العنف ضد المرأة في ثقافتنا التقليدية هل سنكون برابرة العالم ؟

رجاء بن سلامة
raja@alawan.org

2006 / 9 / 3

لا شك في أن العنف الجسدي والنفسي والجنسي ضد المرأة منتشر في كل أنحاء العالم، تستوي في ذلك البلدان المتقدمة والبلدان النامية، ولكن ما تختلف فيه المجتمعات والحكومات هو :
- مدى وعيها الظاهرة وتوعيتها بها، ومدى فكها لجدار الصمت حولها.
- مدى إنشائها للسياسات وللممارسات، ومدى سنها للقوانين، التي تحمي النساء من العنف أو تنصف النساء المعنفات وتقاضي معنفيهن.
- مدى إيجادها الهياكل التي تؤطر ضحايا العنف، وتعيد إليهم القدرة على الكلام والتفكير، وتعيد تأهيلهم وتجبر خسائرهم.
ولكن المجتمعات تختلف أيضا في نقطة أساسية هي مدى إدانتها العنف أو تبريرها إياه باسم مبادئ رمزية مستمدة من الدين أو من العادات والتقاليد، كما تختلف في الأشكال الثقافية التي يتخذها هذا العنف. فالعنف يشتد عندما يمارس باسم مبدأ رمزي يعتبر أسمى من ممارس العنف ومن ضحيته معا، وعندما يفرض نفسه على الجميع.

ولعل أدبيات حقوق الإنسان لا تميز بما فيه الكفاية بين عنف تلقائي يمارسه المعتدي لأنه يستسلم للغضب أو يلبي حاجته الجنسية أو يعتبر نفسه في وضعية تمكنه من استعمال القوة الجسدية كرد الفعل، وعنف ثقافي يمارس باسم مبدأ ما، وله مبرراته الآتية من عمق التاريخ.

هناك فارق مثلاً بين الإغتصاب وتشويه الأعضاء الجنسية للمرأة الذي يسمى ”ختان البنات“ أو ”الخفاض“. فالمغتصب يرتكب جريمة عمياء ربما اعتذر عنها إذا عاد إليه وعيه، أما المرأة الخاتنة أو ”المطهّرة“ فهي لا تعدو أن تكون طرفا فاعلا في ثقافة تعتبر أن قطع جزء أو أجزاء من أعضاء المرأة الجنسية أمر ضروري لـ”تعديل الشهوة“، وتظن أن هذا القطع من تعاليم الإسلام الضرورية.

ليس الختان أكثر خطورة من الإغتصاب، الذي تميل المجموعة الدولية اليوم إلى اعتباره جريمة ضد الإنسانية1، وليس أقل تسببا في الألم المستمر الطويل الذي يعبر عنه بـ”المعاناة“ في الإعلان العالمي للقضاء على العنف ضد المرأة (الذي تم تبنيه سنة 1993)، ولكن المغتصب يمكن ان يعاقب كفرد، أما الفتاة المختونة التي ستجر وراءها آلام جرحها الرمزي طيلة حياتها فلا أحد ينصفها في ظل أنظمة لا تجرّم فعل الختان ولا تمنعه أو لا تنجح في منعه نتيجة مجموعات الضغط المحافظة. بل ربما أعادت المختونة إنتاج هذا العنف وأخضعت ابنتها إليه، ظنا منها ان لا مفر من الختان.

هذا هو ”العنف الرمزي“ الذي يحدثنا عنه عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو في كتابه عن ”الهيمنة الذكورية“2، ويقول عنه انه ”عنف هادئ لا مرئي لا محسوس حتى بالنسبة إلى ضحاياه“، ويتمثل في أن تشترك الضحية وجلادها في التصورات نفسها عن العالم والمقولات التصنيفية نفسها، وأن يعتبرا معا بنى الهيمنة من المسلمات والثوابت. فالعنف الرمزي هو الذي يفرض المسلمات التي إذا انتبهنا إليها وفكرنا فيها بدت لنا غير مسلم بها، وهي مسلمات تجعلنا نعتبر الظواهر التاريخية الثقافية طبيعة سرمدية أو نظاما إلاهياً عابرا للأزمنة. أشد أنواع العنف ضد المرأة العنف الثقافي المقنّى العتيق الذي تعود ممارساته إلى مئات السنين إن لم نقل آلافها. وأشد أنواع العنف الثقافي هو ذلك العنف الرمزي الذي يبدو بديهيا، ويفرض نفسه على الضحية والجلاد والقاضي، ويقول عن نفسه انه ليس عنفا.

