اليسار السوري وتحرر المرأة

كامل عباس

2006 / 4 / 26

مصطلح اليسار مصطلح قديم , كان وما يزال له دلالاته الواضحة , فاليساري عموما مع التقدم والتحرر والتطلع نحو مستقبل أكثر إشراقا للبشر جميعا , واليميني , محافظ ورجعي يتطلع دائما الى الماضي , أضافت الفلسفة الماركسية التي ظهرت في القرن التاسع عشر , بعدا طبقيا جديدا على المصطلح , حيث أهل اليسار هم المعبرون عن مصالح الطبقات التي لها مصلحة في التطور الاجتماعي , ويعملون من اجل تعبيد وتنظيف الطريق من أجل دفع عربة التقدم الاجتماعي الى الأمام , أما أهل اليمين , فهم المعبرون عن مصالح الطبقات الرجعية , والذين يعملون من اجل وضع العصي في دواليب عجلة التقدم الاجتماعي لأنها ستمر على جثثهم , وعلى يد الماركسيين بالذات ساد اللغط حول التعريف , إذ بدا انه يصعب التمييز بين اليسار واليمين , في حقبة حكم غورباتشيف , فلم يعد يعرف المتتبع للحدث السياسي في أرض أول ثورة اشتراكية , هل يلتسين محافظ ورجعي ام تقدمي ؟ وهل انقلابيوا آب هم يساريون ام يمينيون ؟ محافظون ام مجددون ؟ وساحتنا العربية تكاد تشهد نوعا من هذا الجدل هذه الأيام , على سبيل المثال , هل المرحبون بغزو العراق رجعيون ام تقدميون ؟ وهل بعثيوا صدام حسين المقاومون في العراق يساريون ام يمينيون ؟
بالتأكيد نحن بحاجة إلى إعادة النظر في مفهوم اليسار واليمين على ضوء ما قدمته معطيات التطور الاجتماعي , ولكن إذا تعلق الأمر بموضوع تحرر المرأة , لن نجد أي التباس او لغط هنا فاليسار بكل تلا وينه مع مساواتها بالرجل في كل الميادين الاجتماعية والاقتصادية والسياسية , واليمين مع اعتبارها أدنى مرتبة من الرجل , ويجب ان تكون تابعة له ومطيعة لأوامره .
يمكن تقسيم القوى اليسارية التي ظهرت في القرن الماضي داخل سوريا وكانت تؤيد تحرر المرأة الى شقين
- شق شيوعي بكل تلاوينه , كلاسيكي او تروتسكي او ماوي او غيفاري ... الخ
- شق قومي بكل تلاوينه , قوميون عرب , قوميون سوريون , ناصريون , اشتراكيون , بعثيون ... الخ
سنتحدث عن تحرر المرأة في نظرية وممارسة حزب البعث كنموذج عن كل التيارات القومية العربية التي تشاطره موقفها من المراة .
والحديث عن البعث هذه الأيام يصح فيه المثل الشعبي القائل – البقرة اذا وقعت يكثر ذابحوها – وفيه من ردود الفعل وعدم الموضوعية الكثير, فبعضهم يتحدث عن حزب البعث بوصفه حزبا فاشيا منذ تكوينه ولا يمت للتحرر بصلة , ويستشهد بشعاره المركزي (أمة عربية واحدة , ذات رسالة خالدة ) . ويتناسى هؤلاء ان حزب البعث ناضل أول نشأته نضالا متعدد الوجوه في سوريا ضد الاستعمار والإقطاع والرجعية , وبطرق ديمقراطية بحتة , وظل كذلك إلى أن ركبه العسكر وامتطوه كحصان سريع يوصلهم الى السلطة السياسية , وباسم حزب البعث ارتكبت فيما بعد ومن خلال السلطة كل الموبقات الاجتماعية , وجرى له ما جرى للإسلام قبله بقرون , حيث تم تكييفه مع الشرق وتاريخه الاستبدادي , وحقيقة كان طموح البعثيين هو إكمال رسالة الإسلام العربية الحضارية الأولى , ومن هنا جاء شعارهم , كانوا يريدونها رسالة تنهض بالعرب وتستلهم ماضيهم وتنسجم مع ما يخدم الإنسانية ككل , برغم من أن الشعار لا يعبر بدقة عن هذه الروح , وعلى أية حال لا يجوز تحميل حزب البعث وزر انتقال السلطة من الآباء الى الأبناء (1) باسم الوحدة والحرية والاشتراكية , الا اذا كان الاسلام الذي جاء بالشورى يتحمل وزر حصر الخلافة في آل أمية وسلالتهم وأبنائهم حتى لو كان الواحد منهم يحج الى الكعبة راكبا على ظهر غلام وبيده زجاجة من الخمر .
