النساء الدور الأكبر في التربية للأبناء في المجتمعات المتخلفة نتيجة تقاسم عمل ومهام الأسرة في المجتمع، فالرجل يعمل بصورة متواصلة للحصول على المال لتأمين متطلبات الأسرة. والمرأة تعمل طوال النهار والليل لتأمين شؤون البيت وتحمل على عاتقها مهام تربية الأبناء، فارتفاع نسبة البطالة وانخفاض الدخل يفرضان توجهات وشروط تقاسم العمل والمهام في داخل الأسرة. وبخلافه في الأسرة المتعلمة، يصبح تقاسم العمل والمهام مسؤولية مشتركة.
يرى ((أسعد داغر))"أن المرأة كاللغة العربية في حاجة شديدة إلى الترقية والإصلاح، فتبعية قصور كل منهما يقع على عاتقنا نحن الرجال وقبل أن نعمل على رفع الحجاب عن وجه المرأة الشرقية يتوجب أن نرفعه عن الحقيقة المهمة ونعترف بأننا مقصرون في ترقية فتاة الشرق. ونصرح لها على رؤوس الأشهاد أننا نفضل عملها وتهذيبها وأدبها وكمالها على زينتها وحلاها ومالها وجمالها".
إن مساهمة نخب المجتمع من الرجال في تفعيل المطالبة بحقوق المرأة أخذ أشكالاً متعددة تبعاً للفترة الزمنية وسُبل النضال المعتمدة...فهناك من كتب العشرات من الأبحاث حول انتهاك حقوق المرأة وهناك من أخذ على عاتقه كتابة المقالات والتقارير في الصحف والمجلات للمطالبة بالمساواة في الحقوق بين الرجال والنساء.
وهناك من طالب قبل هذا وذاك بأن تلقي المرأة بحجابها لتكسر الطوق المفروض عليها اجتماعياً، تلك الآراء وسُبل النضال وما كتب عن النساء في عقود خلت قد تبدو (غاية في التبسيط!) عند قراءتها أو تداولها في الوقت الراهن، لكن لو أخذت في سياقها التاريخي تعتبر آراء وسُبل نضالية غاية في الجرأة والأهمية في مواجهة المورث من القيم والأعراف الاجتماعية في حينه.
وساهمت تلك الآراء في فسح المجال في الوقت الراهن لطرح آراء أكثر جرأة لإسقاط أركان أخرى من المورث المتعارض مع الواقع المعاصر، وفتحت سُبل جديدة للنضال للمطالبة بالحقوق ليس للمرأة فقط وأنما لسائر فئات المجتمع. وتبقى الأبحاث والآراء والمقالات الذكورية المساندة لحقوق المرأة بالرغم من أهميتها في نشر الوعي، عديمة الفعالية دون مساهمة المرأة ذاتها بخطوات عملية لتأكيد وجودها في المجتمع.
يقول ((أمين الريحاني))"أن عشر نساء سافرات أفضل من ألف بحث يكتب حول إلغاء الحجاب".
إن وقوف نخب المجتمع من الرجال إلى جانب النساء لانتزاع حقوقهن من المجتمع يشكل عنصراً أساسياً للمساندة لها. ولايجوز أن يتخطى تلك العتبة حتى لايلغي دور النساء المفترض باعتبارهن المعنيات الأساس بالمشكلة، ولايجوز فرض الوصاية على النساء باعتبارهن قاصرات ليتولى الرجال المسؤولية عنهن بغية عدم خروج القضية من براثن المجتمع لتسقط في براثن الرجال!.
تقول ((مي زيادة))"نحرتموني نصائح وقتلتموني إرشادات، أحبابي! رأيكم لا أقبله لأنه يدلل على قصر في النظر واعوجاج في الحكم".
إن انتزاع المرأة لحقوقها من المجتمع هو من مهامها الأساس فبدون أن تمارس دورها المفترض في النضال لن تنال أبسط الحقوق، وليس للرجال المؤمنين بحقوقها أي دور سوى المساندة. ويجب عليها التمسك بهذا الدور المحدد للرجال، وإلا فإنها ستخرج من أسر المجتمع لتجد نفسها في أسر الرجل.
وعملية انتزاع الحقوق بكونها حقوقاً عادلة أسهل من انتزاع الحقوق المكتسبة وإن كانت عادلة لأن الأولى قسرية والثانية مؤطرة بموافقة ضمنية لم يتم الاعتراض عليها، وبالتالي فإنها لاتخضع لمبدأ انتزاعها من الآخرين وأنما للدخول معهم بمساومة لتقاسم الحقوق وفقاً لتشريعات القانون الوضعي!.



http://www.c-we.org
مركز مساواة المرأة