هذا العنف الثقافي هو الذي نجد له صدى في المادة الرابعة من ”الإعلان العالمي للقضاء على العنف ضد المرأة“ (المتبنَّى عام 1993) بآليات القضاء عليه، وهي تنص على ما يأتي : ”على الدول إدانة العنف ضد المرأة ولا يجوز الإستشهاد بأي عادات أو تقاليد دينية لتجنب إلتزاماتها في ما يتعلق بالقضاء على العنف. وعلى الدول إتباع سياسة القضاء على العنف ضد المرأة مستعملة بذلك كل الطرق والوسائل المناسبة وبدون أي تأخير...“. تتوقع هذه المادة العنف الذي يتم باسم مبدأ رمزي ما، وتدرك عنف هذا العنف ورسوخه، ولذلك فإنها تؤسس مبدأ عدم إمكان التحفظ عن إدانة العنف ضد المرأة. ومع ذلك فان مبدأ عدم التحفظ هذا، هناك دول أطراف تتحفظ عنه، وإليكم هذه الواقعة التي تدل على ذلك :

في دورة ”اللجنة المعنية بوضع المرأة“ التابعة للأمم المتحدة، التي عقدت في آذار 2003 (الدورة السابعة والأربعون)، لم يتمكن مندوبو الحكومات لأول مرة من الوصول إلى الإجماع على ”النتائج المتفق عليها“ لهذا التجمع الحكومي. وكانت المسألة التي عرقلت الوصول إلى هذا الإجماع هي الخلاف على الصيغة المستخدمة في التعبير عن إلتزام الهيئات الحكومية الدولية بوضع نهاية للعنف ضد المرأة. ووصف أحد المراقبين الاجتماع قائلا : ”قبل نصف ساعة فقط من إنتهاء الدورة التي استمرت 15 يوما وقف ممثل إيران، يؤيده مندوبا مصر والسودان، ليسجل إعتراض حكومته على الفقرة (صفر) التي تنص على أنه ينبغي على الدول أن تدين العنف ضد المرأة وأن لا تتذرع بأي عرف أو تقليد أو إعتبارات دينية للتنصل من إلتزامها بالقضاء عليه”3.

هذا التحفظ الذي إنفردت به بعض الدول الإسلامية والعربية يدل على وجود بؤر عنف ثقافي ديني ضد المرأة في العالم العربي الإسلامي، يضاف إلى العنف التلقائي الفردي أو الجماعي الذي يوجد في كل مكان. فهل سنصبح نحن برابرة العالم في القرن الحادي والعشرين ؟ أي خصوصيات ثقافية يمكن أن نتمسك بها إذا كانت هذه الخصوصيات تشدنا إلى العنف والجور وتحول دون مساهمتنا في الحركة الإنسانية نحو المزيد من المساواة، والمزيد من الرحمة، والمزيد من الحرية ؟

بؤر العنف الذي يتم باسم مبادئ عليا، وأدوات تحليله ومواجهته هي ما سنهتم به في هذه الورقة.*


1- العنف والتمييز

إن كل عنف ضد المرأة يتضمن بالضرورة تمييزا، وهذا ما تدل عليه عبارة ”على أساس الجنس“ الواردة في تعريف العنف في الإعلان العالمي المذكور4.