أما بالنسبة لتحرر المرأة فهو جزء من كل عند حزب البعث , أي انه لايخرج عن منهجه العام في فهمه للتحرر الاقتصادي , الاجتماعي, السياسي , والذي يصح وصفه بالمنهج الوسطي التجريبي , عبثا يمكن ان يجد المرء بحثا نظريا معمقا باسم حزب البعث عن تحرر المرأة العربية , والخطوات الضرورية من اجل ذلك , وكل ما يمكن ان يعثر عليه هو التالي
((تتمتع المراة العربية بحقوق المواطن كلها , والحزب يناضل في سبيل رفع مستوى المراة حتى تصبح جديرة بتمتعها بهذه الحقوق )) (2)
(( - الأسرة خلية الأمة السياسية وعلى الدولة حمايتها وتنميتها وإسعادها .
- النسل أمانة في عنق الأسرة أولا والدولة ثانيا وعليهما العمل على تكثيره والعناية بصحته وتربيته
- الزواج واجب قومي وعلى الدولة تشجيعه وتسهيله ومراقبته )) (3)
لم يحدثنا الحزب عن طريقته في رفع مستوى المرأة العربية كي تصبح جديرة بحقوقها , وهل يدخل في حقوقها ان يصبح لها حظ كحظ الرجل , أم يجب أن تبقى حصتها في الميراث نصف حصته ؟ ولا عن الأسرة – خلية الأمة السياسية – هل يجب ان تقوم على أحادية الزواج ؟ ام يدخل فيها الأسرة التي تضم أربع زوجات للرجل الواحد , أغلب الظن ان مهندسي البعث لم يكونوا راغبين في الصدام مع الشارع الإسلامي الأصولي , كي لايضعوا سدودا بينه وبينهم , ذلك الشارع الذي ُربي على تقبل مفهوم الحريم المصاغ بما يخدم الخلفاء والسلاطين الإسلاميين منذ أيام أمراء بني أمية , وبعدهم بني العباس , ومن ثم المماليك والسلاطين العثمانيين , هذا المفهوم الذي كرث في ذهن المسلم أن( العرض أهم من الأرض ) , وان المسلم قد يتساهل مع الآخرين بكل شيء الا في مسألة الشرف . والنظرة إلى المرأة تميز المؤمن عن الكافر , أما الدعوة الى مجتمع تكشف فيه المرأة عن وجهها ويديها ورجليها وتختلط مع الرجل في المدارس والمعامل والمحلات العامة فهي تعني للمسلم الأصولي دعوة الى الفسوق والفوضى والفجور وانحلال المجتمع وتحطيم نواته الأساسية وهي الأسرة ,
كان الأولى بحزب البعث ان يجابه تلك العقلية بعقلية مرنة تقوم على ان الظروف الاجتماعية تغيرت عن مجتمع البداوة الأول الذي جاءت الدعوة المحمدية فيه , وإذا كانت دعوة الرسول العربي لتنظيم الأسرة - بحيث يسمح للرجل بالزواج من أربعة - في حينها , خطوة الى الأمام قياسا بمجتمع الجاهلية , فان محمدا لو كان في ظروفنا لخطا خطوة أخرى باتجاه مساواة المرأة بالرجل . لم يفعل حزب البعث ذلك , وقد بدا كثير من الفلاسفة الاسلاميين متقدمين عليه في هذا المجال . قال ابن رشد قبل سبعمائة سنه : (( يجب على النساء ان يقمن بخدمة المجتمع والدولة قيام الرجال , وان الكثير من فقر عصرنا وشقائه يرجع إلى أن الرجل يمسك المرأة لنفسه كأنها نبات او حيوان أليف , بدلا من ان يمكنها من المشاركة في إنتاج الثروة المادية والعضلية )) (4) لا بل ان الأتاتوركيون متقدمون عليه أيضا (( لا تقدم نساؤنا الآن أية فائدة للجنس البشري سوى إنجاب الأطفال . ولا ينظر اليهن الا بوصفهن أدوات متعة مثل الآلات الموسيقية او الحلي . لكنهن يشكلن ما يفوق نصف نوعنا , ومنعهن من المساهمة في إعالة وتحسين أوضاع الآخرين عبر جهودهن يخالف القواعد السياسية للتعاون الاجتماعي , حتى ان مجتمعنا مصاب بشلل نصفي , والحال ان النساء لسن أدنى من الرجال في قدراتهن البدنية والذهنية , فقد شاركت نساء العصور القديمة الرجال في كل نشاطاتهم بما فيها الحرب , ولا تزال النساء في الأرياف يشاركن في أعمال الزراعة والتجارة ... )) (5) ومع ان البعثيين يعتبرون أنفسهم من رواد النهضة العربية الثانية . الا أن خطابهم عن تحرر المرأة متخلف جدا عن رواد النهضة الأولى بفرعيه العلماني والاسلامي
