أيتها السودانيات: يلاّ ننظر شفق الصباح-4

مجدي الجزولي
m_elgizouli@yahoo.co.uk

2006 / 8 / 10

من فساد مهمة "الحضارة" الاستعمارية أنها قامت على موالاة مراكز السلطة التقليدية في المجتمعات المستعمَرة في تحالف يحفظ لكل طرف مصلحته في ديمومة استغلال هذه المجتمعات. بين أسر المجتمع الأبوي وتواطؤ التحديث الكاذب كان مصير النساء السودانيات أن يخضن نضالاً مضاعفاً ومجهداً في سبيل تحرير مزدوج. هذا الدرب صعب المرتقى شقته المرأة السودانية باقتدار فذ جعلها في الحقيقة قاطرة التحديث الاجتماعي وكذلك وقوده في بلادنا، حتى انغرست رايات محاسنها في كافة المجالات. مرد ذلك تراكم طويل لمجهودات عظيمة جليلة وذكية لم تتراجع إلا لتتقدم مرة أخرى خلال الحكم الوطني وحتى عهد الوصاية الأممية الحاضر.

جانب من ويل تراكب القيم الأبوية و"مساخة" السوق في حياتنا الحاضرة اهدار قيمة المرأة غير الذي يمكن استغلاله منها، العمل كان أو الجسد، خاصة وهي فاقدة الاستقلال الاقتصادي. من ذلك ارتباط شائه بين زيادة دخل الزوج وتعدد الزوجات بديلاً لزيادة رفاه الأسرة رأسياً ما يمكن اعتباره دعارة مستترة، ومنه تعميم العنف الجنسي وغير الجنسي ضد المرأة في المجالين العام والخاص كقيمة ذكورية مرعية بسوابق القوامة والتفوق في التقليد الاجتماعي. في هذا السياق نعرض خلاصة عمل الدكتور عوض محمد أحمد (كلية الطب، جامعة بحر الغزال)، والدكتور أحمد التجاني المرضي (كلية الصحة، جامعة الخرطوم) المعنون "دراسة العنف الأسري وسط النساء المترددات على مركز طبي في السودان" والمنشور في "المجلة الصحية لشرق المتوسط"، منظمة الصحة العالمية، المجلد 11، العددان 1/2 ، 2005: "استهدفت هذه الدراسة تقصي العنف الأسري في أوساط الأسر السودانية. وفي هذا الإطار تمت دراسة 394 امرأة من المتزوجات الملمات بالقراءة والكتابة، المترددات على أحد المراكز الطبية في أم درمان، وذلك في المدة من أكتوبر 2001 إلى فبراير 2002. وقد قدمت هؤلاء النساء، من خلال استبيان ذاتي الاستكمال، معطيات حول الخصائص الاجتماعية الديموغرافية للأسرة، وإساءة معاملة أزواجهن لهن خلال العام الذي سبق. بلغ عدد من أبلغن عن تعرضهن لإساءة المعاملة 164 امرأة (نسبة 41,6%)، تعرضن لعدد 525 حالة عنف في العام السابق صنفت إلى: سلوك تأديبي (194 حالة)، وسلوك تهديدي (169 حالة)، وعنف بدني (162 حالة). تفاوت معدل تكرار حالات العنف من مرة واحدة (25%) إلى أكثر من ست مرات (20,7%). كما أبلغت 27 امرأة (نسبة 16,5%) عن تعرضهن للعنف أثناء الحمل."