فالمرأة تستهدف بالعنف باعتبارها أنثى لا باعتبارها إنسانا أو مواطنة أو غير ذلك. يتم تعنيف المرأة على أساس أنها كائن من نوع خاص، أو كائن مؤذ أو مصدر فتنة للرجل، وهناك شتيمة شائعة تكون موضوع عنف لفظي أو تكون مصاحبة للعنف الجسدي تدل على هذا، وتتمثل في نعت المرأة بأنها مومس تبيع جسدها. بل ان الشتائم الموجهة للرجال هي نفسها تحمل التمييز نفسه ضد النساء، فالرجل في مجتمعاتنا يشتم بأنه ”مخنث“ ونسواني ومأبون...

فالصلة بين العنف والتمييز أساسية، ولها وجوه تراكب وتراتب نجملها في ما يأتي :

◄ أفعال العنف ضد المرأة تتضمن تمييزا ضد المرأة واحتقارا لها.
◄ التمييز يؤدي إلى العنف، فمبدأ طاعة الزوجة زوجها الذي تنص عليه الكثير من القوانين العربية والذي يمكن ضمنا الزوج من تأديب زوجته، يفتح المجال أمام الزوج ليتخذ الضرب شكلاً من أشكال التأديب. وفي مجال القانون الجنائي يعتبر تخفيف العقاب على مرتكب ”جريمة الشرف“ تبريرا للعنف القاتل المسلط على الفتيات والنساء بل وتشجيعاً على ارتكابه.
◄ العنف يدعم التمييز، فالكثير من الرجال أرباب الأسر يستعملون العنف الجسدي لفرض الأدوار التقليدية النمطية على النساء ولتقييد حركاتهن وعلاقاتهن.

فكما تتحفظ بعض الدول العربية عن إدانة العنف ضد المرأة، تتحفظ كل الدول العربية كما هو معلوم، وبدرجات متفاوتة عن ”اتفاقية مناهضة جميع أشكال التمييز ضد المرأة“ على نحو يلغي أحيانا محتوى الاتفاقية، وهو ما يدل على أن هذه البلدان لا تتوافر فيها المساواة في القانون. في هذا السياق الإقليمي العربي، ومن وجهة نظر الإستراتيجيا السياسية التي يجب أن نتوخاها من أجل إزالة التمييز ضد المرأة، من المفيد أن نقطع شوطا أبعد في عقد الصلة بين العنف والتمييز، لكي نكتشف ما في التمييز ضد المرأة من عنف أو لنكشف عنه. إنه عنف يتم باسم مبادئ رمزية أيضا، وهو عنف بنيوي لا ينبع من أفراد بل من بنى إجتماعية وقانونية يتبناها الأفراد والمجموعات، وهو عنف هادئ يعمل في صمت، ولكنه يعمل باستمرار، فهو كالطاحونة التي تسحق الأفراد وتحد من مجال توقهم وآفاق حريتهم. فالعنف ضد النساء، وخلافا لبعض التعريفات المعتمدة لدى بعض الناشطين، ليس فقط فعلا لا إجتماعياً منافسا للأخلاق السائدة، بل قد يكون فعلا مغرقا في الإجتماعية وفي الإنسجام مع الأخلاق السائدة.


- 2 -

تغيير الأحوال الشخصية للمرأة المسلمة : قضية كرامة لا قضية دينية

التمييز هو نوع من ”العنف الأساسي“ لأنه لا يستهدف ملكية الآخر، بل يستهدف ماهية الآخر. إنه ليس إعتداء على جسم الآخر أو على ما يملكه الآخر، بل نفي لجوهر الإنسان في الآخر. إنه كالعنصرية، أي التمييز على أساس العنصر، نفي لحق الآخر في أن يكون له حق، نفي للإنسانية الكاملة للمرأة، وللمبدأ المؤسس للحياة الإجتماعية في عصرنا وهو مبدأ المساواة. فجعل الطلاق أمراً يقرره الرجل وحده عنف بنيوي، وهو عنف أساسي ينفي حق المرأة في أن يكون لها حق في تقرير مصيرها، وهو عنف لا يعد اعتداء على الأخلاق السائدة، ومع ذلك فانه يمكن ان يحول حياة بعض النساء إلى انتظار طويل ودوران في حلقة مفرغة، بين زواج آسر لا يحتمل وقضاء لا ينصف ولا ينصت.