عرف عن سلامة موسى قوله _ ان الاختلاط بين الجنسين يجعل الخيالات الجنسية تستقيم والفصل بينهما يؤدي الى الشذوذ _ أما جميل صدقي الزهاوي فقد انشد
انما المرأة والمرء سواء في الجدارة
علموا المرأة فالمرأة عنوان الحضارة
**************
يرفع الشعب إناثه والذكور
وهل الطائر الا بجناحيه يطير
اما قاسم امين فقد ذهب ابعد من كل ما ذهب اليه البعثيون في نضاله من اجل تحرر المراة . لقد طالب بإلغاء الحجاب وإعادة تفسير الآيات القرآنية التي تستخدم لتشريع تعدد الزوجات .
لكن للإنصاف لم يعرف عن حزب البعث وقوفه ضد تحرر المرأة في أي من مناطق نفوذه ولا في أي مكان , وكان يشجع على الاختلاط ين الجنسين ويحض على الزواج المتكافئ المبني على الحب والتفاهم بين الفتى والفتاة بمعزل عن تأثير أسرتيهما ,
أما بعد وصول حزب البعث الى السلطة فيجب ان يميز المرء بين فترتين :
الأولى عندما كان الحزب يدير السلطة والتي انتهت عمليا مع حرب تشرين , وفي هذه الفترة جرت إجراءات تقدمية ( بالطبع بعقلية البعث ومن أعلى وبطريقة ديكتاتورية معروفة ) أعيد بموجبها توزيع الدخل بين الطبقات الاجتماعية , مما ساهم بانتشار التعليم وتوفير فرص عمل جديدة , وخفض تكاليف أجور السكن والمواصلات والمواد الغذائية (6) كل ذلك انعكس على وضع ودور المرأة السورية في المجتمع ,( على سبيل المثال لاالحصر تراجعت الى حد كبير دور البغاء في المحافظات , وما يرافقها من دعارة واتجار بالجنس ) لكن تلك المكتسبات لم تحمى بتشريع جديد يعمل به داخل الدوائر الحكومية , واغلب الظن أيضا كان السبب عدم رغبة البعث في الاصطدام مع الشارع الاسلامي , فترك قانون الأحوال الشخصية كما كان عليه أيام الخمسينات وهو المصاغ بطريقة متزمتة جدا وينظر الى المرأة ناقصة عقل ودين ولا تعديل يذكر عليه كما كان أيام حكم السلاطين العثمانيين في سوريا

ورد في قانون الحوال الشخصية المعمول به في سوريا حتى الآن مايلي
مرسوم تشريعي رقم – 59 - صادر بتاريخ 17 /9/ 1953
اعتمد في إعداده على خمسة مصادر
1- قانون حقوق العائلة الذي جرى العمل عليه وتعارفه الناس وبنيت عليه الاجتهادات القضائية
2- القوانين المصرية مع بعض التعديلات أحيانا بما يوافق المصلحة المحلية
3- الأحكام الشرعية في الأحوال الشخصية ل قدري باشا
4- ما رأت اللجنة الأخذ فيه بمذهب غير المذهب الحنفي وما وضعته في مواد التنظيم التي لاتتنافى مع الحكم الشرعي
5- مشروع الأحوال الشخصية لقاضي دمشق الأستاذ علي الطنطاوي
ربما عوّل البعثيون على تجاوز القانون مع تقدم العلم والنهضة والتطور في سوريا وعبر تشجيعهم القضاة الموالين لهم من اجل التساهل بتطبيقه في الحكم (7) وعبر الوعي العام الذي يبثه إعلامهم ودعايتهم , وعبر مساندتهم للتحرر الاجتماعي على الأرض في مناطق نفوذهم (8)