أجريت الدراسة في مركز صحي العرضة في الفترة 31 أكتوبر 2001 إلى 28 فبراير 2002. أوضح تحليل النتائج أن النساء اللواتي تعرضن للعنف كن أصغر سناً، ذوات تعليم أدنى، متزوجات لفترات أقصر، ومعظمهن لا عمل لهن خارج المنزل يدر دخلاً مستقلاً، بينما كان الأزواج أكبر سناً، كذلك أقل تعليماً، أدنى حظاً في التوظيف، وفي الغالب أكثر عرضة لإدمان الكحول أو المخدرات. من بين النساء اللواتي تعرضن للعنف (164 امرأة) خبرت 112 (68,3%) منهن نوعاً واحداً أو أكثر من أنواع السلوك التأديبي من جانب أزواجهن، بينما تعرضت 119 (72,6%) منهن للتهديد بالعنف الجسدي. 79 (48,2%) منهن تعرضن واقعاً للعنف الجسدي ما مجمله 162 مرة، كانت نتيجتها في حالة 26 بينهن أشكال مختلفة للجروح استدعت الرعاية الطبية. تصنيف درجات العنف الجسدي جاء كالآتي: 66,1% قليل الحدة، 29% أشد حدة، 4,9% حاد لدرجة إصابات الرأس والإصابات الباطنية. فقط نصف النساء ضحايا العنف الجسدي سعين إلى الرعاية الطبية لكنهن صمتن عن ذكر الأسباب الحقيقية لإصاباتهن ولم يسأل الأطباء عن احتمال العنف المنزلي. بجانب العنف الصادر عن الأزواج ذكرت 42 (25,6%) من النساء فاعلين آخرين: أب، أخ أو قريب آخر، بما في ذلك خلال حيواتهن قبل الزواج. شملت الأسباب المباشرة لحالات العنف: الارتياب في وجود علاقة غير شرعية، رد الزوجة على زوجها، عدم طاعة أوامر الزوج، عدم العناية الكافية بالمنزل، عدم جاهزية الطعام في الوقت المحدد، رفض المعاشرة الزوجية، مغادرة المنزل دون إذن الزوج، سؤال الزوج عن دخله، وسؤال الزوج عن علاقاته غير الشرعية. وتفاوتت ردود أفعال الزوجة من الصمت (54,3%)، إلى البكاء (19,5%)، المقاومة (11%)، إخبار قريب (7,3%)، قرار طلب الطلاق (6,1%)، والاستعانة بالبوليس (1,8%). من الإشارات المهمة جداً الواردة في الدراسة استجابة 86,8% من النساء اللواتي طلب منهن المشاركة ما يؤكد أن حساسية الموضوع لا تمنع النساء الافصاح عن كربهن حال توفرت شروط الخصوصية والسرية والعلمية المهنية اللازمة. خلص الباحثان إلى تعيين عدد من العوامل التي يزداد في وجودها تهديد العنف المنزلي تجاه النساء: صغر السن، الفقر، العطالة، نقص التعليم، الحمل، بجانب تناول الكحول والمخدرات من قبل الفاعلين. كما ورد التنبيه إلى محدودية الدراسة بسبب: تنوع العينة (العمر، الطبقة الاجتماعية، المستوى التعليمي) وفي نفس الوقت حصرها في النساء الحضريات تقريباً، بالإضافة إلى انتقاء النساء العارفات بالقراءة والكتابة. والحديث محصور في الإطار الجضري يتضح من الدراسة أن الأسرة السودانية الجديدة مواجهة بمهددات تفكك ما العنف المنزلي إلا أحد تمثلاته، في تضاد مع تراث قيمي سوداني يدين ضرب المرأة مبدئياً. أسباب التفكك الذي أعني لا تتصل مما سبق بيانه بتدهور أخلاقي أو فساد ألم بالأسر ونساءها، بل جلي أنها بعض من تسونامي الانقلاب الرأسمالي الطفيلي و"المشروع الحضاري". طلباً لاستقامة القياس ننظر نتائج دراسة شبيهة بين النساء المصريات في منشية ناصر وهي منطقة سكن غير نظامية (عشوائية) تقع على بعد 10 دقائق من القاهرة المدينة. أجريت الدراسة في الفترة من يناير إلى مارس 1997 بين مائة من النساء المتزوجات أو اللواتي سبق لهن الزواج من الفئة العمرية 14 إلى 65 سنة. 30% منهن اعترفن بتعرضهن للعنف المنزلي بصفة يومية، 34% بصفة اسبوعية، 15% بصفة شهرية، و21% أحياناً. السبب الرئيسي للعنف في حالة 75% منهن كان يتعلق بالجنس، حيث تعرضن للاعتداء اللفظي والبدني والاغتصاب لرفضهن معاشرة أزواجهن. بقية الأسباب المذكورة شملت: الصرف (65%)، زيارة الأقارب والجيران (32%)، الأعمال المنزلية (25%)، الدين (8%)، الغيرة (6%)، وعدم الطاعة (5%). تباينت ردود أفعال النساء بين الصمت (53%)، الذهاب إلى البوليس (13%) والمقاومة (15%). فقط 6% من النساء طلبن الطلاق، بينما كان مهرب 9% منهن محاولة الانتحار (مارلين تادرس، ضمن تقرير "العنف ضد النساء في مصر"، OMCT، 2001، ص 19). بحسب الدراستين يمكن استنتاج أن ظروف الفقر والعطالة هي البيئة التي تتزايد فيها معدلات العنف ضد النساء، خاصة اذا اعتبرنا القيم الثقافية التي تحدد تصور الأزواج عن أنفسهم من قوامة وقوة وشرف ذكوري وتجعل لهم تفوقاً على نساءهم. هذا التفوق يصبح عجزاً واخصاءاً تحت شروط الفقر والعطالة، لذا يتحول سلوك الحماية الأبوي إلى الاعتداء والعنف والانتقام حتى، حال اعتبر الزوج أن في سلوك زوجته استفزازاً له أو إشارة مضمرة إلى عجزه عن الإيفاء بمتطلبات الذكورة والقوامة المالية. لا يستغرب إذن أن يكون اجبار الزوجة على ممارسة الجنس هو الوسيلة الأقرب لترميم هذا العجز وتعويض الشعور بفقدان الهيبة والكرامة الناجم عنه. ولا يستغرب أيضاً أن يكون اتهام الزوجة بعلاقات غير شرعية في مقدمة أسباب العنف، فالزوج الذي لا يستطيع تسديد فواتير الأسرة مهدد بحسب التصورات الأبوية بفقدان الثقة في النفس وفي قدرته على اسعاد زوجته والحفاظ على أسرته. يتفاقم مركب العجز الذكوري هذا مع الاتفجار الاستهلاكي الذي نشهد، حيث يضغط السوق على ميزانيات الأسر وعلى التصورات الأبوية للقوامة ليس فقط بزيادة الأسعار لكن كذلك بتعميم نمط استهلاكي مكلف تتزايد معه التوقعات والرغبات الاستهلاكية للأفراد بصورة يومية ومع كل منتج جديد.