ولعله من المفيد بالنسبة إلى الإعلاميين، في حديثهم عن العنف أن يعتبروا أعمال العنف ضد المرأة علامات تحجب وراءها بنى قائمة، فلا يكتفون تبعا لذلك بعرض الفضائح والجرائم لقراء يستهلكون الفرجة. لا شك في أن الصحافة تحتاج إلى الأحداث ولا نتخيل نشرة تلفزيونية أو صحيفة تقول يوما : لا توجد اليوم أحداث، ولكن من المهم توجيه أنظار القارئ نحو البنى التي تقف وراء الأحداث. ومن المهم تنبيهه إلى ان أحداث العنف الدامية ربما تكون مؤشرا إلى علاقات عنف هادئ وغير دام.


2- العنف والمس بالكرامة

في كل حالة عنف ضد المرأة هناك عنف أساسي يقوم على إنكار حق المرأة في أن تكون لها حقوق. ولكن العنف ليس قائما فحسب على إنكار ضمني أو معلن لمبدأ المساواة بين الرجال والنساء، إنه قائم أيضا على إنكار لمبدأ الكرامة. فما الكرامة ؟

الكرامة قاعدة أخلاقية وفلسفية لحقوق الإنسان الأساسية، غائمة وغير قابلة للترجمة القانونية المحددة، ولكنها أساسية ويرد ذكرها، دون تعريف، في الفصل الأول من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948 : ”يولد جميع الناس أحرارا ومتساوين في الكرامة والحقوق، وهم قد وهبوا العقل والوجدان، وعليهم ان يعاملوا بعضهم بعضا بروح الإخاء“.

ومفهوم الكرامة قديم قدم الفلسفة اليونانية، وله صياغات خاصة في الأديان، ولكنه جديد من حيث كونيته، ومن حيث اعتبار الكرامة صفة تتوافر في كل الناس، لا نثبتها بل نقررها. هذه الصياغة الكونية الجديدة تعني أن لكل ذات بشرية قيمة في حد ذاتها، وبقطع النظر عن المحددات الإجتماعية والدينية والعرقية. ولا بد ان نستفيد من الصياغة الكانطية لمبدأ الكرامة لنقول إنها تعني على وجه التحديد أن من حق كل شخص أن يعامل في علاقاته بالأشخاص الآخرين أو بالدولة على أساس أنه غاية لا وسيلة، وعلى أنه أغلى من كل شيء، وأن له قيمة قصوى.5

وما يدعو إلى إحترام الإنسان هو العقل والوجدان الذي قد يعني بالأساس شعوره بوجود الآخرين وميله إلى رحمتهم، وقدرته على تسيير حياته حسب مبادئ وتوقه إلى القيم المطلقة وإلى مصير يتجاوز الزمن.

ومفهوم الكرامة هو الذي يجعلنا لا نقدم تصورا للعنف يقصره في التعدي على حرمة الجسد فحسب، وهو الذي يجعلنا لا ندين الإغتصاب فحسب، بل ندين التحرش الجنسي أيضا، فالمتحرش بالمرأة لا يؤذي جسدها بل يؤذي ”معيش جسدها“، لا يعتدي على الجسد-الموضوع بل يعتدي على الجسد-الذات، وهو يخل بكرامتها لأنه لا يبالي برغبتها وبعدم رغبتها، فيعتبرها وسيلة لتحقيق رغبته.

ومفهوم الكرامة في إرتباطه بالعقل وبالطبيعة الأخلاقية للعلاقات بين الناس، هو الذي يجعلنا نعي مدى المس بكرامة المرأة في شعارات نقرأها في كل مكان، هي من قبيل : ”الحجاب حصانة ضد الزنا والإباحية، فلا تكون المرأة إناء لكل والغ“6. فمثل هذه الشعارات تعتبر الرجل كائنا عاجزا عن التحكم في غرائزه وتعتبر المرأة كائنا متسببا في إثارة الغرائز، يجب إتخاذ التدابير اللازمة لإحكام حجبه. وإذا لم يحكم حجبه فإن ”تبرجه“ يتسبب في كل الكوارث. وليست المرأة أقل عقلا من الرجل ولا الرجل أقل جسدانية من المرأة، وإحترام الذات البشرية يقتضي منا افتراض تحمل الناس مسؤولية رغباتهم، وافتراض قدرتهم على الاختيار ووضع الحدود لرغباتهم ورغبات الآخرين دون حاجة إلى الحواجز المادية المفتعلة.