ولكن مع الأسف جرى عكس ذلك تماما بعد الفورة النفطية ونفوز مشايخ البترول والوهابيين السعوديين بعد حرب تشرين , لقد كانت القوانين جاهزة لمساندتهم إضافة الى الدولة التي ركبت حزب البعث ولم تبقي من نفوذه كحزب تحرري شيئا , عجيب امر الناشطات السوريات والناشطين السوريين التي إثارتهم قضية مقتل هدى ابوعسلي , ليكتشفوا المادة التي تبرئ القاتل بوصفه يدافع عن عرضه , اين كان هؤلاء قبل ذلك , ولم يقوموا بحملة من اجل تغيير تلك المادة وغيرها الكثير والتي تعطي حتى الابن حق فرض رأيه على أمه وعلى سلوكها , ومع ذلك ان تأت متأخرا خير من ألا تأت
المادة – 48 من قانون الأحوال الشخصية - زواج المسلمة بغير المسلم باطل -
ربما تم السكوت عن هذه المادة إكراما للماد ة - - 109 والتي يشتم منها رائحة التحرر
((اذا غاب الزوج بلا عذر مقبول او حكم بعقوبة السجن أكثر من ثلاث سنوات جاز لزوجته بعد سنة من الغياب او السجن أن تطلب الى القاضي التفريق ولو كان له مال تستطيع الإنفاق منه –مأخوذ من مذهب مالك أما الحنفي فلا يوجد حكم بهذا الأمر )
المادة – 548 من قانون العقوبات العام والتي كان يعمل بها وما يزال في كل عهود الجبهة الوطنية التقدمية .
((1- يستفيد من العذر المحل من فاجأ زوجته أو احد أصوله او فروعه او أخته في جرم الزنا المشهود او في صلات جنسية فحشاء مع شخص آخر فأقدم على قتلها او إيذاء احدهما بغير عمد
2 – يستفيد مرتكب القتل او الأذى من العذر المخفف اذا فاجأ زوجته أو احد أصوله أو فروعه أو أخته في حالة مريبة مع آخر))
المادة 24
(( ان العذر المحل يعفي المجرم من كل عقاب ))

يتقدم الشيوعيون على البعثيين في فهمهم النظري لتحرر المرأة , كون الشيوعيين عموما ينطلقون من العلم في فهمهم لحركة التطور , والعلم يقول بالتطور من البسيط الى المعقد و وهو ما أنتج أحقاب جيولوجية لكل منها كائنات حية ملائمة له , وقد كان الوعي نتاج وثمرة هذا التطور , أسهب انجلز في شرح ظهوره في كتاباته المتعددة وخاصة أصل العمل في تحول القرد إلى إنسان , في معرض رده على الفلسفة المثالية التي تقول باقدمية الوعي على الوجود الاجتماعي , الشيوعيون بكافة فرقهم يرون ان الإنسان خلق الله وليس العكس , وبالتالي فهم متحررون من كل الأديان والفلسفات السماوية التي تشترك جميعها بجعل الرجل أعلى مرتبة من المرأة , أما البعثيون فلم يشغلهم أبدا ذلك الموضوع بل يجدون فيه تضييعا للوقت لمعرفة أيهما افرز الثاني , الدجاجة ام البيضة ؟ فيما عدا هذه النقطة لايتقدم الشيوعيون عن البعثيين بالنسبة لتحرر المراة العربية عموما والسورية خصوصا , فليس لديهم أي دراسة جدية لواقع المرأة العربية وكيفية الانطلاق منه من اجل تحررها , ويكفي كالعادة ما تقول النصوص والرفاق السوفيات , الأخطر من ذلك إنتاجهم فلسفة تبريرية على طول الخط بعد تحالفهم مع البعث لكل ممارسته السياسية بما فيها موضوع المرأة , واذا كان تاريخ هذا الحزب كما وصفه باسم السبع في الذكرى الستين لولادته في جريدة السفير – الحزب الشيوعي السوري ستون عاما من الانشقاقات – فان من الانصاف القول ان المدرسة البكداشية الرسمية اقل تخريبا في هذا المجال , كونها تنطلق من برنامج محدد اقتصادي واجتماعي معروف , الأسوا منها هو التيار الثاني الذي هو مدرسة بحق في الفلسفة التبريرية التي أنتجت تحلل القيم عند الجيل الصاعد , وليس من العبث ان يوصف الأمين العام عندهم بمعاوية القرن العشرين في المكر والدهاء والتبرير , ولولا الجناح الذي انتهى الى ما يعرف الآن باسم حزب الشعب الديمقراطي السوري , والذي هو احد انشقاقات الحزب الرسمي لكان تاريخ هذا الحزب اسودا بالكامل ,
