منال القبرصية تعرى مجتمع الذكور العربى

كريم عامر
karam903@gmail.com

2006 / 6 / 27

أرسلت إحدى الصديقات لى بالأمس موضوعا نشره موقع العربية مضمونه أن نسبة العنوسة بين الشبان المصريين أكثر منها بين الفتيات المصريات، وأن عدد الشبان الذين لم يتزوجوا فى مصر يفوق عدد الفتيات اللائى لم يلجن بعد إلى سجن الحياة الزوجية المؤبد بفارق مليونى شاب .
http://www.alarabiya.net/Articles/2006/06/25/25066.htm
لم يثر الموضوع أدنى إهتمام لدى ، لأننى دائما ما أعتبر مسألة إقامة علاقة جنسية بين شريكين مسألة إختيار مشترك بينهما ، وليس لذالك أدنى علاقة بأىٍ من مشكلاتنا المصيرية التى تقض مضاجعنا وتجعلنا نخشى خطورة آثارها المستقبلية .
ولكن عند مراجعتى لتعليقات القراء المتضمنة لردود أفعالهم ، جذبنى بشدة تعليق لإحدى القارئات ، عرَّفت نفسها بإسم ( منال - مصرية قبرصية ) ، ذكرت من خلاله أنها طبيبة ناجحة فى عملها وتبلغ الخامسة والثلاثين من العمر ، وأنها لا تقبل فكرة الزواج من الأساس ، ولا تفكر فى إنجاب أطفال لأنها - على حد تعبيرها - تخشى تكرار مأساة والديها معها ، ثم ذكرت أنها تقيم علاقات جنسية غير ثابتة وتستخدم موانع الحمل ، وأنها تحب الأطفال طالما هم ليسوا أبناءا لها ولا توجد أى إلتزامات إجبارية منها نحوهم .
إنتابتنى حالة من الذهول التام فور قرائتى لهذا التعليق ، ليس لأننى أستكثر على فتاة تنتمى لجذور عربية أن تفكر بهذا المنطق الحر الذى أشجعه للغاية ، وإنما لأن الموقع الذى سمح بنشر هذا التعليق معروف للقاصى والدانى أنه يخدم أفكارا معينة هى فى معظم الأحيان لا تخلو أن تكون أفكارا رجعية ساذجة متخلفة ، وتذكرت أن تعليقاتى كانت تحجب فى بعض الأحيان على هذا الموقع لعدم توافقها مع الخط الفكرى السائد فيه ، المهم أننى إستكملت القراءة ومطالعة بقية التعليقات ، وعندها فهمت السبب الذى دفع العربية للسماح بظهور مثل هذا التعليق ، فلقد شن الكثيرون من المعلقين من ذوى الرؤى المحافظة هجوما حادا على منال لأنها تجاوزت الخطوط الحمراء للمجتمع الذكورى العربى المتخلف ، وأخذت الحجارة الصماء ( وليست الردود العقلانية ) تنهال عليها من كل حدب وصوب ممن لا يجيدون سوى رجم من يمتلكون رؤى مستنيرة وأفكارا مفعمة بالحرية ، فبادرت من جانبى بكتابة تعليق أشيد فيه بما قالته منال وأعبر عن إعجابى وإحترامى لهذه الفتاة الشجاعة الحرة ولإختيارها الشخصى الذى تستحق أن نرفع لها من أجله قبعاتنا إحتراما وتقديرا من أجل صراحتها فى الحديث عنه ، وقلت أن منال قد قدرت ظروفها منذ البداية ورأت أنها غير مؤهلة لتحمل الأعباء والمسؤليات المتمخضة عن الزواج ، وقد إتبعت فى ذالك فلسفة المعرى الذى أبى أن يكرر خطأ والديه فى حق أولاد له آخرين رافضا فكرة الزواج مطلقا وموصيا أن ينقش على قبره :-
هذا جناه أبى علىَّ ........ وما جنيت على أحد
وقلت أيضا : إن السر فى نجاح منال فى عملها كطبيبة هو ماذكرته ضمنا فى تعليقها من أنها لم تكبت رغباتها الطبيعية وتستسلم لهجوم العقد والأمراض النفسية التى قد تنجم عن هذا الكبت والحرمان الجنسى ، وقامت بإشباع غريزتها بإقامة علاقات جنسية طبيعية غير ثابتة مع إستخدامها لوسائل منع الحمل لتفادى أية مسؤليات قد تنجم عن هذه العلاقات .
وقلت كذالك : إن منال جديرة بتقديرنا وإحترامنا ، فقد كانت صريحة وشفافة مع نفسها ومع الآخرين فى زمن ساد فيه النفاق الإجتماعى والحياة المزدوجة والهروب من الحقيقة ، فقد أدركت أنها لا تصلح أن تكون زوجة وأما ، وأنها تستطيع أن تهب طاقتها لمجال عملها الذى تحبه ، ولا تستطيع أن تفعل ذالك مع زوج وأسرة وأبناء يرهقون كاهلها ويستنفذون طاقتها فى نشاط غير مجد بالنسبة لها ، وعلى هذا فقد إختارت طريقها فى الحياة ، ثم أوضَحتُ أن هذا النموذج - من وجهة نظرى الخالصة - ينبغى أن تقتدى به الفتيات العربيات وأن لا يسمحن للرجال بالتسلط عليهن وكتم أنفاسهن وكبت حرياتهن وإجبارهن على الخضوع والإستسلام لهم .