وقيمة المرأة باعتبارها احتراما لمعيش الجسد هي التي تجعلنا نعي العنف في فرض لباس تقليدي على المرأة يغطي كامل وجهها، فيجعلها كتلة جسدية لا تكاد ترى ولا تكاد تعرف وتُرى، وتجعلنا نطالب بحق المرأة في أن يكون لها وجه تظهر به في الفضاء العمومي وتعرف به، بحيث يكون النقاب بمثابة المعاملة المهينة واللاإنسانية. وقيمة الكرامة هي التي تجعلنا نحجم عن اعتبار المرأة وسيلة للإنجاب وحفظ النسل والأسرة، ونحجم تبعا لذلك عن إحتقار فئات النساء اللاتي لا يقمن بهذا الدور أو اللاتي إنقطع قيامهن به، اقصد : المرأة التي لا تنجب، والمرأة التي اختارت العزوبة، والمرأة العانس، والمرأة المطلقة، والمرأة الأرملة، والمرأة التي تجاوزت مرحلة الإنجاب...


3- البؤر المولدة للعنف الثقافي ولخطاب العنف ضد المرأة

لن نتعرض إلى مظاهر العنف ضد المرأة والى مظاهر التمييز في المنظومات القانونية العربية، إنما نكتفي في هذه الورقة بالإشارة إلى البنى الثقافية التي تنتج هذا العنف وتنتج الخطاب الذي يبرره وهي إجمالا :

- الصيغ العلائقية العتيقة التي تجعل جسد المرأة ملكا للزوج أو للأسرة، وهي صيغ مترسبة من البنى المجتمعية التي كانت فيها المرأة موضوع تبادل بين الرجال لا ذاتاً داخل عمليات التبادل الاجتماعي، وتؤدي هذه الصيغة إلى تكريس تصورات عتيقة للشرف، تربطه بالحياة الجنسية وتقصره عليها، وتجعل جسد المرأة مجال رأسمال رمزي للرجل، بحيث أن شرفه لا يتلوث بما يعقده هو من علاقات، بل يتلوث بعلاقات قريباته الحقيقية أو المتخيلة برجال آخرين. كما تعيد بعض القوانين العربية إنتاج هذه الصيغ، فتدين المرأة التي تخل بقواعد التبادل القديمة، فتختار قرينا خارج الدائرة القريبة المعهودة، أي تتزوج بأجنبي فتعاقبها الدولة بحرمان أبنائها من جنسيتها.

- الصيغ العلائقية الأبوية التي تفرض واجب الطاعة على المرأة وتمنح حق التأديب للرجل في المجال ألبيتي. وهذه الصيغ تحد من إمكانات التقاضي بالنسبة إلى المرأة وتحد من فاعلية هيئات التثليث، أي الهيئات التي يظهر فيها طرف ثالث يفصل النزاع. فهيئات التثليث هي التي تجعل الخصم غير القاضي، وتجعل الإنسان لا يأخذ حقه بيده كما في قانون الغاب. هذه البنى الأبوية لا تساعد على الخروج من عنف قانون الغاب لأنها تصهر وظيفة السيد، فتنتج صورة ”الشيخ“ أو البطريرك، وتصهر وظيفة الزوج في وظيفة السيد فتنتج صورة ”البعل“ وهذا ما يفسر رضوخ الكثير من النساء إلى العنف الزوجي، وميل الأنظمة القانونية إلى عدم إنصافهن، باعتبار أن الأسرة مجال خاص، وأن المرأة التي لا تطيع زوجها ناشز متملصة من واجباتها الزوجية.