يتفوق على هذا الحزب بأصوله وفروعه وبكل تاريخه مثقف يساري سوري هو المرحوم ياسين حسن ( أبو علي ياسين ) والذي كان مدرسة في العطاء على مستوى النظرية والممارسة بالنسبة للمراة , وشغله موضوع تحرر المراة العربية عموما والسورية خصوصا وربما كان السبب في تسريع خطاه نحو القبر , واكبر دليل على ذلك كتبه ودراساته
- الثالوث المحرم ( نظرات في الجنس والدين والصراع الطبقي
- ازمة المراة في المجتمع الذكوري العربي
- حقوق المراة في الكتابة العربية منذ عصر النهضة
- مطبات في مسيرة المرأة العربية على طريق التحرير والمساواة
- معنى الطلاق في سوريا
ومن الأخير نقتطف الفقرة التالية
(( العلاقة بين الرجل والمرأة في سوريا بنظر القانون هي علاقة نكاح , هي علاقة مالك بوسيلة إنتاج من نوع خاص , اذ تتضمن اللذة بالنسبة للرجل و هي علاقة تقنية بحتة , كما هو الأمر بين المكوك والغزول المهيئة للنسيج , كما هي العلاقة بين أي نتوء وتجويف في هذه الطبيعة , مع فارق ان الرجل هو المسير لهذه العلاقة التي تختص بها الطبيعة الوحشية , الرجل السوري العادي ينظر الى المراة كثقب يستعمله متى يشاء وكيفما تيسر له الأمر , ان هو تزوجها , هذا من ناحية , من ناحية أخرى يرى فيها قوة عمل للطبخ والغسل ولإنجاب الأطفال وأيضا لخارج البيت ان كانت لديها مؤهلات أخرى )) (9)
قد يختلف المرء مع المرحوم في بعض الجوانب لكن لاشك بان كل يساري ينحني إجلالا لتلك المبدئية والصدق مع الذات والتي كلفته الكثير , فهو لم يهادن شيوخ البترول ولم يطمح يوما بأعطياتهم كغيره من مساحي الجوخ ولذلك يقول (( لاأظن أن وضع المرأة الأوروبية كان بهذا السوء في القرون الوسطى , فالمرأة السعودية ليس لها حقوق على الإطلاق , حياتها أشبه ما تكون بالكابوس لا يتخلص المرء منه بالاستيقاظ من النوم بل بالزوال في الموت , لذلك تستحق أن نمد لها يد التحدي )) (10)
أما أروع ما تركه لنا المرحوم في هذا المجال فهو نقده المبطن لبيرقراطية الاتحاد النسائي التي هي جزء من كل في دولة التقدم والاشتراكية وفي أوج سطوة البعث , جاء ذلك في رسالة موجهة الى مجلة نسائية ألمانية عام 1970 , طلبت منه دراسة عن وضع المرأة السورية , ففكر بالاستعانة ببعض الإحصائيات التي قد تتوفر عند الاتحاد النسائي , وبعد توسطات عدة , استطاع ان يؤمن مقابلة في الاتحاد المذكور لإحداهن . يقول
- في الموعد المحدد كنت هناك في الحي المسمى المالكي الذي ينتهي إليه الشارع البورجوازي الارستقراطي المعروف أبو رمانة ,
يدخل مقر الاتحاد وتستقبله الموظفة المخصصة, وفي معرض حديثها تقول
- في الوقت الحاضر لدينا كتاب تحت الطبع يتضمن كل شيء عن المرأة السورية من النواحي الاجتماعية والثقافية والإنسانية
يحاول أن يحصل على نسخة منه فتحيله الى من توسطت له , فيجيبها انه سينتظر حتى يصدر ويشتريه من السوق , وهنا تحصل المفاجأة
- الا يعرض الكتاب في السوق ؟
- لا هو مخصص لنا
فيخرج من المبنى وهو يردد
انه واحد من الإدارات الكثيرة حيث يجلس بيرقراطيون مفصولين عن أولئك الذين يدعون انهم يمثلونهم , إدارات منظمة هرميا يلعبون فيها لعبة السريات و مستعبدين لروتينهم وفي الخارج يجري كل شيء كما كان (11)
كامل عباس – اللاذقية

.......................................................................................