لنقارن الأرقام المثبتة أعلاه في الدراستين السودانية والمصرية مع معدلات انتشار العنف المنزلي وسط النساء البريطانيات كما وردت في "مسح الجريمة البريطاني للعام 2004/2005". بحسب المصدر عانت واحدة من كل 20 امرأة بريطانية (6%) خلال هذا العام شكلاً أو آخر من أشكال الاستغلال (غير الجنسي) من قبل شريك (زوج أو شريك حياة حالي أو سابق)، والمقصود الاستغلال العاطفي أو المالي، التهديد، والعنف الجسدي. 3% من النساء البريطانيات تعرضن للاستغلال (غير الجنسي) من قبل أحد أفراد الأسرة (باستثناء الشريك/الزوج). بينما تعرضت 3% من النساء لنوع من الاعتداء الجنسي من قبل أي شخص بما في ذلك شريك/زوج أو أحد أفراد الأسرة: التكشف غير اللائق، التهديدات الجنسية، الملامسة غير المرغوبة، الاغتصاب بما في ذلك المحاولات الجادة للاغتصاب. 9% تعرضن لنوع من التحرش تسبب في إثارة فزعهن أو انزعاجهن: خطابات أو محادثات تلفونية غير مرغوب فيها تهديدية أو فاضحة، التربص بهن في جوار أماكن سكنهن أو عملهن، التعقب أو المراقبة، ضرر الممتلكات الشخصية، وذلك من قبل أي شخص كان بما في ذلك الشريك/الزوج. تحليل الاحصاءات أوضح أن أكثر النساء عرضة للاعتداءات الجنسية والاستغلال هن العازبات، المنفصلات عن أزواجهن والمطلقات، والأصغر سناً (16 – 24 عام)، بالإضافة إلى تزايد معدلات العنف المنزلي مع تدهور المستوى المعيشي – الحالة الاقتصادية الاجتماعية، وارتباطه مع السكن بالإيجار. آخذين في الاعتبار شمول وسعة تعريف العنف المنزلي في الإحصاء البريطاني يمكن الجزم أن النساء البريطانيات في وضع أفضل بكثير من غيرهن بما في ذلك السلامة من الاعتداءات والتحرشات الجنسية. لنا أن نتصور كم هي نسبة النساء السودانيات اللواتي يتعرضن لأشكال من الاستغلال (غير الجنسي) من قبل أزواجهن وأفراد أسرهن، أو لاعتداءات جنسية، أو لأي نوع من أنواع التحرش بحسب التعريف السابق. لا شك أن دراسة من هذا النوع ستكشف عن وجه قبيح لئيم من أوجه حياتنا الاجتماعية نجتهد في ستره والتعامي عنه، والواجب كشفه وفضحه ومواجهته. الرأي أن انتشار العنف الأسري ليس ظاهرة منقطعة عن التغييرات الحادثة في بناء الاقتصاد والسياسة والدولة، بل يمكن القول برابط بين عنف الرأسمال وعنف السلطة العسكرية وعنف الآيديولوجيا الدينية وعنف الهيمنة السياسية والاقتصادية وعنف الاحتجاج على هذه الأوضاع وعنف الزوج فاقد العمل الموجه ضد زوجته، فلننظر أي منقلب نحن منقلبون.

اغسطس 2006



http://www.c-we.org
مركز مساواة المرأة