- الخلط المتواصل في العالم العربي بين سجلين مختلفين هما سجل الدين باعتباره تجربة روحية تربط بين المخلوق والخالق وسجل المواطنة باعتبارها انتماء للدولة. ومن نتائج هذا الخلط التمسك بالقوانين التمييزية في مجال الأحوال الشخصية خاصة، ومن نتائجه أيضا تهميش فئات من النساء منهن الزوجات الأجنبيات غير المسلمات، فهن لا يرثن أزواجهن وإن حصلن على الجنسية، والمتزوجات المسلمات من رجال غير مسلمين، فلا يعترف بزواجهن...

- وجود خطاب ثقافوي ديني رائج يكرس العنف ضد المرأة، ووجود هيئات وأفراد يديرون المقدس وينتجون قضاء موازيا للقضاء المدني، متناقضا معه أو مستغلا لفراغاته. يستغل هؤلاء المديرون للمقدس سلطتهم المعنوية وقدرتهم على التأثير في القطاعات العريضة من الناس للقيام بما يأتي :

- ينتجون إيديولوجيا جنسية تعتبر الفوارق بين الرجال والنساء طبيعية فطرية، وتعتبر تحرر المرأة من الأدوار النمطية خروجا على النظام الإلهي.
- يشيّئون القرآن ويختزلون رسالته الأخلاقية في مجموعة من الأحكام، ويرفضون دعوات الفصل بين العبادات والمعاملات التي يجب أن تخضع لسنّة التطور والتحول، ويرفضون دعوات إعادة التفكير في علاقتنا اليوم بالنصوص المقدسة.
- يتشددون في الأحكام الخاصة بالمرأة أكثر من الفقهاء القدامى أنفسهم، فيضفون طابع القداسة على العادات التي لم يرد ذكرها في القرآن. كما يحرّمون موانع الحمل والحقوق الإنجابية للمرأة والكثير ما لم يرد فيه حكم في القرآن.
ومن مظاهر هذا التشدد ما له علاقة مباشرة بالعنف الدموي داخل الأسرة، فبعض هؤلاء المفتين يبرر ضرب الزوج زوجته إستنادا إلى الآية القرآنية ”واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن، فان أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا“(النساء 34). ففيما يذهب بعض المجتهدين المعاصرين إلى أن الآية جاءت للحد من ضرب الزوجة وتقنينه، والى أن هذا الضرب رخصة لها علاقة بالمجتمع الذي ظهرت فيه الدعوة الإسلامية ولا داعي إليها في عصرنا7، يذهب بعض رافضي الاجتهاد المعاصرين الذين يتميزون بشعبية كبيرة إلى اعتبار هذا الضرب قاعدة من القواعد التي تنظم عملية تأديب الزوجة. إلا أنه يشعر مع ذلك بالحرج، نتيجة صعوبة إقناع الجميع بجواز هذا العنف الجسدي، فيشرّع لأمر غريب ولم نجد له أي صدى لدى المفسّرين القدامى لهذه الآية، وهو ”الضرب المشوب بالحنان“: ”والمرأة عندما تجد الضرب مشوبا بحنان الضارب فهي تطيع من نفسها“8.
- ولا يكتفي هؤلاء المديرون للمقدس بإنتاج الخطابات المبررة للعنف والتمييز، بل ينصّبون أنفسهم سلطات تراقب الخطابات الأخرى المغايرة للحد من فاعليتها وإقصائها، وتستخدم لذلك آلية التكفير المعهودة. فهناك على سبيل المثال فتوى صادرة من هيئة دينية رسمية بإحدى الدول العربية تعتبر القول بالمساواة بين النساء والرجال ”كفرا صريحا“9؛ وهناك فتوى أخرى تكفّر المنظمات التي تدعو إلى إلغاء عادة الختان.10

ثقافة العنف ضد المرأة تستند إذن إلى عنف التفكير والتأثيم

أقسى أنواع العنف، العنف الثقافي، وأقسى أنواع العنف الثقافي ذاك الذي يضطلع به أشخاص يتكلمون باسم الرحمن الرحيم ليشيّعوا دعوات القسوة، وليكفروا دعاة المساواة والحرية، أو ليبثوا في أحسن الأحوال دعوات الرحمة القاسية كما في الفتوى الداعية إلى ضرب الزوجة ضربا ”مشوبا بالحنان“، أو في الفتاوى الداعية إلى ختان البنات دون قطع كل أعضائهن الجنسية. فرحمة القساة تظل قاسية كما قيل.