وعندما راجعت الصفحة مرة أخرى لأتأكد من نشر تعليقى ومتابعة ردود الفعل الأخرى فوجئت بأنه لم ينشر ، فراجعت التعليقات مرة أخرى ، وهنا تملكت منى الصدمة ، فتعليق ( منال - مصرية قبرصية ) والذى وضعه المسؤلون عن الموقع تحت رقم ( 67 ) فوجئت به وقد حذف فجأة وحل محله تعليق آخر وكأنه لن ينشر من قبل تحت هذا الرقم ، وكأن المسؤلين عن موقع العربية قد خشوا ظهور جبهة تساند منالاً وتؤيدها من خلال موقعهم الذى لا ينشر سوى الأفكار الرجعية الساذجة الهدامة ، فبادروا بحذف تعليقها وبالتالى عدم نشر تعليقى .
إن الحيادية فى وسائل الإعلام العربية غير متوفرة على الإطلاق ، مهما إدعى القائمون عليها ذالك وأقسموا عليه بأغلظ الأيمان ، فوسائل الإعلام العربية تعبر غالبا عن وجهة نظر أحادية الجانب ، إما أن تكون وجهة النظر التى تتبناها السلطة السياسية أو الطريق الذى يسير فيه القطيع الإجتماعى ( العامة ) لتوافقه مع تقاليده وأعرافه أو معتقداته الدينية ، ولا أجد سببا غير ذالك يبرر حذف تعليق منال وتعليقى على هذا الموضوع ، فعلى الرغم من أنها كانت قد عبرت عن حالتها الخاصة وإختيارها الذى عدته أكثر خصوصية بالنسبة لها ، وبالرغم من أنها لم تفرض ذالك على أحد غير ذاتها بل عرضته عرضا خالصا مجردا من أية تبعات أخرى ، إلا أن التطرق إلى مسألة الجنس فى مجتمعاتنا العربية بهذا القدر من التحرر لا يزال يعد كسرا لطوق المحظورات وهدما لأسوار التقاليد وتجاوزا للخطوط الحمراء العربية ، وهو الأمر الذى يقف له ممثلى المجتمع الذكورى العربى بالمرصاد حتى لا تنهار إمبراطوريتهم الذكورية الهشة المقامة على أجساد النساء وهياكلهن العظمية .
فالتقاليد العربية البالية لا تزال تمنح الرجل سلطات إجتماعية واسعة النطاق ، وتعطيه الحق فى إمتلاك المرأة تحت ستار الزواج ، وربطها بالأسرة عن طريق إجبارها على الإنجاب ووتجريم الإجهاض وتحريم موانع الحمل ، وعندما تأتى فتاة فى مثل شجاعة منال لتعلن أنها لن تتزوج وستعيش حرة مستقلة غير خاضعة لإحتلال رجل ، وستشبع حاجاتها الجنسية بأساليب طبيعية دون أن تتحمل من وراء ذالك أية تبعات ، مشهرة بذالك فى وجه مجتمع الذكور سيف حريتها معلنة أنها كانت وستظل سيدة نفسها ولن تسمح لرجل - أى رجل - بالإعتداء على إستقلاليتها والإنتقاص من حريتها تحت أى مسمى كان ، وعندما تعلن عن سر نجاحها فى عملها وهى أنها تعيش حياة غير مزدوجة وتواجه إختياراتها الحقيقية - وليست المفروضة عليها من قبل المجتمع - بشجاعة وأنها لن تخفى وجهها الحقيقي عن من حولها خلف أية مظاهر إجتماعية خادعة زائفة .
عندما تعلن منال ذالك فإنها تقفز فوق المحظورات والموانع الذكورية، وتعلن تحديها لحجارة ومدى شباب القبيلة العربية الذين ليس لديهم خيارات أخرى فى أمرها غير إغتصابها ورجمها ، إنها بموقفها هذا تهدم إحدى أهم اللبنات التى قام عليها هذا المجتمع المنهار داخليا .
ولهذا لا يجب أن نستعجب أو نستغرب عندما يحذف موقع العربية تعليقها وتعليقى المؤيد لها ، فهو لا يعبر سوى عن توجهات مجتمع الذكور العربى الذى لا يرى فى النساء سوى كائنات خاضعة مهانة ذليلة تابعة ، ولا يتحمل رؤيتهن ناجحات ومستقلات عن سلطة ممثليه وسيدات لأنفسهن بلا تبعات أو مسؤليات يضعها عبئا فوق رقابهن للحيلولة بينهن وبين حريتهن .
تحية من القلب خالصة إلى منال القبرصية وإلى كل فتاة عربية أبت أن تكون خاتما فى إصبع رجل أو دمية يعبث بها فوق فراشه ، وياليت كل نساء العرب مثلك يا منال ! .



http://www.c-we.org
مركز مساواة المرأة