هوامش
1- حزب البعث لم يكن حزبا بيرقراطيا أول نشأته , لقد قلد فيما بعد مركزية الأحزاب الشيوعية الديمقراطية واستعار منهم شعار قائد المسيرة وتوريث منصب الأمانة العامة بناء على مقولة لينين الواردة في نموذجه التنظيمي – ما العمل – ( يتعذر في المجتمع الراهن على كل طبقة من الطبقات ان تناضل بثبات بدون دستة من الزعماء والنوابغ , والنوابغ لا يولدون بالمئات , المجربين والمتفقين في الرأي أروع الاتفاق والمخضرمين مهنيا والذين حنكتهم تجارب الأيام ) وقد استفاد الستالينيون ومن لف لفهم من الفكرة ودفعوها الى نهايتها المنطقية , وأصبح عندهم من يعمل لتغيير الأمين العام مرتد لايريد للطبقة العاملة الخير ويعمل ضد مصلحتها , اذ يحرمها من خبرته التي اكتسبها وتمرس بها خلال المعارك الطبقية , كما ان توريث الأمانة العامة الى الأبناء مفيد , لأن هؤلاء يعيشون مع الأمين العام وفي نفس البيئة والمحيط ويراقبون المعارك الطبقية التي يخوضها منذ الصغر فيكتسبون هذه الخبرة ويصبحون أحق من غيرهم بمنصب الأمانة العامة .
2- المادة (12) من دستور حزب البعث الذي اقره في المؤتمر التأسيسي المنعقد بين الرابع والسادس من نيسان عام 1949
3- المادة (38) من دستور حزب البعث حول الأسرة والنسل والزواج
4- فلسفتنا عن المرأة سلامة موسى ص 69
5- من مقال للكاتب التركي نامق كمال نشرت في مجلة تصوير الأفكار عام 1867
6- تتضح الصورة أكثر بالمقارنة مع دولة حضارية مجاورة مثل لبنان , على سبيل المثال كانت أجرة النقل الداخلي في سوريا فترة نهوض البعث من الميدان الى ركن الدين في دمشق ب (فرنك ونصف ) وكان الأجر لنصف المسافة في لبنان ب ( ليرة ونصف ) , أما تكاليف التعليم في الجامعات اللبنانية فقد كان يفوق مثيلاته في الجامعات السورية أضعافا مضاعفة .
7- بالطبع كان بالإمكان التحايل على القانون ببساطة وبمساعدة البعثيين , مثلا اذا أحب شاب فتاة ورفض أهلها تزويجه إياها ,( لن يستطيع تسجيلها في المحكمة بدون موافقة ولي أمرها ) , كان يقوم بتقديم ادعاء مصادق من المختار بان حبيبته حامل منه وبالتالي تتم الموافقة على الزاج قانونيا
8- فترة أواخر الستينات أصبح لحزب البعث نفوذ اجتماعي حقيقي في بعض المناطق الريفية يضاهي ويزيد نفوذ رجال الدين , وكانوا يشجعون على الاختلاط والصداقات المتعددة بين الجنسين والحاثة التالية بليغة الدلالة : - زار شاب أخته المتزوجة في قرية أخرى وسألها عن ابنتها كونه مشتاق لرؤيتها , فأجابته لقد ذهبت الى الغابة برفقة صديقها لممارسة الجنس كما يقولون : بالله عليك يااخي اشرح لي كيف يمارسون الجنس !! –
9- معنى الطلاق في سوريا ص 157
10- حقوق المراة في الكتابة العربية , تأليف بو علي ياسين ص 186
11- الرسالة منشورة في كتابه – أزمة المراة في المجتمع الذكوري ص180



http://www.c-we.org
مركز مساواة المرأة