التذكرةُ قاتلةٌ … لأن القانونَ طيبٌ وأمّي

فاطمة ناعوت
f.naoot@hotmail.com

2019 / 11 / 3

Facebook: @NaootOfficial
القانون... هل يجبُ أن يكون حازمًا حاسمًا؟ نعم، بالطبع. هل نؤمن بأن الفارق بين دولة متحضرة، ودولة متخلفة، هو احترام القانون وتطبيقه؟! نعم بالطبع. هل نؤمن بأن تطبيق القانون هو الضمانة الأولى لحفظ النظام والأمن والتخلص من الفوضى والعشوائية؟ هل ينبغي علينا أن ننظر إلى القانون في إجلال وتوقير ورهبة؟ وهل يجوز لنا، ونحن ننظر إلى القانون بعين الإجلال، أن نرمق أحيانًا، بطرف العين، "روح القانون"؟ هل نوقن بأن القانون "أعمى"، يضع عصابةً على عينيه كما فعلت "ماعت"، بحيث يُطبَّق سيفُ القانون على الجميع دون تمييز؟ هل احترام القانون لا يختلف في أبسط الأمور عن أضخمها؟ نعم، نعم، نعم.
لن يختلف إثنان في بلادنا على الإجابة بالإيجاب عن كل ما سبق من أسئلة. ولكن الواقع يشهد بأننا نتعامل مع القانون كما نتعامل مع "أمهاتنا”. نحبّه ولا نُطيعه. نوقّره ولكن "نتدلل" عليه. نُطالبه بأن يحسم ويقسو مع الجميع، إلا معنا نحن. نريده شرسًا ورادعًا حين تضيع حقوقُنا ليأتي بها لنا، كما تفعل الأمهات. ثم نطالبه بأن يغضَّ الطرفَ عن الخطأ، حين نكون نحن مرتكبيه، كما تفعلُ الأمهات أيضًا! نتعامل في بلادنا مع القانون بكثير وكثير من العشم. نتعامل مع القانون، وفق "قانون معلش"! وتلك أكبر مآسينا.
قلوبُنا انفطرت حزنًا على البائع الجائل الشابّ الذي قفز من القطار لعدم امتلاكه تذكرة سفر أو بطاقة تحقيق شخصية، خوفًا من التسليم للشرطة، على يد الكمساري، فلقى حتفه تحت عجلات القطار. بكينا على دموع الأم الثكلى تنعى ولدها وتنتحب عليه. ثم بحثنا عن "ناشنكان" كبير نُصوّب عليه رصاصَ غضبنا وحزننا على روح الفتى المغدور، فوجدنا ضالتنا في وزير النقل والمواصلات، الفريق كامل الوزير، فبدأنا في إطلاق النار والمطالبة باستقالته! فما تحديدًا الذي نرجوه من استقالة الوزير؟ هل نرجو مثلا أن يتعلم مشرفو القطارات أن التذكرة لا ضرورة لها، فيكفّون عن طلبها؟ أم نرجو أن يتعلم الركّابُ أن التذكرة ضرورية، فيحرصون على الحصول عليها قبل استقلال القطار؟ أم نطمح باستقالة الوزير أن ترقَّ قلوبُ الركاب فيدفعوا ثمن التذاكر للباعة الجائلين والمُتهرّبين، بدلا من الاكتفاء بالنحيب عليهم حين يموتون؟!
في دول العالم المتحضّر يحدث ما يلي عند تسلل راكب دون تذكرة في قطار أو حافلة. يمرُّ المُحصِّلُ على الركاب، فيُبرِزُ كلٌّ تذكرته. إن وُجِد راكبٌ دون تذكرة، يَسمح له المحصّل باستكمال الرحلة مع تحذير في المرة الأولى. ولو تكرر الأمر يدفع المتسلّلُ غرامة تصل إلى 300 دولار، أو تُرسل إلى بيته فاتورة بالغرامة، بكل هدوء وأدب، ودون أن يشعر أحدٌ من الركاب بما يجري. الجميعُ يعلم بنودَ القانون. والجميعُ يحترمُ القانون. والجميع يُنفّذُ القانون. (ومفيش معلش).
لم تكد تبرد نيرانُ قلوبنا على مقتل الشابّ الشهيد "محمود البنا" على يد البلطجي القاتل "محمد راجح" وعصابته، حتى فُجعنا في مقتل بائع متجول استقل القطار دون تذكرة، ولا يحمل أوراق إثبات شخصية، قفز من القطار حين هدده محصّل القطار بأنه سيحرر له محضرًا شرطيًّا.
الواقعةُ برمّتها تجسّد كوكتيل من حالات "الاستهانة" بالقانون والتعامل معه دون رهبة. البائع المتجول وزميله استقلا القطار 934 دون تذاكر/(سند قانوني)، معتمدين على كلمة "معلش" التي تُسيّرُ الأمورَ في بلادنا. حاول موظفُ السكة الحديد أن يطبق القانون عليهما، بتحرير محضر مخالفة، فوجدهما لا يحملان بطاقات هوية/(سند قانوني)، معتمدين كذلك على كلمة "معلش". وبدلا من التحفظ عليهما للمحطة التالية لتنفيذ القانون، أعماه الغضبُ من استهانتهما بالقانون، فنسى بدوره روحَ القانون، وطالبهما بالنزول من القطار، فكانت الفاجعةُ! ووجهت النيابةُ للموظف تهمة "القتل بالترويع". لو حدث ونجح الشابُّ في القفز من القطار إلى الرصيف في سلام، كما يحدث يوميًّا عشرات المرات من ركابٍ مُتهربين مُتسللين، لمرّت الواقعةُ دون أن ندري عنها شيئًا، مثل عشرات الوقائع الأخرى التي "لا يُحترم فيها القانون"، وتمرُّ مرورَ الكرام.
فهل الحلُّ في استقالة الوزير؟ أم في إعدام الكمساري؟ أم في مواساة الأم الثكلى التي فقدت عائلها وتعويضها ماديًّا، إن كان المالُ يُعوّض عن فلذة الكبد؟ أم في تعليم الموظفين التسامحَ مع المتهربين من دفع الأجرة ولا يحملون أوراقًا ثبوتية؟ أم في إصدار أوامرَ لهيئة السكك الحديدية بأن تتهاون مع الموظفين المتهاونين مع الركاب المتهربين من الدفع؟ أم في تدريب المتهربين على القفز السليم من القطارات حال ضبطهم؟ أم في تعليم المجتمع بكامله "مهابة القانون وحتمية احترامه" في كل صغيرة وكبيرة، كما يفعل الغرب؟ علّموا أولادكم قداسةَ القانون. ودائمًا: "الدينُ لله، والوطنُ لمن يحبُّ الوطن”.

***



http://www.c-we.org
مركز مساواة المرأة