ويزداد هذا العنف عنفا عندما تجد رجع الصدى لهذه الدعوات القاسية لدى المشتركين المدنيين ولدى من بيدهم القرار السياسي، تجدها في شكل دنيوي ملطف، وفي شكل تحفظات تردد ترانيم الهوية، وترى في قوانين الغاب وفي العنف واللامساواة الموحشة خصوصيات ثقافية وثوابت أليفة.






--------------------------------------------------------------------------------


هوامش :
1- هذا ما يقرره النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية المعتمد في روما والذي اكتمل عام 1998. انظر : ”مصائرنا بأيدينا، فلنضع حداً للعنف ضد المرأة“ : تقرير منظمة العفو الدولية ،2004 ص70.
2- Bourdieu Pierre : La Domination masculine, Seuil, 1998, pp. 7-8
3- ”مصائرنا بأيدينا...“، ص 36-.37
*- ورقة قدمت إلى ورشة عمل تشاورية إقليمية تحت عنوان ”الإعلام ومناهضة العنف ضد المرأة“ عقدت في القاهرة في 26-28/6/2004.
4- العنف ضد المرأة هو : ”أي فعل عنيف قائم على أساس الجنس ينجم عنه أو يحتمل ان ينجم عنه أذى أو معاناة بدنية أو جنسية أو نفسية للمرأة بما في ذلك التهديد باقتراف مثل هذا الفعل أو الإكراه أو الحرمان التعسفي من الحرية سواء وقع ذلك في الحياة العامة أم الخاصة“.
5- انظر توضيحا لمفهوم الكرامة لدى كانط ولقوله المشهور في ”أسس ميتافيزيقا الأخلاق“ : ”تصرف بحيث تعامل الإنسان في شخصك وفي أي شخص آخر على أنه دائما وفي الوقت نفسه غاية وليس مجرد وسيلة“ في Revue du droit public, n1 - 1999, p 162
ولكن من المهم ان ننتبه إلى مناقشة الفيلسوف كيس للتعريف الكانطي لهذا المفهوم واقتراحه لصيغة علائقية له في كتابه عن ”المساواة في الكرامة“، فالكرامة حسب رأيه هي ما يجعل العلاقة بين الناس معيارية اجتماعية : Janos Kis: Legale dignite, trad du hongrois par G. Kassai, Seuil 1987, pp 120-127
6- مقال ”فوائد الحجاب“ في موقع : http://www.almydan.com
7- يقول الشيخ محمد الطاهر بن عاشور في تفسير التحرير والتنوير، ج3-41 تونس، دار سحنون للنشر والتوزيع : ”وجعلوا الإذن بالموعظة والهجر والضرب مرتبا على هذا العصيان، واحتجوا بما ورد عن بعض الصحابة أنهم فعلوا ذلك في غير ظهور الفاحشة، وعندي أن تلك الآثار والأخبار محمل الإباحة فيها أنها قد روعي فيها عرف بعض الطبقات من الناس، أو بعض القبائل، فإن الناس متفاوتون في ذلك، وأهل البدو منهم لا يعدّون ضرب المرأة اعتداء، ولا تعده النساء أيضا اعتداء...“
8- الشيخ محمد متولي شعراوي : 100 سؤال وجواب للمرأة المسلمة، مكتبة التراث الإسلامي، ص 82.
9- انظر على سبيل المثال لا الحصر فتوى المفتي السعودي السابق عبد العزيز بن باز ”الرد على من ينادون بالمساواة بين الرجل والمرأة : في موقعه : http://www.ibnbaz.org.sa
10-انظر مقال ”ختان الأنثى واجب رغم انف الرُّوَيبضة“ في موقع : http://www.islamadvice.com.





http://www.c-we.org
مركز مساواة المرأة